الفساد المستفز

 

 

عندما تتفجر فضيحة فساد كبرى ويعجز المسئولون عن التغطية عليها تتدفق سيول من تصريحات المسئولين لتؤكد أن الفاسد سوف ينال العقاب بعد أن تثبت التحقيقات إدانته، ولا ينسى المسئولون أن يضيفوا العبارة الشهيرة «الفساد موجود فى كل بلاد العالم».

هذه العبارة الأخيرة تستفز المواطنين لأنها تحمل فى طياتها شبهة دفاع عن انتشار الفساد، نعم يوجد فساد فى كل بلاد العالم، ولكن الفساد فى كثير من هذه البلاد محدود ويتم تحت غطاء من السرية كثيف، فإذا تم اكتشافه كان العقاب سريعاً ورادعاً.

أما عندنا فالفساد فاجر، لأنه لا يكلف نفسه جهد التخفى عن العيون، فبعض الفساد فى مصر تمارسه مافيا الفساد علناً وبطريقة فاجرة ومستفزة، وتنشر الصحف أخبار هذا الفساد وتصدم تفاصيله الجماهير، وتضيف الشائعات الكثير من التفاصيل الأكثر استفزازاً، ورغم ذلك تواجه السلطات المسئولة فى الدولة كل هذا الفجور بالصمت متصورة أن الجماهير سرعان ما تنسى!! وتتضاعف بشاعة هذا الفساد وفجوره عندما يطمئن من يمارس هذا الفساد إلى أنه «مسنود»، وأن الجهات المسئولة عن محاربة الفساد يدها مغلولة ولا تستطيع أن تقترب منه.

فى هذه الحالات يزداد فجور الفاسد ويقابله سخط جماهيرى يتزايد، وانعدام ثقة فى الاجهزة المعنية بمحاربة الفساد، ثم يمتد السخط والغضب الجماهيرى مع استمرار هذا الفاسد فى تحدى مشاعر الجماهير بممارسات أكثر فجوراً وفساد أوسع نطاقاً.

الكارثة أن الفساد الذى يمارسه هذا «الفاسد المسنود» لا يتوقف عند ممارساته، لكنه يشجع آخرين على ممارسة الفساد.

ويزيد من انتشار الفساد اقتناع كثيرين بأن الإفلات من العقاب ليس مستحيلاً إذا استطاعوا أن يعقدوا الصفقات مع من يملك حمايتهم من أن تصل إليهم يد الأجهزة المعنية بمحاربة الفساد وما أكثرها فى مصر، ويغذى هذا الشعور لدى الجماهير ما يعرفه المواطنون جميعاً من قدرة هذه الأجهزة الرقابية المعنية بمحاربة الفساد على معرفة «دبة النملة»، وأن هذه الأجهزة - حسب اعتقاد الجماهير - تعرف تفاصيل الكثير من حالات الفساد وأسماء من يمارسون هذا الفساد، وتفسر الجماهير استمرار هؤلاء الفاسدين فى مواقعهم ومواصلتهم ممارسة ألوان شتى من الفساد، تفسر الجماهير هذا بأن هؤلاء يمارسون فسادهم مطمئنين إلى حماية خاصة جداً يتمتعون بها من جهات تملك أن تغل يد الأجهزة الرقابية عن الاقتراب منهم.

يتراكم هذا الشعور واقتناع الجماهير بأن «كبار الفاسدين» يتمتعون بحماية خاصة، يتصاعد السخط الجماهيرى ويصبح المناخ العام مهيئاً للاقتناع بما تنشره وتبثه التنظيمات الإرهابية التى تركز على الحالات الصارخة لفساد يتحدى القوانين ويستفز الجماهير.. ومع تراكم هذه المشاعر يتزايد تعاطف الجماهير مع الجماعات الإرهابية.

يا سادة يا كرام..

محاربة الفساد والتصدى لكبار الفاسدين بشكل خاص هو الطريق لحرمان المتعصبين والإرهابيين من حاضنة شعبية إذا لم تتعاطف معهم فعلى الأقل لا تستنكر إرهابهم.