هموم مصرية

غول الأُمية.. مازال مسيطراً

تعجبني صراحة- ودقة- الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.. رغم أن بعض نتائجه تزعج الحكومة، أو يراها البعض ان الجهاز لا يري إلا نصف الكوب الفارغ.. بينما تريد الدولة أن تبرز- فقط- نصف الكوب المملوء!!

وآخر ما يزعج الحكومة هو ما أعلنه الجهاز من أن في مصر الآن 14٫3 مليون أُمي في مصر!! وهذه هي أرقام 2016.. وهم من الفئة العمرية من 10 سنوات فأكثر.. ومنهم 9٫1 مليون من الإناث.. والباقي من الذكور.. وأن معدل الأُمية بين الشباب من سن 15 إلي سن 24 عاماً ينخفض مقارنة بكبار السن من 60 سنة فأكثر.. إذ الأُمية بين الشباب هي 6٫5٪ مقابل 57٫1٪ بين كبار السن، وهذه أرقام طيبة.. والسبب انخفاض الأُمية بين الشباب عاماً وراء عام.. وهذه الأُمية لا تتجاوز 13٫5٪ بين أبناء الحضر.. بينما هي 25٫2٪ بين المقيمين بالريف، أي ان الوعي بضرورة التعليم أعلي بين سكان الحضر.. وأن نسبتهم مثلاً هي 13٫6٪ بين سكان القاهرة، بينما هي 5٫4٪ في بورسعيد.. لأن أبناء المدن الساحلية أكثر رغبة في التعلم من مدن الداخل.. بدليل ان محافظة البحيرة تتصدر معدلات الأُميين بالوجه البحري بنسبة 24٪ تليها كفر الشيخ فالشرقية.. وتزداد نسبة الأُمية في الصعيد لتصل إلي 30٫2٪ في بني سويف.. واللافت للنظر ان أسوان أقل أُمية في الوجه القبلي بنسبة 9٫5٪.

<< ويجب ان نقف طويلاً أمام هذه النسب.. لأن الفلاح يعتبر الأولاد مصدراً للدخل المالي للأسرة.. أي هم «قوي عاملة» بسبب ارتفاع الطلب علي الأيدي العاملة في الزراعة ولاحظوا ارتفاع أجور العامل الزراعي.. تماماً كما هي في الصعيد، بالذات في موسم كسر القصب.. أو جمع محصول الفول السوداني ورغم ذلك تعتبر المحافظات الزراعية طاردة للعمالة.. الراغبة في الهجرة ولو كانت غير شرعية.. وهم الأكثر اتجاهاً للعمل في ليبيا مثلاً.. أو في الأردن، حيث يزداد الطلب عليهم هناك.

<< هنا يجب أن ندرس لماذا تقبل محافظات الوجه البحري علي التعليم المتوسط وبالذات دبلوم التجارة، بعد الاعدادية مثلاً، وهل للحصول علي مجرد دبلوم أي شهادة متوسطة.. حتي ان عدد الحاصلين علي هذا الدبلوم يزيد كثيراً علي أي شهادات أخري.. وهي شهادة تدفع إلي سوق العمل الباحثين عن الوظيفة الميري.. ولو كانت في مصنع تحت بير السلم!!

ورغم انني لا أشكك أبداً في الأرقام التي أعلنها الجهاز المركزي للإحصاء.. إلا انني أقف طويلاً أمام معني الأُمية.. لأن تدني نظم التعليم لم يعد مجرد حاصل علي دبلوم.. التي ينطقها بعضهم «الدبلون» تماماً كما يسمي المرسيدس.. «مرشيدس»!

<< ولكن ما يصدمني ان مصر ومنذ حوالي قرن من الزمان تعاني من مشكلة الأُمية.. وكانت عمليات مكافحتها تتصدر برامج كل حكومات مصر علي امتداد عشرات السنين.. وكانت برامج الحكومات هذه تركز جهودها علي مكافحة «الفقر، والجهل، والمرض» أي كانت الأُمية أحد هذا الثالوث.. ورغم كل الجهود.. مازلنا نرفع الراية البيضاء أمام هذه الأُمية، رغم كل برامج المكافحة.. وفتح فصول لمحو الأُمية منذ الأربعينيات.. فهل نحن شعب لا نؤمن بالتعليم.. وإذا تعلمنا يكون الهدف الحصول علي الوظيفة الميري.

<< وحتي لو اشترطنا محو الأُمية، أو القدرة علي القراءة والكتابة، لكي يحصل الواحد علي رخصة قيادة سيارة.. أو توك توك.. أو حتي وظيفة فراش فيدفع الواحد «رِشوة» ليحصل علي هذه الشهادة.. تماماً كما كنا نشترط أن يعرف نائب البرلمان القراءة والكتابة.. فكم يا تري نحتاج من السنوات لكي نقضي تماماً علي وباء الأُمية.. وكم سنة نحتاج لنوقف ظاهرة التسرب من التعليم.

تلك هي المعضلة!! شكراً د. أبو بكر الجندي علي صراحتك