«الجمهورية الثانية» لمكتبة الإسكندرية

أن يحشد الدكتور مصطفى الفقى مدير عام مكتبة الإسكندرية كل هذا العدد من المفكرين والكتاب والمثقفين لمناقشة موضوع سبل تطوير دور المكتبة فى المرحلة المقبلة، فإن ذلك يكشف عن المدى الذى يطمح إليه للدفع بأداء المكتبة مستقبلاً، وقد وصل الأمر بالدكتور الفقى إلى الحرص على استطلاع آراء كل المشاركين دون استثناء تقريباً توسيعاً لقاعدة طرح تصورات مختلفة بشأن القضية محل النقاش.

وخلال المناقشات بدا أن البعض يعلق ما يمكن وصفه بثورة توقعات متزايدة على تولى الفقى لمنصب مدير المكتبة تعكس الآمال الكبيرة التى يطمح البعض لإنجازها على يديه، إلى الدرجة التى بدا معها وكأن هؤلاء يريدون تحويل مكتبة الإسكندرية لدولة داخل الدولة تقوم على علاج الخلل والقصور فى المؤسسات ذات الصلة مثل وزارة الثقافة والهيئة العامة لقصور الثقافة وغيرهما.

لقد راح البعض يقدم مقترحات صعبة التنفيذ، ومن ذلك اقترح إنشاء قناة تليفزيونية للمكتبة، وهو الاقتراح الذى تقف دونه عقبات كثيرة، فضلاً عن عدم عمليته. كما بدا بعض من شاركوا فى النقاش غير مشتبكين بشكل كبير مع حال المكتبة فى الواقع المصرى وراحوا يقدمون مقترحات تقوم المكتبة بها بالفعل مثل دعوة البعض إلى تنظيم رحلات لطلاب المدارس لزيارة المكتبة وتعريفهم بها وغرس روح الاهتمام بالقراءة من خلال مثل هذه الزيارة، ودعوة البعض إلى إنشاء جمعية لأصدقاء المكتبة، وهى فكرة قائمة بالفعل، مما دعا الفقى إلى التأكيد على أن نحو 95% من الآراء والمقترحات التى قدمت معمول بها بالفعل. 

بشكل عام يمكن القول إن التباين كان بين ثلاث رؤى لدور المكتبة، الأول يرى التركيز على البعد الدولى وهو ما كانت كفته راجحة بشكل كبير خلال الفترة السابقة للمكتبة، فيما يرى الاتجاه الثانى التركيز على دور أكثر محلية للمكتبة من خلال إنشاء فروع لها فيما يرى الاتجاه الثالث وهو الذى يبدو أكثر منطقية التركيز على وظيفة المكتبة الأصلية وهى نشر المعرفة والعمل على المساهمة فى إنتاجها بمختلف الطرق وهو الاتجاه الذي عبر عنه بأفضل ما يكون الدكتور عبدالمنعم سعيد والدكتور أحمد يوسف وفريد زهران، وبنى أصحاب هذا الرأى موقفهم على أساس التخوف من أن التوسع فى مهام المكتبة بما يتجاوز دورها سيؤدى إلى تشتيت جهودها وزيادة الأعباء المادية وغير المادية عليها بما قد يؤدى بها فى النهاية إلى فشلها فى إنجاز مهمتها الأصلية.

مسار المناقشات كان يفرض التساؤل: هل المكتبة لم تكن قائمة بدورها حتى يجب البحث فى تطويره؟.. الإجابة قدمها البعض بتوضيح أن هذه سنة الحياة، البحث عن الأفضل دائماً، مشكلة الدكتور الفقى والتحدى الذى يواجهه فى مهمته هو البناء المحكم الذى تركه سلفه الدكتور إسماعيل سراج الدين والذى يحظى بإشادة الجميع بمن فيهم الفقى نفسه، والذى لم يكن غريباً على المكتبة نفسها سواء فى مرحلة التأسيس أو فى مرحلة العمل، حيث كان ضيفاً دائماً على أنشطتها.

فى تقديرى أن الدكتور الفقى يريد أن يقدم تأسيساً ثانيا لمكتبة الإسكندرية يمثل ما يمكن وصفه بـ «الجمهورية الثانية» للمكتبة تحقق قفزة فى أداء ووضع المكتبة، وهو الأمر الذى يجب أن نساعده وندعمه فى إنجازه، وهو ما يفسره حالة النشاط والمتابعة الدؤوبة منه لأنشطة المكتبة، متجاوزاً بذلك تصور البعض بأن المنصب لن يكون بالنسبة له سوى شرفي، يعمّد به مسيرته فى الحياة العامة، وهو يعتمد فى ذلك على فريق عمل نجح مع سراج الدين فى تحقيق رسالة المكتبة وعلى رأسه الدكتور خالد عزب والدكتور سامح فوزى ومجموعة من أفضل العناصر الشبابية التى تفخر بوجودهم على رأس هذا الصرح، لتبقى بذلك مكتبة الإسكندرية، كما أشار الفيلم الوثائقى عن المكتبة ملتقى «العقول والحضارات والثقافات».

[email protected]