دعوة

ضمير الأمة

الضمير هو شيء داخلي.. إحساس غير ملموس لكنه يقوم بدور مهم في حياة البشر.. فالضمير هو من يحذرك من فعل الخطأ.. وهو من يلومك لو فعلته .. أي إنه جرس الانذار داخل كل واحد فينا.

الضمير يعرفه الفلاسفة وعلماء الأخلاق بأنه الوجدان أي قدرة الإنسان على التمييز فيما إذا كان فعل خطأ أم صواب أو التمييز بين ما هو حق وما هو باطل، وهو الذي يؤدي إلى الشعور بالندم عندما تتعارض الأشياء التي يفعلها الفرد مع قيمه الأخلاقية، وإلى الشعور بالاستقامة أو النزاهة عندما تتفق الأفعال مع هذه القيم.

ويعرفه علماء النفس بأنه وظيفة من وظائف الدماغ التي تطورت لدي الإنسان لتسهيل الإيثار المتبادل أو السلوك الموجه من قبل الفرد لمساعدة الآخرين في أداء وظائفهم أو احتياجاتهم دون توقع أي مكافأة.

 والضمير وصف وكلمة تجسد كتلة ومجموعة من المشاعر والأحاسيس والمبادئ والقيم تحكم الإنسان وتأسره ليكون سلوكه جيداً محترماً مع الآخرين يحس بهم ويحافظ على مشاعرهم ولا يظلمهم ويراعي حقوقهم وباختصار شديد هو ميزان الحس والوعي عند الإنسان لتمييز الصح من الخطأ مع ضبط النفس لعمل الصح والبعد عن الخطأ.

 هذه التعريفات مهمة لمعرفة هذا السلوك الداخلي عند البشر وكذلك وسط المجموعات البشرية وبين الدول وداخل المؤسسات المختلفة.

 فمثلا لقب حزب الوفد بأنه ضمير الأمة وهذا لقب أطلقه الشعب علي قادة الحزب العظام عندما تصدوا إلي الاستعمار الإنجليزي وتمسكهم بالاستقلال وانتهجوا منهج «المقاومة اللاعنيفة» ضد المستعمر وهي نفس المنهج الذي اتخذه غاندي في الهند.

وتمسك قيادات الوفد بالحرية والديمقراطية ومحاربة الفساد والتصدي للديكتاتورية جعل الناس في مصر تطلق عليهم هذا اللقب وكان شعاراً يهتفون به في مظاهراتهم وفي مؤتمراتهم وهو هتاف «عاش الوفد ضمير الأمة».

وحتي داخل المؤسسات تجد أشخاصاً يمثلون هذا المعني ويقومون بدور الضمير بدون وعي منهم وهؤلاء يرفضون الخطأ ويحذرون منه قبل أن يقع ويلومون المؤسسة عندما يقع وهؤلاء لا هدف لهم إلا الإصلاح فهم دائما زاهدون في المناصب ودائما لا يريدون إلا أن تسير الأمور في طريقها الصحيح وبدون خلل أو ظلم لأحد.

وهؤلاء عندما يحذرون من الأخطاء تكون تحذيراتهم في إطار ودي بدون ضجيج وبدون مزايدات علي الآخرين ولا تكون لهم مصلحة خاصة من وراء نصيحتهم أو لومهم فهم سخرهم الله لهذا الدور وتجدهم يفعلونها دون وعي منهم.

فضمير كل مؤسسة هدفه هو الصالح العام وهدفه إيقاظ الضمير الداخلي عند المسئولين علي هذه المؤسسة وتوضيح الطريق الصحيح لهم.. لذا نجد الفاسدين هم أول من يضيقون بهؤلاء وينكلون بهم ويسدون آذانهم عنهم لأن الفاسدين انعدم عندهم الوجدان وأصبح الطمع والجشع هو هدفهم وأي شخص يفق ضدهم يتم التشهير به وقتله معنوياً ومادياً.

كما يضيق بمثل هؤلاء أيضاً أصحاب الإمكانيات المحدودة الذين يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء وهم في الحقيقة جهلة لذا يكون طريق هؤلاء هو التلون بسرعة البرق مع كل شخص يتولي السلطة في المؤسسة ويكون هدفه النيل من ضمير هذه المؤسسة فهم يعتبرونه العقبة التي تقف في طريقهم.

وتعد المعارضة السياسية في أي دولة هي ضمير هذه الدولة لأن هدفها هو إصلاح الدولة وأن تبقي صورتها أمام العالم جيدة وأن يكون شعبها حراً في اختياراته وفي من يدير موارده وحرصت كل الأنظمة الديمقراطية علي حماية احزاب المعارضة من سدنة السلطة ومن منافقي أي نظام ومن حملات التشوية التي تتم ضدها خاصة وأن مثل هؤلاء يكونون متبرعين من أجل أن ينالوا رضا السلطة.

وكذلك المجتمع المدني فإن كان المجتمع المدني هدفه الأساسي هو التنمية بصورتها الواسعة فهو أيضاً يلعب دور الضمير المجتمعي الوقائي الذي يحذر المجتمع من أي تصرفات أو أعمال تضربه ومن هنا تكمن أهمية مكونات هذا المجتمع من نقابات مهنية وعمالية ومن جمعيات أهلية ومن جماعات المصالح المختلفة والروابط والأندية فهي تعمل في كل المجالات.

لذا نجد أن الشعوب التي حققت قفزات واسعة في التنمية الشاملة كانت السلطات فيها تستمع إلي ضمير المجتمع وتحاوره وتصل معه إلي القرار فكل شيء في هذه الدول قابل للحوار والنقاش ولا يوجد عندهم شيء سري وأن العامل الأخلاقي هو الفيصل لأن هذه الأنظمة علمت أن القوانين مهما كانت لن توقف فساداً ولن تردع مجرماً ولن تصنع ازدهاراً فالجانب الأخلاقي هو القادر علي تحقيق التنمية بسرعة في أي مجتمع.