مجرد كلام

زرافة محمد على.. ومكرونة «سعيد» باشا

محمد عصمت Thursday, 12 October 2017 20:19

وراء كل حدث تاريخى كبير، توجد العديد من الحكايات الطريفة التى كان يعتقد أنها أثرت، بشكل أو بآخر، على حركة هذه الأحداث، وأن أبطال هذه الحكايات نجحوا فى تغيير اتجاه التاريخ.

محمد على باشا الذى بنى مصر الحديثة، كان يحتفظ بزرافتين أحضرهما من إفريقيا، فى أحد قصوره، عندما أهدى إحداهما الى فرنسا، كانت حديث الشعب الفرنسى آنذاك، الذى كان يتجمع بالآلاف فى الشوارع لمشاهدتها، كما كانت محط اهتمام الصحف الفرنسية، ويقول مؤرخون إن هذه الزرافة لعبت دوراً كبيراً فى التعاون بين دولة محمد على الفتية وبين فرنسا، غطى آنذاك على دور أنصار المصلح الاجتماعى الفرنسى سان سيمون فى النهضة المصرية الحديثة، الذين كانوا يؤمنون بمبدأ الاخوة الإنسانية، وتعميق العلاقات بين الشرق والغرب، وحفر قنوات السويس للربط بينهما، حيث كانت لمصر أدوار مهمة فى أفكارهم الفلسفية ومشاريعهم السياسية.

وإلى مصر عباس حلمى الأول  ابن الأمير طوسون، الذى تولى حكم مصر بعد وفاة عمه إبراهيم باشا، وفى حياة جده محمد على، كان ضحية جدته التى أفسدته بالتدليل الزائد والحماية المبالغ فيها، فهى التى منعته من السفر مع بعثات محمد على لفرنسا مثل عمه «سعيد» باشا مثلاً، فجاء حظه قليلاً من العلم والثقافة، ونشأ منطوياً على نفسه قاسياً على الآخرين، مولعاً بالقصور الفخمة التى يبنيها فى أطراف الصحراء بعيداً عن الناس، حتى مات مقتولاً بصورة غامضة فى أحدها، ليتعدى تأثير جدته السلبى عليه حدود حياته الشخصية الغامضة، إلى قراراته السياسية التى جعلت مصر تعيش فى ظلام دامس، بل وفى دولة بوليسية الجميع يتجسس على الجميع فيها رغبة فى التقرب من هذا الحاكم الذى كان يعيش فى فوبيا التآمر عليه!

وحتى مشروع حفر القناة  نفسه  كان له حكاية لا تخلو من طرافة، بطلها المغامر الفرنسى فرديناند ديليسبس، الذى سرق الفكرة من السان سيمونيين، وأقنع بها الخديو «سعيد» بعد أن وطد علاقته به، عن طريق تقديم طبق مكرونة له، حيث يقال إن «سعيد» الذى كان بديناً محباً للطعام، وقع فى عشق المكرونة، فوافق على مشروع «ديليسبس»، وهو بالطبع أمر فيه مبالغة كبيرة.

الحقيقة أن تاريخ أى مجتمع يسير فى طريق محدد، حسب تطور قواه الانتاجية، وعلاقات فئاته الاجتماعية ببعضها البعض، صحيح أن حكاية زرافة محمد على وجدة «عباس» ومكرونة «سعيد» كان يعتقد وقت حدوثها أن لها دورًا فى التاريخ، لكنها فى النهاية أخذت حجمها الطبيعى، وأصبحت مجرد نوادر وطرائف فقط لا غير.