حكاوى

النحاس زعيم الفقراء «5»

يواصل الكاتب الكبير عباس حافظ الذى عاصر النحاس وكتب عنه كتابه الشهير مصطفى النحاس زعيم الفقراء يقول منسوبًا إلى النحاس:

«إن سعدًا لم يكن رئيسى، بل كان أبى، ولقد عاشرته فى المنفى فرأيت فيه حنو الآباء على الأبناء. وما كان سعد ليهتز لخطب أبدًا، لقد كانوا يأخذونه من بيننا، وينقلونه من منفى إلى منفى، وكانت الكلمات التى يقولها وداعًا لنا:

«ستعودون أنتم إلى مصر لتتموا عملى. أما أنا فأحب أن أموت بعيدًا عن بلادى، حتى تتأجج الوطنية فى قلوب بنيها، ثم كان يقول:

«قد يجمعُ الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا»

سنجتمع معك يا سعد إن شاء الله فى دار الخلد بعد العمل للاستقلال، وسنبذل جهدنا لتحقيق غايتك، ونعاهدك أمام قبرك الكريم على المضىّ فى الجهاد. ونرجو الله أن يثمر عملنا قريبًا، حتى تستقر روحك وتهدأ فى عالمها الأعلى. فإننا نشعر أنها ستظل مشرفة علينا، ترقب جهودنا، وتغذى نفوسنا، حتى ننال الاستقلال التام...».

هذه كلمات صادقة حزينة، كل لفظة منها تقطر بكاءً، وهى فى مجموعها تدل على قوة إيمان بالفكرة، وشدة يقين بثمرة الجهاد، مع تقدير صحيح المسئوليات التى تقع على العاتق، والتبعات الجسام التى تقترن بالموضع الذى كان هو الرجل المطلوب له والحقيق به.

وقد وصف هذه التبعات ذاتها فى أول خطبة له عقب القرار الذى اتخذه الوفد فى السادس عشر من شهر سبتمبر سنة 1927 بإجماع الآراء، وهو تعيين الأستاذ مصطفى النحاس باشا رئيسًا للوفد المصرى، خلفًا للزعيم الخالد سعد زغلول. فقال وسط صمت رهيب، وسكون غامر، وجلال سائد، وهو متأثر متهدج الصوت، يغالب فيض مشاعره:

«إن فجيعتنا متعددة النواحى ومتشعبة المرامى. ولكن عزاء نفوسنا الجريحة، وأكبادنا المقروحة، أن سعدًا العظيم خالد فى نفوسنا، ونفوس أبنائنا، خالد فى نفوس أحفادنا وذرارينا؛ وأن أكرم ما تطيب به نفسه فى فردوسها، أن نقوم على الصرح الممجد الذى بناه، وأن نترسم خطاه، ثم نرخص نفوسنا، ونفنى أشخاصنا، حتى يتخطفنا الموت واحدًا بعد واحد، وراية الشرف خفاقة تتلقاها الأيدى وتفديها النفوس.

.. وللحديث بقية».