رؤى

لماذا يكره اليسار رجال الدين؟

 

 

لماذا يكره بعض الناصريين واليساريين رجال الدين؟، لماذا يجاهرون دائماً بالعداء للمؤسسات الدينية وللقائمين عليها؟

قبل ثلاثين سنة، كنت فى بداية حياتى العملية بمهنة الصحافة، تعرفت بحكم عملى على أحد النقاد والكتاب اليساريين الكبار، وخلال أحد اللقاءات انتقد بعنف المؤسسات الدينية، وهاجم بقسوة القائمين عليها، وهاجم أيضا أحد الشخصيات الدينية، وبعيدا عن النشر اتهمه بالشذوذ، وحكى لى حادثة وقعت لهذا الشيخ بسبب شذوذه، كنت شاباً صغيراً، وثقافة ومكانة هذا الكاتب ومنطقه فى الحديث أدخل الشك فى قلبى، وقد كنت من محبى الاستماع إليه، حتى أننى رغم صغر سنى عند ظهوره لأول مرة فى أحد البرامج الدينية التليفزيونية، توقعت ساعتها أن يكون عالماً كبيراً، وأن يحظى بشهرة واسعة لأسلوبه البسيط فى توصيل المعلومة.

على مدار سنوات تالية التقيت بحكم العمل بمعظم المثقفين من الناصريين واليساريين والليبراليين، واكتشفت كم الكراهية والعداوة التى يحملها أغلب اليساريين والناصريين لكل ما هو مقدس، كنت ألتقى بعضهم فى بار أو مقهى يحتسى البيرة ويسب ويلعن بعض القيادات والرموز الدينية.

بحكم دراستى للفلسفة، وللحركات والجماعات والنظريات، حاولت أن أبحث من خلال انتقاداتهم وهجومهم، الذى يصل إلى حد الطعن والقذف،عن مرجعية أو سبب ما، فلم أجد للأسف أساسا أو رؤية يمكن فهمها أو مناقشتها.

وأذكر أنهم كانوا دائماً ما يبحثون عن صدام مع المؤسسات الدينية، وعند نشوب المعركة يرفعون شعار «حرية الإبداع، وحرية الفكر، وحرية التعبير»، وكانت المناظرة بين الفريقين مؤسفة، لأن فريق المؤسسات الدينية يمتلك المنهج، والأدوات التى يخوض بها المعركة، فيؤصل بالقرآن، ويستدعى السنة النبوية، ويستشهد بالإجماع، وينتهى بالاجتهادات، وكان الفريق الثانى يصرخ ويسب ويلعن رافعاً راية الحريات، وكأن هذه الحريات سرمدية لا حدود لها.

وعندما اختلقوا معركة ترقية المرحوم حامد نصر أبوزيد، تكاتف فريق اليسار، ورفعوا راية الحريات، ودفعوا بنصر أبوزيد كبشاً لمعركة لا يمتلكون فيها أسلحة سوى الشعارات الجوفاء، وصوروا المعركة فى مشهد صراع بين التنوير والتخلف، واستدعوا محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، وزينب محمد مراد «سيزا نبراوى»، وقاسم أمين، وشادية لطفي، واستفان روستى، ولم يكن أغلبهم قد قرأ للأسف الأبحاث التى تقدم بها المرحوم نصر أبوزيد، وانتهت المعركة كالعادة بهزيمة أصحاب شعار الحرية السرمدى.

فى لقاء مع أحد النقاد الكبار من اليسار فى مقهى بباب اللوق، كان يسكر فيها إلى أن يحملوه مرابعة، قبل أن يغيب عن الوعى سألته: هل من علاقة عند بعض اليساريين بين الخمر وحرية الإبداع والتفكير؟، فطس على نفسه من الضحك، وقال لى: تقصد الخمر كخمر أم الحرام؟، ضحكت وأكلت من المزة وقلت له: هى دى التانية، ضحك ضحكة اسكندرانى، وسبنى بعورة أمى.

[email protected]