الخلطة العبثية للإعلام والإعلان

 

 

الدول الديمقراطية ادركت أن المجتمع بحاجة إلى ألوان من النشاط تتصل بالتأثير على الاتجاهات الفكرية والسلوكية للمواطنين، ولابد من حماية المجتمع من استغلال أصحاب رأس المال لهذا النشاط للترويج لافكار وسلوكيات تتعلق بالمصالحة الوطنية العليا وتؤثر فى جمهور المواطنين بطريقة تضر بهذه المصالح العليا.

وعلى رأس قائمة هذا النشاط «الاعلام». ومع التطور المذهل فى وسائل الاتصال الجماهيرى واكتساب الاعلام قوة تأثير هائلة احتل الاعلام رأس قائمة النشاط الذى يتحتم على الدولة الديمقراطية أن تضمن دساتيرها وقوانينها مواد تحدد بكل وضوح وصرامة «منع» رأس المال من ممارسة أهدافه لتحقيق أقصى ربح ممكن باستغلال «الاعلام» فى الدعاية والاعلان بطريقة ملتبسة.

وتتضمن دساتير وقوانين الدول المتقدمة والتى تتبنى سياسات ديمقراطية حقيقية، هذه الدول تضع المواد الدستورية والقانونية التي تضع «قيودًا» واضحة وصارمة لمنع رأس المال من الهيمنة على «الخطاب الاعلامى» وتتعدد الطرق والوسائل التي تتم بها «حماية الاعلام» من «هيمنة رأس المال» سواء بتحديد حد أعلى لملكية أى رجل أعمال واسرته فى أية مؤسسة اعلامية وأيضا في الفصل الحاسم بين الادارة المالية لاي مؤسسة إعلامية وبين «الإدارة المهنية» المسئولة عن الخطاب الاعلامى، وهذه الأخيرة ـ أى الإدارة المهنية ـ لا يتولاها إلا المؤهلون مهنيا.

وقد تم تطبيق هذا المبدأ تطبيقًا معقولاً بالنسبة للاعلام المطبوع (الصحافة).

ويدعو للدهشة أن الاعلام المسموع والمرئى وهو الأكثر تأثيرًا لم يطبق عليه هذا المبدأ الهام الذى يحمى المجتمع من اجندات ومصالح رأس المال.

وبدأ رجال الأعمال فى مصر استغلال هذه الثغرة ليهيمنوا على المؤسسات الاعلامية الخاصة المسموع (اذاعة) و المرئية (تليفزيون).

وباشر رجال الأعمال أصحاب هذه المؤسسات الإدارة المهنية وتوجيه الخطاب الاعلامى لتحقيق مصالحهم الخاصة، بغض النظر عن مدى الضرر الذى يمكن أن تلحقه ممارسات هذه المؤسسات وخطابها الاعلامى من تأثيرات سلبية على المجتمع.

وساد منطق «الربح» الذى يحكم تصرفات رجال الأعمال فاختلط الخطاب الاعلامى بالدعاية والاعلان، بل وأصبح للدعاية والاعلان الأولوية القصوى لانهما ـ أى الدعاية والاعلان ـ تحققان أرباحًا مؤكة وهائلة.

وكانت الكارثة الكبرى فى اندفاع «اعلام الدولة» المرئى والمسموع فى نفس الاتجاه فهيمن رجال الأعمال ورأس المال عامة على «اعلام الدولة»،

وافرز هذا الاتجاه جيشًا من الاشخاص محترفى جلب الاعلانات وابرام الاتفاقات الخاصة بالدعاية (وبعضها دعاية لانظمة حكم معينة أو اتجاهات سياسية بعينها). هؤلا المحترفون تولوا بأنفسهم توجيه الخطاب الاعلامي الملتبس الذى تتسرب من خلاله الدعايات والاعلانات.

وكان طبيعيًا أن يزداد الطلب على هذه النوعية من «محترفى» جلب الاعلانات والدعايات وان يختاروا أفضل أوقات البث لتقديم ما يطلقون عليه وصف «البرامج» والتى لا تعدو أن تكون مجرد اعلانات أو دعايات تلبست بشكل البرامج.

وحتى لا تختلط الأمور على الجماهير فاننى أرى أن نبحث عن صفة أو اسم نطلقه على هذه الفئة التي يطلقون عليها صفة «الاعلامى» والاعلام بريء مما يقدمونه.

وحتى نضبط العبارات فاننى اقترح أن نطلق على هذه الفئة اسم «الاعلامنى» وهى كلمة مشتقة من الجمع بين الاعلام والاعلان، وذلك حتي لا نظلم الاعلاميين الحقيقيين بالسماح لهذه الفئة بالانتساب لنشاط لا علاقة له بما يقدمونه من «خلطة عبثية» يختلط فيها الاعلان والدعاية بالاعلام فشوهت «الاعلام» ودمرت كل نظرياته وقواعده المستقرة.