لا أريكم إلا ما أرى!

لا شك أن الفساد يمثل أكبر آفة على طريق التقدم، وأصعب عقبة تواجه تحقيق خطط التنمية، ولذلك فإن أصعب ما قد تواجهه أيُّ دولة، هو وجود منظومة فساد متغلغلة في مؤسساتها وبنيتها وتركيبتها البشرية!

هناك أنواع عدة للفساد، لا يخلو منها أي مجتمع، وإن بدرجات متفاوتة، تتضمن «السياسي والمالي والإداري»، والقائمة تطول لتشمل «الأخلاقي والاجتماعي».. وغيرهما، لكن أشد أنواعه خطورة على الأمن القومي والإنساني، هو الفساد الفكري، بما يحمله من تغييب للوعي، وغسيل للأدمغة، ودغدغة للمشاعر، واللعب على أوتار التعصب، وتأجيج الكراهية!!

هذا النوع من الفساد، عندما يصيب أي مجتمع، تكون نتائجه كارثية، لأنه يشبه الورم السرطاني الذي ينتشر في الجسم، وينخر في أجهزته الحيوية، خصوصًا إذا تمكن من الانتشار، فتصعب السيطرة عليه، ولا يجدي معه أي دواء!

نعتقد أن حماقة الفساد الفكري تنخر بآمال التنمية والتطور، وهذه الظاهرة ـ وإن تعاظم انتشارها، وتفاقمت آثارها السلبية ـ فإن عامة الناس ليسوا بمنأى عنها، كما أن المتورطين فيها، يبقى تأثيرهم أشد وأنكى، رغم أنهم ليسوا سوى فئة قليلة من أدعياء الفكر وفلاسفة التنظير وأقزام الثقافة، الذين شوهوا معالم الخريطة الفكرية!

لعل وجود فاسد فكريّ واحد، يتطلَّب فريقاً إصلاحيًّا كاملًا، لتجاوز تأثيره السلبيِّ على المجتمع، وآثاره المترتبة على تخريب العقول المتعمَّد، وتضليل المفاهيم، وتسفيه الأفكار.. وبالتالي فإن هذه الفئة القليلة عددًا ـ نسبة إلى جموع الناس ـ تعد كبيرة للغاية، نظرًا لتأثيرهم الواضح عليهم، من خلال تعاطف المخدوعين بهم والمموِّلين لهم، أو بصمت الغافلين عنهم، انشغالًا بشؤونهم الحياتيَّة، أو لعدم قدرتهم على اكتشاف أولئك، لطيبةٍ نشأوا عليها، أم لحسن النوايا «المدفوع مقدمًا»!

السنوات الأخيرة، شهدت تزايدًا واضحًا، ونشاطًا مكثفًا، لظاهرة الفساد الفكري.. التي بدأ ممارسوها في الانتشار والتزايد، ثم الظهور علنًا، بعد أن كانوا يعيشون في الظلام، ولا نراهم إلا على استحياء، أو في فترات متباعدة.

إن انتشار هذه الظاهرة التي يمارسها مَن يُسمَّون بـ«النُّخب الثقافية والإعلامية»، يقومون بممارسات لتخريب هوية المجتمع، تحت مسميات براقة وخادعة، فهم مجموعة من المتحذلقين الأدعياء، الذين يثيرون الأذى الفكري، ويلحقون الضرر ببنية المجتمع، وينتهكون مقوماته وخصائصه وقيمه وثوابته الراسخة!

وبتدقيق النظر في كل ما ينطق به هؤلاء، لا نلحظ إلا أدنى مستويات الجهل، وادِّعاء الثقافة.. فهم منحازون في الطرح، بعيدون عن الموضوعية، يكشفون عن سوءَة جهلهم الفاضح وقبح مستوى تدني نفاقهم وتملقهم!

نعتقد أن «ظاهرة» الفساد الفكري، التي تسود المجتمع، تستخدم فيها أبشع الأسلحة المحرمة إنسانيًا، لاغتيال العقول، وتغييب وعيها، وتزييف إرادتها وأحلامها، من خلال استخدام مصطلح أوحد: «لا أريكم إلا ما أرى»!

كما لا يتوانى هؤلاء عن استخدام أساليب متعددة، تحوي اتهام الفكر المخالف «عمدًا» بأخطاء لم يرتكبها، والتركيز على قضايا بعينها، على طريقة الحملات الدعائية المعادية، التي تتسم بلغة ناعمة أو مراوغة، إضافة إلى التقليل من شأن الفكر المخالف، وإظهاره في شكل ساخر، أو متناقض، أو معادٍ!!

هؤلاء «الأدعياء» يستخدمون «الإرهاب الفكري»، لانتهاك الفكر المخالف، وإغراقه في متاهات، وإقامة حواجز نفسية مقصودة، لا يجوز لأحد الاقتراب منها أو تخطِّيها، ولذلك يجب التصدي لهم بكل حزم وحسم، لأن وسائلهم أكثر بشاعة وفتكًا من «أسلحة الإرهابيين»!!

[email protected]