هموم مصرية

..وذكرى رحيل أبو الدستور

أول أمس، كان ذكرى وفاة أنظف رئيس وزراء فى تاريخ مصر، هو محمد بك لاظ أوغلى.. وأمس كانت ذكرى وفاة محمد شريف باشا أبو الدستور المصرى، ليس فقط فى أسرة محمد على باشا، ولكن فى العصر الحديث كله.

وهو بالمناسبة الجد الأكبر للملك فاروق - من ناحية والدته الملكة نازلى، إذ هو تزوج من ابنة سليمان باشا الفرنساوى وكان شريف سكرتيرا عسكريًا له.. فمن هو محمد باشا شريف.. ولماذا حصل على لقب أبو الدستور المصرى.

هو شاب انخرط فى سلك العسكرية - وهذه لطمة لمن يعترضون على حكم العسكر، هكذا على الإطلاق، وظل يترقى ضابطًا حتى وصل إلى رتبة الفريق فى عهد الخديو إسماعيل العظيم.. وتولى الرجل رئاسة الوزارة أربع مرات.. بل كان دائمًا ما تولى هذا المنصب بينما مصر تمر بأشد الأزمات، حدث ذلك أيام الخديو إسماعيل.. ثم أيضًا أيام ابنه الخديو توفيق.. وهو الرجل الذى لم يختلف عليه مصريان.. سواء كانا من الثوار - أيام ثورة عرابى- أو من الساسة «الملكيين» بل كان دائمًا هو المنقذ.

وهو الذى وضع أول دستور حقيقى للبلاد عام 1879. إذ كانت مصر قبلها تعمل فى ظل مجلس شورى النواب، واللائحة التى وضعها إسماعيل وكانت بمثابة أول دستور للبلاد.. وفى دستور 1879 تم تقييد سلطات الخديو إلى حد ما.. وهو الدستور الذى قبله أحمد عرابى ومجلس قيادة ثورته.. بل إن عرابى نفسه قبل ووافق على قرار شريف باشا عندما كان رئيسًا للوزراء بإبعاد عدة فرق - بقياداتها - من الجيش المصرى عن العاصمة وكان منهم عبدالعال حلمى باشا قائد الألاى الذى تم نقله إلى دمياط وطوابيها البحرية وقلاعها.

وعندما توترت العلاقات بين شريف باشا والعرابيين قدم استقالته.. إلا أنه سرعان ما تم تكليفه بوضع دستور جديد للبلاد، وهو دستور 1882، أى والثورة العرابية فى قمتها.. وقبل أن تسقط مصر تحت الاحتلال البريطانى فى سبتمبر 1882 وفى هذا الدستور حصلت الأمة على حق الرقابة المالية على تصرفات الحكومة.. بل وتم تقليص سلطات الخديو توفيق أيضًا.

ورغم أن شريف باشا - بصفته السياسى القادر على إنقاذ البلاد - قد قبل تولى رئاسة الحكومة إلا أنه وبالذات فى حكومته الأخيرة بعد أن خضعت البلاد للاحتلال هو أول من رفض التخلى عن السودان، ورفض طلب الإنجليز ذلك فأعلنها شريف صراحة بقوله: تقطع يدى ولا أقبل التخلى عن السودان.. وهو هنا صاحب فكرة التمسك بالسودان.. وسياسته هذه هى الأساس الذى جعل سعد زغلول نفسه - وهو رئيس للحكومة عام 1924 - يرفض التخلى عن السودان عقب مؤامرة مصرع السردار لى ستاك، حاكم عام السودان «المصرى - الإنجليزى».

وهو أيضًا نفس الموقف الذى اتخذه مصطفى النحاس باشا، عندما رفض فى كل المفاوضات التى أجراها مع الإنجليز للجلاء عن مصر.. عندما رفض التخلى عن السودان، وكرر عبارته المشهورة: تقطع يدى ولا أوقع معاهدة تفصل بين مصر والسودان.. وهو للأسف - ما فعله واستجاب له جمال عبد الناصر - عندما وافق على منح الأشقاء حق تقرير المصير.. له جمال عبد الناصر عندما وافق على منح الأشقاء حق تقرير المصير.

ويظل شريف باشا بطلاً قويًا.. حتى إن ثورة يوليو عندما غيرت اسم ميدان إبراهيم باشا وميدان وشارع سليمان باشا الفرنساوى وشارع 26 يوليو بالقاهرة وأيضًا فى غيرها من مدن مصر لم تقترب من شارع شريف باشا أو تحاول تغيير اسمه.. اعترافًا للرجل بفضله على البلاد.