مسرحية «التاجر»

ما حدث خلال الأسبوعين الماضيين، أفرز تداعيات معقدة على المنطقة وملفاتها المتأزمة، في ظل استمرار وتصاعد الأزمة الخليجية الشائكة، ودخول «الراعي» أو «التاجر» الأمريكي على الخط، لتحقيق مكاسب مالية.. كعادته في استغلال الأحداث، وتسعيرها بلغة «السماسرة»!

الأحداث المتلاحقة، خصوصًا بعد الإعلان عن توقيع صفقة بيع أمريكا 36 طائرة «إف 15» إلى قطر، قلبت موازين المعادلة، وأحدثت تراجعًا في احتمالات مواجهة عسكرية جديدة في المنطقة، بعد أن كانت وشيكة، في أعقاب عقد «التاجر» صفقات تجارية وعقود مشتريات عسكرية مع السعودية تتخطى الـ450 مليار دولار!!

نتصور أن «التاجر» أو «السمسار» دونالد ترامب هو المحرض الرئيس على إشعال فتيل هذه الأزمة، كورقة ضغط على قطر، ودفعها إلى الرضوخ والإذعان للمطالب الأمريكية في دفع «الإتاوة» على شكل صفقات أسلحة، واستثمارات في البنى التحتية الأمريكية!

ما توقعناه، أنه بمجرد توقيع هذه الصفقة، وضمان «التاجر» حصوله على «مقدم أتعاب» 12 مليار دولار، بدأ الحديث يأخذ منحىً مختلفًا عن حدوث انفراجة، كما تصاعدت وتيرة الوساطات مجددًا، فكثر الوسطاء وتعددت جنسياتهم، وباتت قطر كفتاة كثر خطابها ومريدوها!

إذن، كلمة السر هي «لغة المليارات» التي يطرب لها «التاجر»، ويعرف جيدًا كيف ينتزعها.. بالقوة تارة، أو بالوعيد والتهديد والإرهاب، تارة أخرى، لأنه ببساطة «تاجر شاطر»، يعرف كيف يسوق لبضاعته المزجاة!

لعلنا لاحظنا الفارق بين تغريدات أطلقها «الرئيس ترامب» في بداية الأزمة، «أن قطر لها تاريخ حافل بدعم الإرهاب على أعلى المستويات ويجب أن تعاقب» و«عزلة قطر بداية النهاية للإرهاب»، وبين تلك التي أطلقها «التاجر دونالد» تشيد بدولة قطر كحليف قوي للولايات المتحدة!

لقد تحولت تغريدات «التاجر» بعد ساعات من توقيع وزير الدفاع الأمريكي على هذه الصفقة، إلى واقع ملموس، وصدرت الأوامر العاجلة لسفينتين حربيتين أمريكيتين بالتوجه إلى ميناء حمد بالدوحة، لتنفيذ تمرين بحري مشترك!

إن ما هو حاصل الآن، يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك، أن المنطقة مثل السوق أو قطع الشطرنج، يحركها اللاعب «التاجر» الأمريكي بمهارة، في التوقيت والاتجاه الذي يريد، وعلى «المشتري» أو «المتفرج العربي» مراعاة فروق السعر!!

نعتقد أن ما حدث ويحدث وما سيحدث، ليس سوى فصولًا من مسرحية «ميلودراما»، جرى إعداد فصولها في البيت الأبيض، وتم توزيع الأدوار، خلال قمم الرياض الأخيرة، بحضور «التاجر» أو البطل الرئيسي دونالد ترامب.

للأسف، المرحلة المقبلة، سوف تشهد قمة المأساة في الفصل ما قبل الأخير للمسرحية، والتي بدأت فصولها في سبتمبر الماضي، مع إقرار قانون «جستا»، لمحاكمة «الدول الراعية للإرهاب» وتعويض الضحايا، وقطعًا ستكون دول خليجية وعربية من بينها، وسيجد الجميع تقريبًا أنفسهم في قفص الاتهام، ووقتها لن يكون كافيًا دفع مئات المليارات كتعويضات!!

إن ما يحدث في الخليج، بالتأكيد سيخلف انعكاسات كارثية، سواء على صعيد إقامة تحالفات، أو اصطفافات إقليمية ومذهبية، وتأجيج العنف والصراعات بالمنطقة، كما ستبرز محاولات الفرقاء والأصدقاء والأشقاء في فرض الهيمنة وبسط النفوذ!!

كما يمكن القول إن العلاقات بين الدول لا تحكمها العواطف، ولا تُدار بالنيَّات مسبقة الصنع، ولذلك نتصور أن الفصل الأخير سيكتبه العرب بأنفسهم، حيث تكون النهاية.. تصعيد عبر مواجهة مباشرة بين إيران والسعودية، أو عبر وكلائهما، وبالطبع لن تكون تركيا ـ حليفة الناتو والداعمة لجماعة الإخوان ـ في موقف المتفرج!!

[email protected]