رؤية

إنهم يزدرون العلوم والفنون

طالعنا فى عدد من وسائل الإعلام الخبر التالى.. «أثارت الفتوى التى أصدرها ياسر برهامى، نائب رئيس الدعوة السلفية، حول دراسة نظرية تطور الإنسان للعالم «تشارلز داروين» وتنفيذ أبحاث فى الكليات حولها جدلاً واسعًا، ويضيف الخبر «البداية كانت عندما رد ياسر برهامى، فى فتوى له عبر الموقع الرسمى للدعوة السلفية، على سؤال كان نصه: «طُلْبَ منا فى الكلية بحث عن نظرية التطور، وصور لتطور الإنسان مِن مراحله مختلفة إلى الإنسان بما فى ذلك صور القردة، وهذا البحث لا بد لنا مِن تقديمه؛ لأن هذا عليه درجات فى الكلية، فهل هذا يجوز؟، وما الحكم؟».. ورد «برهامى»: «كلمها وانصحها بألا تجعله إجباريًّا، وإن أصرت فاعمل البحث على أنك تخبر عن هذه النظرية مجرد إخبار، وحاول أن تضع فى بحثك ما ينقضها»...

وفى ذات السياق، يخرج علينا الخبير والمفتى السلفى «عمرو عبد اللطيف» على شاشة قناة دينية ليرد على سؤال شاب حول نظرية «كروية الأرض» فيبدى الرجل دهشته وانزعاجه مكرراً قوله «سل عما ينفعك يا أخى»، ويضيف شارحا» فما هو النفع من معرفة إذا كانت الأرض كروية أو منبسطة؟ إن علماء الإسلام قديماً وحديثاً أكدوا أن الأرض مبسوطة»، ويضيف «كيف نصدق بتوع الأرض كروية دول ونرفض تفسير علماء أهل السلف؟!»..

أسعدنى، فى حالة فتوى البرهامى ما جاء من ردود فورية من علماء أفاضل وهو الأمر الذى نأمله دوماً.. كان أبرزها رد الدكتور محمد عبد العاطى، عميد كلية الدراسات الإسلامية، على ياسر برهامى قائلاً: «هناك فرق كبير بين دراسة الشىء والاعتقاد فيه، فالإنسان مكلف أن يدرس كل شىء، ليعرف كيف ينقده ويدحضه».. فحديث ياسر برهامى مردود عليه، وإذا كان هذا رأيه فعليه أن يلزم به نفسه فقط».

نعم، هو أمر طيب ورائع فى الحالة الأولى البرهامية المبادرة بالرد والتوضيح.. أما فى الحالة الثانية فقد كان نصيبة من المقاومة الهزلية الفسبوكية العالية ما يكفيه، فكان نشر المقطع الشهير من مسرحية السكرتير الفنى، والمدرس «فؤاد المهندس» وهو يسخر من تاجر السمك ولى أمر الطالب «أيوه ياراجل يا جاهل الأرض كروية ولولا كروية الأرض التى تلف حول نفسها كل 24 ساعة ما تعاقب الليل والنهار.. الخ»!!

ويبقى، وبمناسبة إطلاق مثل تلك الفتاوى على مدى الساعة وخطورة دلالالتها وتبعاتها المجتمعية والإنسانية أن نطرح تلك الأسئلة :

< لماذا يذهب شبابنا الجامعى بأسئلتهم العلمية إلى شيوخ وكهنة التحليل والتحريم فى المساجد والكنائس بدلاً من التوجه بها إلى أساتذتهم أو حتى العودة إلى مراجعهم البحثية الأكاديمية ؟!

< لماذا لا يتم الإسراع بوضع مناهج للعلوم الإنسانية والمعرفية لتدريسها لطلبة وطالبات الكليات العلمية حتى لا يقعوا فريسة لأهل الدجل العلمى باسم امتلاك المعارف والقوانين الإلهية بعد تشويهها وحدهم ؟!

< إلى الكيانات المؤسسية الجديدة التى تم تشكيلها ومنحها العديد من الصلاحيات الوطنية، أن باشروا مهامكم فى إيقاف هذا السيل من الفتاوى على شاشات ومواقع وصحف الجهل العلمى.

صدقنى عزيزى القارئ، أنا لم تهزنى كمواطن مصرى مسيحى تصريحات د. سالم عبد الجليل ولا إحراق أبو إسلام نسخ الكتاب المقدس أمام أعين كاميرات الخيبة، ولا تصريحات الأكاديمى الأزهرى د. عمارة التى من بينها وصفه الكتاب المقدس بالكتاب « المكدس» بكل ثقل الظل الطائفية وغيرها، فكل محاولات إزدراء الأديان مسيحية كانت أو إسلامية أراها نوعاً من الهطل والخيابة، فهى أديان وعقائد عاشت عشرات القرون وأصبح لها الملايين من الأتباع، وهى باقية وهم إلى فناء، إنما فقط ما يؤلم أن تؤثر بعض تلك الفتاوى على البسطاء فيزدرون العلوم والفنون والإبداع، بالإضافة إعلانهم بمقتضاها تكفيرهم للأخر بعد وضعهم فى دوائر من خرجوا عن صحيح الأديان فى مناخ مُعين للأسف على نشر رسائلهم عبر ميديا دينية متطرفة، ومواد فى الدستور لايتم تحويلها لتشريعات حاكمة لإعلاء قيم المواطنة والانتماء .. ولنا ونحن نحيى هذه الأيام ذكرى استشهاد المفكر الإصلاحى النبيل فرج فودة وتجاهل مؤسسات الدولة الثقافية والإعلامية المثل، وللحديث تتمة.

[email protected]