اسئلة حائرة

هل نحن دولة قانون ؟ هذا ليس سؤالا بل هو تنويه أن ما يجرى فى الحياة السياسية مخالف مخالفة صريحة للدستور. فإذا كان  هذا الدستور  ينص فى المادة 74 صراحة على أنه لا يجوز مباشرة أى نشاط سياسى،أو قيام أحزاب سياسية على أساس دينى ، أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل، أو على أساس طائفى أو جغرافى، أو ممارسة نشاط معاد لمبادئ الديمقراطية أو سرى ذى طابع عسكرى أو شبه عسكرى ،فإن السؤال الذى لا اجابة له حتى الآن هو ما مغزى هذا الوجود الطاغى للاحزاب الدينية فى  الحياة السياسة ؟ وما علاقة وجودها بالتسامح الرسمى معها ليس فحسب باشراكها فى وضع دستور لا تلتزم بنصوصه  بل تمعن فى خرقها ،كما هو الحال مع حزب النور السلفى ،بل بموافقتها على خوضه الانتخابات ليحوز على 12 مقعدا فى مجلس النواب ،ليلقى بظله الرجعى المحافظ والطائفى على ادائه ؟ وما هى العلاقة السببية بين تصاعد نفوذ الأحزاب الدينية ، وبين الركود السياسى للحياة الحزبية الذى  ساهم فى تكريسه نظرة الاستعلاء والتجاهل من قبل السلطة القائمة  للحالة السياسية الراهنة للبلاد ، وهو ما أنطوى على رسالة ضمنية سلبية لجموع المواطنين  أن التعددية الحزبية لا هى وسيلة للتغيير السياسى ولا لتداول السلطة ،بما يشجعها هى ايضا على تجاهلها و الابتعاد عنها بل النفور منها  ومن فكرة العمل الجمعى بشكل عام ، وهو ما يفسر أن اكثر من نصف أعضاء مجلس النواب فى الانتخابات الأخيرة كان  من المستقلين ،وهو رقم مخيف فى بلد يقوم على التعددية الحزبية ؟وما هو الثمن الذى يتعين على الوطن الاستمرار فى دفعه لحزب النور لدعمه خريطة الطريق لثورة 30يونية ،ولحفزه على فك تحالفه مع جماعة الإخوان ، برغم أنه أكثر تزمتا من الناحية الفقهية ، وبرغم المناخ الطائفى والمذهبى الذى بات يشيعه فى المجتمع، والتشدد فى مظاهر التدين الشكلى والسلوك الاجتماعى الشاذ  عن التقاليد المصرية ،الذى أخذ يفرضه بالقوة وباحكام قضائية ، بما يحمله ذلك من مضامين جوهرية تهدف للانقضاض على المكاسب التشريعية والسياسية والاجتماعية التى تم تحقيقها على امتداد نحو قرنين لاقامة دعائم الدولة المصرية الحديثة.؟ وهل تستقيم الدعوة لتجديد الخطاب الدينى مع الصمت الرسمى على الوجود غير الدستورى للاحزاب الدينية ، التى تلعب دورا بارزا  فى عرقلة أى مسعى لتحرير التراث الإسلامى من أثقال ما دُس عليه  فى فترات التاريخ الاسلامى المظلمة  فى خضم الصراعات السياسية الدامية ولخدمتها ولتبرير نتائجها؟

هذه الأسئلة  المعلقة  وغيرها من علامات الدهشة والاستفهام، بجانب غياب الإرادة والألية لتنفيذ النص الدستورى المشار إليه ،هى  ما أغرت حزب البناء والتنمية  الذراع السياسى للجماعة الإسلامية ، الذى ُسمح لقتلة ومجرمين من بينهم  بتأسيسه بعد اطلاق سراحهم من السجون فى أعقاب ثورة يناير،بالتحدى وتوجيه رسائل عنف للدولة والمجتمع. ولم يكن من المستغرب  والحال هكذا أن يتقدم  طارق الزمر للترشح لرئاسة ا لحزب وهو الهارب من العدالة خارج البلاد ، لاتهامه بتشكيل تنظيم إرهابى لشن هجمات على قوات الأمن ومؤسسات الدولة،واحياء النشاط المسلح للجماعة الإسلامية، والتحريض على العنف والقتل فى أحداث بين السرايات فى أثناء اعتصام النهضة . ولم تكن المفارقة فى ترشحه فقط  لرئاسة الحزب ،بل فى قبول الحزب لهذا الترشيح ،وفوزه بأعلى الأصوات على منافسيه فى الانتخابات التى جرت الاسبوع الماضى ، ليتأكد بذلك أن الذين منحوه أصواتهم لا يختلفون عنه ، سوى فى الموقع الجغرافي حيث يقبع هو فى الدوحة، بينما يتلقون أوامره وينفذونها وهم فى القاهرة .

وبدلا من الشكوى وسرد التاريخ الدموى المكلل بالعار لطارق الزمر وحزبه، طبقوا الدستور يرحمكم الله.