الأرانب والحكومة

سبق لى أن كتبت عشرات المرات، عن الإسراف الشديد من بعض أبناء شعبنا فى الإنجاب، خاصة بين طبقات الشعب الفقيرة ومحدودة الثقافة.

مصيبة شعبنا، خاصة الفقير منهم ومحدودى العلم والثقافة، هذا الاعتقاد الخاطئ الذى يتداوله بعض المتواكلين من ادعياء العلم والتدين (أن لكل طفل رزقه) لدرجة أن اعتبر البعض أن مجرد التفكير فى الحد من الإنجاب يعد مخالفة للشرع والدين، وكأن الله سبحانه وتعالى يمنح للناس أرزاقهم، دون أن يأمرهم بالكد والعمل للحصول على هذا الرزق.

ألم يستمع هؤلاء المتنطعون إلى قول الله سبحانه، حين أمر السيدة مريم - رغم كل معاناتها وآلامها - بقوله فى كتابه العزيز «وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا» ألم يكن الله سبحانه قادراً على أن يقدم لها كل ما تشتهى من طعام أو شراب دون أى عناء منها. الله سبحانه خالق هذا الكون بما فيه الإنسان، وقد فضل الإنسان على باقى خلقه بأن وهبه العقل وهو الاختيار، فالإنسان هو المخلوق الوحيد الذى لديه العقل ليفكر ويتدبر، وعليه أن يختار ما هو صالح وأن يترك الطالح.

صحيح أن الله سبحانه قد أمرنا بالتوكل عليه، ولكنه أيضاً قد منحنا العقل لكى نحسن الاختيار. فعلى الإنسان أن يتدبر أمره بما فيه الخير له ولذريته، أما أن يترك البعض أطفالهم فى الشوارع والأذفة نهبا للجريمة والفواحش، بمقولة (أن لكل طفل رزقه) وغيرها من الأفكار الخاطئة، فى الوقت الذى يعانى فيه الأبوان صلف العيش، وبالكاد يقضون يومهم بصعوبة شديدة، فهذا أمر لا يرضى الله سبحانه ولا يرضى ضمير الإنسان، وفى اعتقادى أن الله سبحانه سوف يحاسب كل من ينجب أطفالا ثم يهمل فى رعايتهم وتربيتهم.

الشىء المثير فعلا للدهشة، أن أصحاب مقولة (أن لكل طفل رزقه) وغيرها من الأفكار الخاطئة، يتوهمون أن الرزق يتوقف على عدد أبنائهم، وأن الله سبحانه سيرزقهم لمجرد زيادة أبنائهم دون أن يبذلوا أى جهد أو عمل، مثل هؤلاء دائما وأبداً ما يشكون من ظلم الحكومة سواء من ناحية الغلاء أم سوء الخدمات التى تقدم لهم. الشعوب فى الدول المتحضرة لا يلقون بالعبء على الحكومة، بل إن كل إنسان يتدبر ما ينفعه ويرفع من شأنه، فإذا أراد الإنجاب فلا ينجب إلا إذا كانت حالته تسمح بإنجاب الذرية الصالحة له ولبلده.

التواكل على الحكومة من أسوأ الخصال التى ورثها البعض من أبناء شعبنا فى الأيام السوداء الماضية، فقد كان الحكام فى الماضى لا يطلبون من الشعب الكد والعمل وزيادة الإنتاج، بل إن كل ما كان يطلبه الحاكم فى الماضى أن يظل الشعب يهتف له (بالروح بالدم نفديك يا فلان)، وبالتالى ظل الحكام يسرفون على الشعب بالعطايا سواء أنتج أم لم ينتج، حتى أستحسن الكثير منهم التواكل والكسل وكثرة الإنجاب. حكامنا السابقون هم السبب الأول والأخير فى وصول العديد من أبناء شعبنا لهذه الحالة السيئة من التكاسل والإهمال واللامبالاة، وفى النهاية يلقون تبعات هذا الإهمال والكسل على الحكومة.

لا بد لأولى الأمر منا، أن يعيدوا النظر على وجه السرعة فى فرض جزاء ما على كل من يسرف فى الإنجاب، كالحرمان من دعم الحكومة أو الحرمان من استعمال بعض الخدمات المجانية أو أى عقاب آخر. أما  ترك هذا الأمر دون جزاء أو عقاب من الدولة، فسيظل الشعب فى تواكله وعدم مبالاته وكسله دون عائد أو إنتاج، وسيظل البعض كالأرانب هكذا فى الإنجاب.

وتحيا مصر