وسيظل الأزهر "شريفا"

يحاول كثير من المحسوبين على الإعلام الزج بالأزهر الشريف دون داعٍ في كل حدثٍ، والمسألة من وجهة نظري لا تتعلق بحادثة تفجير إرهابية قام بها من لا يعرفون شيئا من دين الله الذي جاء للناس أجمعين رحمة.

لكني سأذهب أبعد من هذا الحادث المؤلم الذي يرفضه الأزهر بشدة ويدينه، وأتأمل وطني وبني وطني وما ألم بهم في الفترة الأخيرة لتكون محاولة إصلاح حقيقية، مبنية على واقع مشاهد، وليست كلمات تلقى في قنوات من أفراد لا همّ لهم إلا الكلام وبضاعتهم في العلم مزجاة.

ولست أدافع عن الأزهر وإن كان هذا من حقي، وهو فخر لي فهذه مؤسسة تضرب في أعماق التاريخ لمدة تتجاوز الألف سنة، لكني أسأل: لماذا يصدر لنا بعض من يعملون بالإعلام صورة خصومة بين مؤسسة الرئاسة ومؤسسة الأزهر الشريف، ولماذا تدور كلماتهم حول مصطلح لا يدركون معناه فضلا عن ضوابطه وأساليبه، ألا وهي تجديد الخطاب الديني.

والرئيس عبدالفتاح السيسي كرجل دولة مسئول مهموم بوطنه، وبما يجري على أرضه من مشكلات فهو يرى بعين خبيرة أن بعض التيارات تتبنى العنف منهجا ووسيلة في سبيل تحقيق أفكار ملوثة حملتها أدمغة مريضة، وحق له أن ينشغل بوطنه.

لكن الأزهر في المقابل كمؤسسة أصيلة من مؤسسات الدولة لم تتأخر في تلبية ما يحتاج إليه الوطن يوما ما، بل العالم كله، فموقفه من هذه القضايا والمفاهيم التي تتبناها هذه الجماعات واضح منذ القدم في مناهجه التي تحمل الرحمة للإنسانية، وتعلم كل منتسب للأزهر أن اختلاف العلماء رحمة بالأمة وأن وجود المذاهب الفقهية المتعددة دليل على عظمة وسعة الإسلام في معالجة أمور الحياة.

الأزهر وهو يربي أتباعه على التنوع الفقهي والتنوع العقدي والتنوع الخلقي في مدارس الفقه والعقيدة والسلوك لا يبيح لفريق أن يجبر فريقا على تبني أفكاره، وإنما يعلم الجميع آلات النظر في المسائل التي تستقيم بها الدنيا.

ولا أدرى لماذا يغض هؤلاء المتكلمون نظرهم عن دور الأزهر الرائع في الأحداث الأخيرة بما سعى إليه من لمّ الشمل وتوحيد الصف والكلمة وما أصدره من بيانات ووثائق، وما قدمه من مجهود؟ ولماذا لا يرون الأزهر وهو يفتح مؤسساته الصغيرة لمعالجة مشكلات المجتمع ما أمكنه ذلك فيفتح مركز الحوار بين الأديان وبيت العائلة المصري، والمركز العالمي للرصد والفتوى وغير هذا؟ لماذا يغضون الطرف عن قوافل الأزهر داخل مصر استجابة للظروف الاجتماعية والمناخية؟ وقوافله خارج مصر في شتى بقاع الأرض؟ وما أجراه من مصالحات خاصة في وسط أفريقيا، وما دعا إليه من رحمة وسلام خاصة في ميانمار.

يبدو أن بعض هؤلاء يرى لكن بعين واحدة.

واسأل من يقوم على هذه الحملة الشرسة غير المبررة ضد الأزهر الذي سيظل شريفا شاء من شاء وأبى من أبى أسأل من يقوم عليها، ومن يروج لها أسئلة من قلب أزهري:

هل الأزهر هو الذي ينفق الملايين على إنتاج أفلام ومسلسلات تؤصل لمفاسد أخلاقية، وترسخ في الأذهان تصورات شائهة عن الشجاعة والفتوة في خلط عجيب بينها وبين البلطجة، وتترك في الألسنة كلمات تؤذي الأذن فضلا عن القلب ليل نهار؟ وتترك عند الشباب نماذج يقتدون بها في كل شيء من سلوك لا يرضاه وطن صاحب دين وثقافة وتاريخ وحضارة وعادات وتقاليد؟

هل الأزهر هو الذي يتيح الوقت في برامج التوك شو لبعض من يحسبون أنهم على شيء، فتظهر ألسنتهم ما تخفيه قلوبهم من حقد وضغينة، وتهم تحتاج إلى بينة ودليل؟

أيها الإعلاميون..  هل لو أعلن الأزهر تكفير داعش تكفير داعش سينتهي هذا التنظيم؟ وهل نهضة المجتمع وتقدمه ليكون في مصاف دول المتحضرة متوقف على هذا الإعلان؟

لنصارح أنفسنا: إن مجتمعنا قد بدت عورته، لكن ستر العورة، وتغطية السوأة لا يكون بالهجوم الشرس على الأزهر الشريف معقل الفضيلة، وماذا سيبقى بعده إن سعيتم في هدمه؟

--

عضو المكتب الفنى بمكتب وكيل الأزهر