المشروع الفكرى للسيد ياسين

إذا كنا نجيد فن جلد الذات، وهو ما يبدو أحد مظاهره فى المقولة الشائعة بأن روادنا لا يلقون منا التكريم سوى بعد رحيلهم، فإننى أحسب أن المفكر السيد ياسين، الذى رحل عن عالمنا أمس الأول يمثل استثناء من هذه القاعدة.. فقد نال الرجل فى حياته واعترافاً بمكانته العلمية.. جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية عام 1996، كما حصل على جائزة النيل فى العلوم الاجتماعية عام 2007. غير أن التكريم الأهم من وجهة نظرى والذى يعبر عن التقدير الحقيقى له إنما تمثل فى تلك الندوة العلمية التى دعت إليها كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة فى مارس 2010 وتمحورت حول قراءة فى مشروعه الفكري، والتى صدرت فى كتاب شامل تضمن كل أعماله.

على المستوى الشخصى بدأ ياسين يأسرنى بكتاباته أوائل التسعينيات مع كتابه «الوعى القومى المحاصر»، والذى كتبه إثر الغزو العراقى للكويت وراح من خلاله يحاول أن يشخص أزمة النظام العربى مع العمل على تقديم ما يراه العلاج المناسب. منذ ذلك الوقت أصبحت مدمناً لكتاباته وأحرص على متابعتها وخاصة من خلال منبره بجريدة الأهرام ويجمعها فيما بعد فى كتب تقدم رؤى شاملة.

عندما كنت أتأمل وضعه فى الحياة الثقافية والفكرية المصرية، كان يرد على ذهنى على الفور تلك المكانة الكبيرة التى يحتلها الراحل صموئيل هنتنجتون فى الحياة الفكرية فى الولايات المتحدة، وجعلته بمثابة الأب الروحى للفكر السياسى الأمريكى الحديث، حيث قلما تجد مثقفاً أو باحثاً مصرياً فى العلوم الاجتماعية لم يحتك من قريب أو بعيد بالسيد ياسين. مع رحيل هذا الاخير– هنتنجتون- كتبت مقالاً بعنوان «ورحل صادم الحضارات».. وبرحيل ياسين أتصور أنه على الطرف النقيض يجب أن ننعاه بوصفه «جامعاً للحضارات» من خلال مجموعة الكتابات المتنوعة التى كتبها حول ضرورة حوار الحضارات.

عندما تمعن فى مسيرة ياسين العلمية لا بد أن تصاب بدوار من كثرة التحولات التى مر بها ومن كثرة وتنوع الاهتمامات التى شغلت فكره وعبر عنها فى كتاباته، فقد كان بحق غزير الإنتاج، موسوعى المعرفة. فقد عاش تجربة الإخوان بكل كيانه وانفصل عنها لأنها ناقضت عقله، وتأثر بكتابات محمد مندور ويسار الوفد، ولم يجد غضاضة بعد ذلك فى الاهتمام بالماركسية، وإن لم يؤمن بها كأيديولوجية متكاملة، وفى مسعاه العلمى راح يستمد غذاءه من العالم الأمريكى تالكوت بارسونز الذى وجد، كما يذكر ياسين، أن لديه إطاراً نظرياً متكاملاً فى التحليل الاجتماعي، فيما يشير إلى انفتاح حياتى وعلمى على كل الثقافات والأفكار.

ولعل أفضل توصيف لمسيرة ياسين الفكرية ذلك الذى راح يقدمه الدكتور عماد أبوغازى من أنه يمثل «نموذجاً فريداً فى البحث العلمى وفى التكامل المعرفى بين فروع مختلفة من الدراسات الاجتماعية والإنسانية ويمثل قدرة على التجدد الدائم فيما يقدم من أفكار وإسهامات ممتدة».

وإذا أردنا أن نلخص المشروع الفكرى لياسين فإنه يتمثل فى تلك الكلمات التى قالها على الدين هلال من تمحور رؤيته حول أن الحل «يكمن فى الحرية والديمقراطية فى التنمية والعدالة الاجتماعية فى الاستقلال الوطنى ورفض الهيمنة، وفى الحرص على الهوية الحضارية والثقافية». وهو الأمر الذى تتمثل أدواته فى «الأخذ بالعلم والمنهج العلمى لأنهما يقودان إلى الديمقراطية وإلى العدل الاجتماعى وإلى مساواة الرجل والمرأة».

وكان سبيله إلى ذلك بتعبير الدكتورة نادية مصطفى منظومته المعرفية المفتوحة التى تقبل التعددية والحوار ونقد الذات وقبول الآخر. وقد لا يكون غريباً على هذا الأساس أن نشير إلى أن ياسين الذى كان يعرف نفسه بأنه ابن الوطنية المصرية وابن القومية العربية يكرر الدعوة إلى العمل على التركيز على نظرية للتغيير الاجتماعى تقوم على رفع الوعى الاجتماعى العام والارتقاء بالوعى الجماهيرى وأساليب تحقيق ذلك، باعتبار أنه إن لم يرتفع الوعى الجماهيرى فلا أمل فى التغيير. رحم الله السيد ياسين وعلنا نستفيد من تراثه الفكرى بالغ الثراء.

[email protected]