عودة الحرب الباردة (5)

 

وصلنا فى المقال السابق لتحذير الرئيس الأمريكى أيزنهاور فى خطاب الوداع عند انتهاء رئاسته سنة 1961 من خطورة المجمع العسكرى الصناعى الذى يسيطر عليه المحافظون الجدد على أمريكا ومستقبلها وفى هذه الحلقة الخامسة والأخيرة نستكمل خطاب أيزنهاور حتى نهايته وتعليق روبرتس عليه فى الختام.

يستطرد أيزنهاور قائلاً: لا يجب علينا أن نترك أبدًا ضغط هذا المزيج يعرض حرياتنا وديمقراطياتنا للخطر، لا يجب علينا أخذ الأمور كقضية مسلم بها، فالمواطن الواعى اليقظ هو الذى يضطر هذا المجمع الصناعى العسكرى إلى التسليم بوسائلنا وأهدافنا السلمية، وبذلك يزدهر الأمن والحرية معًا».

كان الرئيس أيزنهاور يحذر من أن حريتنا تتعرض للخطر من كل من المجمع الصناعى العسكرى ومن الخطر السوفيتى، ولم يستمر تحذير أيزنهاور يومًا واحدًا، فقد أغرق المجمع الصناعى العسكرى البلاد فى طوفان من التلويح بالخطر السوفيتى، والحقيقة أنه لم يكن هناك خطر سوفيتى، فقد عزل ستالين روسيا عن الغرب بسيطرته على أوروبا الشرقية، كما عزلت أمريكا نفسها عن روسيا بسيطرتها على غرب أوروبا، كما قضى ستالين على تروتسكى والمنادين بالثورة العالمية قائلًا إن اشتراكية روسيا هى لبلدها فقط.

وأنهى ستالين الشيوعية الدولية ولكن المجمع العسكرى الصناعى بأمريكا كان يبحث عن أرباح أضخم من دافع الضرائب الأمريكى ليحمى أمريكا ما سماه الشيوعية الدولية والواقع أن روسيا لم تقم بأى نشاط لزعزعة استقرار الغرب، ولكن أمريكا اعتبرت أى حركة تحر وطنى مؤامرة شيوعية وروجت لنظرية سقوط العالم فى قبضة الشيوعية، كما تسقط قطع الدومينو.

فقد رجا الزعيم الفيتنامى أمريكا أن تساعده ضد الاستعمار الفرنسى، فأدارت أمريكا ظهرها للزعيم الفيتنامى هوشى منه وقالت له: «اذهب للجحيم وابحث عن العون لدى الشيوعيين».

استمرت الحرب الفيتنامية سنين طويلة ورسخت قدم المجمع العسكرى الصناعى فى أمريكا وضاعفت معاشات العسكريين الأمريكيين، ولكنها كانت حربًا بلا معنى بتاتًا، فلم تكن هناك قطع دومينو تتساقط، لقد كسبت فيتنام الحرب، ولكنها لم تغلق أبوابها فى وجه النفوذ والتجارة الأمريكيين.

وبسبب المجمع العسكرى الصناعى الأمريكى قتل أكثر من خمسين ألف أمريكى فى حرب فيتنام وأصيب الآلاف المؤلفة بالعاهات الجسمانية والنفسية، وقتل الملايين من الفيتناميين وأصيبوا بالتشوه والعاهات والأمراض نتيجة استخدام أمريكا للأسلحة الجرثومية.

كانت الحرب كلها بلا معنى إطلاقاً، ولم تحقق شيئًا سوى تدمير الأبرياء، فهذه هى الطريقة التى تفضلها واشنطن، فالرأسمالية المتعفنة التى تحكم أمريكا لا تهتم بالحياة بل بالأرباح فقط دون الأرواح، فالأرباح هى الشىء المهم وحده، ولو أدى ذلك إلى تحطيم دول كاملة وتسويتها بالأرض ما دامت النتيجة فى صالح صناعة السلاح الأمريكى.

نعم، إننا فى حاجة إلى حرب باردة جديدة، فى مسيس الحاجة لمثل هذه الحرب نحتاج لصراع يسيطر عليه الشعور بالمسئولية بدلًا من الجنون والدمار سعيًا وراء الرغبة فى السيطرة على العالم على يد مجرمين مجانين يدفعون العالم دفعًا إلى حرب الفناء «هرماجدون».

وإلى هنا ينتهى هذا العرض الطويل العميق الذى يقدمه للعالم بول كريج روبرتس، الرجل الذى جلس يومًا على قمة السلطة فى أعتى دول العالم شرًا وإجرامًا فى حق البشرية، فقد كان نائبًا لوزير الخزانة فى عهد رئيس أمريكى من أقصى اليمين تميزت فترة حكمه بشرور كبيرة للعالم، وهو رونالد ريجان، ولكن روبرتس كان من الصفوة القليلة فى قمة السلطة الأمريكية التى تميزت بضمير حى وشجاعة نادرة وسط جنون السلطة المحموم، وما أحوج أمريكا وما أحوج العالم لمزيد من الأصوات الشريفة الشجاعة التى قد تكون طوق النجاة الوحيد من فناء الظالم والمظلوم.

الرئيس الشرفى لحزب الوفد