دليلى احتار

تدور فى الأروقة العربية هذه الأيام بعض المشاكل والرؤى، حول المصالحة العربية الشاملة مع دولة إسرائيل، فى مقابل إتمام المصالحة الفلسطينية - الإسرائيلية، على أساس إنشاء الدولتين – الفلسطينية والإسرائيلية - وبأن تكون دولة فلسطين على حدود 1967 وعاصمتها القدس.

فبينما كانت هذه هى الرؤية التى تسعى غالبية الدول العربية إلى تحقيقها، إلا أن إحدى الوزيرات الإسرائيليات، قد خرجت علينا بتصريح تطالب فيه مصر بتوطين الفلسطينيين فى جزء من سيناء متاخم لغزة، بحيث تكون هذه المنطقة هى دولة فلسطين الجديدة. وفى الوقت ذاته، فقد عرضت العديد من المطالب على هيئة الأمم المتحدة لاعتبار القدس تتبع فلسطين، إلا أن غالبية هيئة الأمم رفضت هذا الاقتراح. وأخيراً، فقد سمعنا - مجدداً – عن نية الرئيس الأمريكى فى نقل السفارة الأمريكية للقدس، وبأنه سوف يعلن عن هذا النبأ نهاية الأسبوع، ولكن هناك دول عربية كثيرة حذرته من هذه الخطوة.

وفى ظل تواتر تلك الأحداث، فقد سرب بعض المستندات من انجلترا، تفيد بموافقة الرئيس السابق حسنى مبارك على توطين الفلسطينيين فى سيناء، فى مقابل حصول مصر على جزء من صحراء النقب مساوياً للجزء المتاخم لغزة من سيناء، ولكن سرعان ما صرح الرئيس السابق حسنى مبارك فى بيان له ينفى فيه تماماً صحة ما ورد بهذه التسريبات، وقد أكد سيادته أنه لم يسمح يوماً بالتفريط ولا حتى فى شبر من أرض سيناء، وقد أشار فى بيانه إلى أنه ظل فى حكم مصر ما يقرب من ثلاثين عاماً، ولم يحدث خلالها أن توطن فلسطيني واحد فى سيناء.

حقيقة الأمر، إن مسألة توطين الفلسطينيين فى سيناء سبق وأن عرضت على الرئيس المعزول محمد مرسى، وقد وافق على تلك الفكرة بالفعل أثناء ما كان رئيساً لمصر، وحين عرض الأمر على الرئيس أبومازن لأخذ رأيه رفض رفضاً قاطعاً، مشيراً إلى أنه لا يوجد فلسطينى واحد يقبل أن يترك أرضه، وقد رد عليه الرئيس المعزول حينها بأن «حماس» قد وافقت بالفعل. ويقال إن أمريكا قد منحت المعزول ثمانية مليارات دولار كدفعة أولى، فى مقابل توطين الفلسطينيين فى جزء من سيناء وجعلها دولة فلسطين الجديدة.

كل هذه الأمور التى جرت فى الأيام القليلة الماضية، تشير – مع الأسف الشديد – إلى أن العرب فى وادٍ وإسرائيل وأمريكا فى وادٍ آخر. فبينما العرب يسعون للصلح مع إسرائيل فى مقابل إنشاء دولة فلسطين على حدود 1967 وعاصمتها القدس، فإن أمريكا وإسرائيل تسعيان إلى توطين الفلسطينيين فى سيناء. ويبدو أن قرب المصالحة الفلسطينية - الفلسطينية، هو الذى جعل أمريكا وإسرائيل تعجلان من مطالبتهما بتوطين الفلسطينيين على أرض سيناء، وبحيث تستولى إسرائيل على كامل الأراضى الفلسطينية بما فيها القدس.

البادى من تلاحق تلك الأحداث، أن رسالة إسرائيل الآن للعرب، هى أنها الآن ستعتمد على قوتها العسكرية وعلى التأييد العالمى لها، فهى الآن لا يعنيها كثيراً التصالح مع العرب أو الفلسطينيين، وأنها تسعى لتحقيق حلمها القائم على إنشاء دولة إسرائيل الكبرى الممتدة من النيل إلى الفرات. فمسألة التصالح مع الفلسطينيين أصبحت بالنسبة لإسرائيل وأمريكا أمراً لا أهمية له وغير وارد فى ذهنيهما حالياً، وأن المصالح الإسرائيلية أكبر بكثير مما يسعى إليه العرب فى مطالبهم بالتصالح مع إسرائيل فى مقابل إنهاء المشكلة الفلسطينية على أساس حدود 1967، وأن تكون القدس عاصمة فلسطين.

لقد احترت واحتار دليلى، كيف تتصور إسرائيل أن مصر من الممكن أن تفرط ولو فى شبر واحد من أرضها؟؟ وهل تعتقد إسرائيل ومعها أمريكا، أن مصر ستسمح فى يوم من الأيام أن تمتد حدودها إلى داخل الأراضى الإسرائيلية؟؟ إن مصر لم ولن تسمح بالتفريط فى شبر واحد من أرضها، فإن ما تسعى إليه إسرائيل ومعها أمريكا من توطين الفلسطينيين فى شمال سيناء، أمر أشبه بالسراب.. وتحيا مصر.