على فكرة

لوعة الفقد

أثارت دهشتى الصديقة الغالية «لميس رجاء النقاش» المترجمة وأستاذ الأدب الأنجليزى بجامعة القاهرة حين دعتنى قبل مدة لحضور مناقشة رسالتها لنيل شهادة الدكتوراه. لم يكن مبعث الدهشة هو فقط  اختيار عنوان الرسالة المفاجئ بالنسبة لى ولغيرى، بل أيضا  بسبب تفرده. كانت الرسالة بعنوان «تجربة الفقد فى الأدب المعاصر». والفقد فى قواميس اللغة هو الغياب والضياع والحرمان والخسران، فما هى يا ترى الأحزان التى دفعت أكاديمية شابة ناجحة مثلها  لتتقصى بعض طقوس الفقد، وتتبع الوانه المختلفة: من فقد الأحبة إلى فقد الوطن إلى فقد الذات والرؤية والهوية؟ أهى التجربة الشخصية التى تملأ حياة البشر بالفواجع فلا يكفون بعدها أبدا عن الركض وراء اجابات عن أسئلة موجعة ومستحيلة عن سبب الفقد والغياب والخسران؟ أو ربما هى معرفتها أن تراث الأدب العربى والغربى فى مجالى الشعر والنثر، قد حفل بالمراثى والمآسى؟ أم هى الثقافة والمعرفة  اللتان تدركان بسهولة حجم الآلآم التى يكابدهها الأنسان مع تجربة الفقد، فيأتى الأدب والفلسفة والفنون للبحث له عن ترياق يهون عليه الوجع  والألم ولوعة الفقد، ويمنحه الثقة بقدرة الإرادة الإنسانية على التحمل والمواجهة، وفتح مسارات للحلم والأمل وسط بحار الأحزان؟ ألم تكن نشأة الفلسفة هى مسعى انسانى لمعرفة الوجود وأدراك معنى الحياة والموت والبحث فى المسافة بينهما عن  عناصر لسعادة الانسان؟

فى روايته الشهيرة، يصف نيكوس كازانتزاكيس «زوربا اليونانى» بأنه قلب نابض بالحياة، وصخرة دافئة، ونفس عظيمة بريئة على طبيعتها، لم ينقطع بعد الحبل السرى بينها وبين أمها الأرض». وفى العلاقة الفريدة التى جمعت بين «زوربا» الشيخ الأمى الذى يعيش حياته بتلقائية روح وثابة، وعفوية قلب فتى مغامر أكسبته التجارب خبرات حياتية عميقة، وبين المثقف الشاب الثرى النهم للقراءة ولا يعرف من الحياة سوى الأشكال النمطية الذهنية التى تصورها له الكتب، والذى جاء القرية يبحث عن استثمار لثروته، يسخر زوربا من صديقه المثقف وكتبه التى تتعالى على تجارب الحياة، ويسأله هل لدى كتبك اجابة عن لماذا يقتل الناس بعضهم البعض؟ لماذا يجب علينا أن نفترق؟ لماذا يموت الناس؟ فيجيبه المثقف قائلا إنما أنا  اقرأ الكتب لأبحث عن اجابة لتلك الأسئلة..

وفى مذكراتها التى صدرت تحت عنوان «باولا» تحدثت الكاتبة التشيلية «إزابيل الليندى» عن تجربة فقد من نوع مأساوى قاس، إذ أصيبت ابنتها الشابة بولا بمرض خطير أدخلها فى غيبوبة لعدة شهور، وأكد لها الأطباء أنها لا تتألم ولا تشعر ,ولا يوجد علاج لحالتها، فظلت ملازمة لها تكتب صفحات كتابها فى ممرات المستشفيات، وردهات الفنادق ،وتجلس بجوار سرير ابنتها  تحكى لها وتحدثها، وتتحدث عنها لطبيبها وتصفها له: إنها لامعة، إنها أذكى أفراد الأسرة، إنها ذات روح جامحة، وهى الأولى دائما فى كل أمر تسعى إليه.. هل تظنها ستستسلم ؟غير ممكن على الإطلاق، لابد أن ثمة خطأ، يجب إعادة الفحوص، لكن الطبيب يكرر أسفه، ويؤكد بأنه ليس هناك ما يمكن عمله لأن دماغ باولا قد تلف تماما.

وتصف إزابيل الليندى حالة الارتباك الشديد الذى أصابها هى والأسرة قائلة: اخذنا نتحرك جميعنا بتثاقل، كما لو أننا فى قاع البحر، عاجزين عن القفز فى وثبة نمرٍ لنوقف دفعة واحدة، عجلة القدر التى تدور مسرعة باتجاه الموت.

ولعل العجز عن القفز لإيقاف عجلة القدر أو حتى فرملتها، هو ما ملأ قلب أحمد شوقى بلوعة حارقة وهو يرثى حافظ إبراهيم قائلا: قد كنت أوثر أن تقول رثائى، يا منصف الموتى من الأحياء. وودت لو أنى فداك من الردى، والكاذبون المرجفون فدائى، خلقت فى الدنيا بيانا خالدا، وتركت أجيالا من الأبناء، وغدا سيذكرك الزمان ولم يزل، للدهر انصاف وحسن جزاء.

فى رسالتها الأكاديمية، تنوعت تجارب الفقد التى رصدتها لميس النقاش، ،لكن الظن أن الفقد الذى يخلف الرحيل والغياب ويدمى الروح ويجرح الوجدان يبقى الهاجس الأكبر الذى يعلو على كل أشكال الفقد، حتى لو كان أبطاله يبدأون بالرحيل حياة مغايرة مفعمة بالحضور والبقاء.