على فكرة

ديموقراطية أردوغان العثمانية

سبحان من غير الأحوال. قبل أكثر من خمس سنوات، وبعد نحو ثمانية أشهر فقط من ثورة يناير، حل رجب طيب أردوغان ضيفاً على مصر إبان حكم المجلس العسكرى، الذى كان قد قلد الدكتور عصام شرف رئيساً للحكومة استجابة لرغبة شباب ميدان التحرير ولترشيحهم.

وأثناء الزيارة وحولها، نصح أردوغان، الذى كان آنذاك لايزال رئيساً لوزراء تركيا، الشعب المصرى بأن يضع دستور مصر الجديدة والحديثة بناء على المبادئ العلمانية التى لا تعنى كما قال أن تكون الدولة لا دينية، متباهياً بأنه رئيس وزراء مسلم لدولة علمانية. لم تنتظر جماعة الإخوان التى كانت تستعد للقفز على السلطة، أن ينهى الرجل زيارته، حتى قادت حملة شعواء ضد تصريحاته واصفة العلمانية- التى تقضى بالفصل بين الدين والسياسة وليس بين الدين والمجتمع كما يروج خصومهاـ بأنها خروج على الإسلام، وأن النظام القائم فى تركيا لا علاقة له من قريب أو بعيد بالدين الإسلامى. ولأن لكل مقام مقالاً، والإخوانى للإخوانى كالبنيان المرصوص، فالعلاقات بين الطرفين توثقت بعد تولى الدكتور محمد مرسى الحكم، وحملة الجماعة على تصريحات أردوغان كانت موجهة بالأساس لأنصارها من الناخبين فى الداخل.

أما أردوغان فكان نظره متجهاً آنذاك صوب أوروبا أملا فى الالتحاق باتحادها، ولذلك لم يكن يعنى ما يقول تماما، بينما هو يخطط لقيادة انقلاب على دستور تركيا العلمانى، الذى أرسى مبادئه قبل نحو 93 عاما مصطفى كمال أتاتورك.

والأسبوع الماضى عزز أردوغان مخططه الناجح، بعد السلطات الواسعة التى حصل بها لنفسه كرئيس للجمهورية وإحكامه السيطرة على حزب العدالة والتنمية، بالاستفتاء على التعديلات الدستورية التى وضعها، وتنقل تركيا من النظام البرلمانى إلى النظام الرئاسى، ومن دولة المؤسسات إلى دولة الرجل الواحد، والزعيم الأوحد، وتضعه على سدة الحكم فى تركيا حتى عام 2029 مع بدء تنفيذ تلك التعديلات. وبرغم أن الاستفتاء كشف عن أن نحو نصف المصوتين يرفضون مخططه ويتظاهرون ضده ويشككون فى نزاهته، وأن نحو 51.4 % فقط منهم من وافق على التحول للنظام الرئاسى، وبرغم الانقسام التى أحدثته نتائج الاستفتاء بين تركيا العلمانية وتركيا دولة الخلافة العثمانية التى يريد أردوغان إحياءها، فقد اعتبر نتائج الاستفتاء تفويضاً له بما يشاء. ولم تكن مصادفة أن يصف معارضيه الأوروبيين والأتراك بـ«العقلية الصليبية للغرب ولخدامه فى الداخل» وأن يذهب كأسلافه من السلاطين العثمانيين بعد ظهور النتيجة، لزيارة ضريحى السلطانين محمد الفاتح وسليم الأول!

جرى الاستفتاء فى ظل حالة الطوارئ المعلنة منذ حركة الانقلاب الفاشلة والغامضة، وحملة الاعتقالات الواسعة التى شملت العسكريين والقضاة والكتاب والصحفيين وأساتذة الجامعات، وطرد قادة الأكراد من البرلمان وتلفيق التهم لمطاردة أنصارهم، وإغلاق الصحف ووسائل التواصل الاجتماعى والفضائيات، وقبل كل هذا وبعده، مع افتضاح دوره فى تمكين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين والإسرائيليين من تنفيذ مخططهم فى تدمير سوريا، وهو المخطط الذى لعب فيه التنظيم الدولى للإخوان الدور الأبرز.

 ومن المفارقات الداعية للدهشة والسخرية أن جماعة الإخوان وميليشياتها البحثية والحقوقية الإعلامية فى تركيا وقطر ومصر والدول الغربية، التى تقود حملات منظمة ضد فرض السلطات المصرية لحالة الطوارئ لمكافحة الإرهاب، وتصف النظام المصرى بالدكتاتورية وتكميم الأفواه، لا تتوقف عن التغنى بما تسميه «ديمقراطية» أردوغان العثمانية المطعمة بالطوارئ وكل أشكال القمع، وبتعديلاته الدستورية التى «ستغير وجه العالم».

ألم أقل لكم إن الإخوانى للإخوانى كالبنيان المرصوص، وأنها جماعات معدومة البصر والبصيرة والضمائر!