السَّهْتَنَة الدينية!

تدنى اللغة فى حاضر الخطاب الدينى معناه تدنى الذوق فى فهم الدين بالأساس، والذوق إحساس وشعور وترقية وجدانية قبل أن يكون حفظًا وتلقينًا وحشوًا للأدمغة بتراث صنعة رجال خضعوا لمقتضيات أزمانهم التى عاشوا فيها، فمن يحفظ ما قالوه ويردده الآن على أسماعنا ويطالبنا بترديده كمن يريد أن يجرنا إلى الوراء دون أن يضع فى اعتباره تطور الزمن وتغيّر العصور والأحقاب.

صحيحٌ أننا لا ننكر ماضى هذا الخطاب الدينى، ولا ننكر بعض الوقفات المستنيرة فيه، ولكننا أيضًا لا نقبله كلُّه ولا نرفضه كله..

الذين يقبلون تراث الأجداد على علاّته كما هو، وبخاصّة فى مجال العقائد الدينية دون أن تمسّ عقائد الدين مشاعرهم فتغذى بواطنهم بالإحساس بوجوب الاتصال بالحقيقة الإلهية، فضلًا عن معرفة تلك الحقيقة هم يرددون أقوال الآخرين ممّن سبقوهم بلا فهم من جانبهم، وبلا إدراك منهم لخطورة ما فيها من جوانب السلب والقصور.

والذين يرفضون كل ماضى الخطاب الدينى، يعجزهم تحصيله والوقوف على جوانب القبول فيه، ما من شأنه أن يكون قناة عابرة تصل طارقًا بتليد لتستقر عليها وحدة الشعور بين السابقين واللاحقين.

ليت الذين يستثمرون أوقاتهم فى الفوز بمسابقات القرآن والتجويد وإتقان الفصحى وتخريج الأحاديث، أو ليتهم يقرأون حقًا فقه الشافعى ومالك وأبى حنيفة والإمام أحمد، ليتهم يُخْلصون فى هذا العمل حتى منتهاه.. على أقل تقدير كانوا سيكسبون شيئًا إنْ لم يكن فى الدنيا ففى عالم المصير، لكن الذى يُلفت النظر بجدارة هو ازدواجية المعايير الخلقية، وتردى القيم، وقلة العمل بالمعرفة أو انعدامه.

الخطاب الأيديولوجى فى كفة والممارسة العملية والتطبيقية فى كفة مغايرة، هُوَّةٌ سحيقة بين القول والعمل يترتب عليها استغلال الدين أسوأ استغلال.. والأمم تنتظر من حكوماتها أن تسدَّ رمقها بالتخطيط الاقتصادى، والتفكير فى درء الفقر، والبحث عن أسباب الرزق ولا تنتظر منها اللجوء إلى تطويل الذقن وتقصير الجلباب واستهداف السَّهْتَنَة الدينية الخاوية من أى ملمح من ملامح التدّين المحمود.

أنا شخصيًا كنتٌ أعتقد أنه بوسع الناس أن تفرّق بين الدين من جهة والمتدينين من جهة أخرى، فالدين فى ذاته مجموعة نصوص وأحكام وقواعد لا تظهر ذاتها بذاتها، ولكنها تتجسّد فى أشخاص وتظهر من خلالهم: تصرفات ومواقف وأحداث، وحتى أفكار يؤمنون بها ويعتقدون, وتبيَّن لى خطأ ما كنتُ أعتقده, والصواب هو: أن أغلب فئات الشعب المصرى لم تول عناية لا للثقافة ولا للتفكير، ولم تقرأ لتميّز بين جيد الفكر ورديئه, ولم تطالع التاريخ بغية الاعتبار، وأن المظهر الخارجى يأخذها فى الغالب عن المخبر الداخلى. وأن الأدعياء هم من يملكون حظوظ التفوق ويسيطرون على السّاحة الدينية والثقافية، مع أن الدين دنيا ومصير، وإننا محاسبون على كل كبيرة وصغيرة، على كل شيء، وأن الرقابة على القول، فضلًا عن العمل، مهمّة إلهية سنحاسب عليها يوم تنصب للخلائق موازين الحساب.

وعليه، فلا تستغرب من فرط الجهالة وقلة تحكيم العقل واللعب بالخطاب الدينى أن يكون التردى والنكوص سمة غالبة للتعبير والتفكير وأن يجىء همنا خذلانًا من خيبة مخزي، ويا له من خذلان!