الغلو فى الدين... الأساس الفكرى لجماعات الإرهاب والتطرف (1-5)

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 10 يناير 2018 20:08
الغلو فى الدين... الأساس الفكرى لجماعات الإرهاب والتطرف (1-5)

إعداد:محمود على  

 

عبر الاسابيع الماضية عرضنا للجذور التاريخية لجماعات الارهاب فى الاسلام، واليوم نفتح ملفاً جديداً فى إطار رصد وتحليل ظاهرة الارهاب والتطرف من خلال مناقشة ظاهرة أخرى ذات صلة لصيقة بهما بل ويشكلان هما انعكاسها على أرض الواقع وهى  ظاهرة الغلو في الدين, والتي طغت بروحها المدمرة وتأثيراتها السلبية والفاسدة على المجتمع الاسلامى منذ صدر الاسلام والتى مازال يدفع ثمنها حتى اللحظة الراهنة، وباتت صورها وأشكالها التى تعكسها الممارسات المتشددة والمتطرفة لحفنة من المتأسلمين  والتى لا تمت للإسلام بصلة، هى الصورة النمطية التى يسعى أعداء الاسلام الى ترسيخها فى ذهنية الآخر عنا، مدعومة فى ذلك بالجرائم والفظائع  التى ترتكبها جماعات التطرف مثل «داعش»، و«القاعدة» وذيولهم فى عالمنا العربى والإسلامي أو فى أوروبا.

وسوف نتناول عبر الملف سلسلة من القضايا المرتبطة بظاهرة الغلو من حيث تعريفه وأنواعه، وتاريخ نشأته، ومفهومه وملامحه الرئيسية، ومظاهره وأسباب انتشاره، ومخاطره وأثاره على الأفراد والمجتمعات، وطرق علاجه.

وفى واقع الامر إن المجتمعات الاسلامية لم تدفع ثمناً باهظاً فى أياً من معاركها الخارجية، بقدر ما دفعت وتدفع الآن فى مواجهة الكوارث المترتبة والناجمة عن هذه الظاهرة التى استشرت داخلها كما النار في الهشيم، منذ صدر الاسلام وخروج الخوارج وإعلانهم تكفير المجتمع والحكام واستحلالهم دماء وأموال وأعراض المسلمين، وحتى تفجيرات خوارج العصر الى طالت المصلين الآمنين فى المساجد والكنائس والقائمين على حفظ الثغور وفرض الامن والسكينة وحماية الارواح والممتلكات.

ولا جدال فى أن الغلو قديم فى التاريخ ويعود الى قوم «نوح» عليه السلام، الذين عبدوا رجلاً كانوا صالحين وأقاموا لهم التماثيل، وكان هذا أول غلو اعتقادى فى التاريخ فقد عبدوهم من دون الله سبحانه، كما أن الرسول  واجه الكثير من حالات الغلو العملى فكان يصححها ويوجه أصحابه الى طريق الاعتدال والوسطية التى قامت عليهم الشريعة الاسلامية.

ثم أطالت الفتن برأسها بعد قتل «عثمان» رضي الله، وتلى ذلك ظهور الغلو ممثلاً فى فرق وجماعات حملت السلاح وشقت عصا الطاعة والوحدة  مثل «الخوارج» الذين قاتلوا علي بن أبي طالب، وكفروا المسلمين، والشِيعة الذين غالوا فى مكانة «على» حتى اضطر الى إحراقهم بالنار بعد أن ادعو ألوهيته، وبين الفرقتين انطلقت شرارة الغلو ولم تخمد حتى الآن.

واليوم تواصل «الوفد» عبر «مرصد مكافحة الإرهاب»، عرض لمفهوم الغلو وأنواعه  ومعالجة الرسول  له بالإضافة الى تقديم رؤية مستنيرة لمفهوم الدعوة، وبيان قواعد اليسر والتيسير التى حفلت بها الشريعة الاسلامية.

 

التشدد فى المفهوم اللغوى والفقهى

 

يعرف الغلو لدى الفقهاء بأنه الزيادة في الدين والخروج عن الحد المشروع، باتباع التشدد في العبادات وتأويل النصوص، ويعرف فى اللغة بأنه مجاوزة الحد وغلا فى الدين أى جاوز حده، لذا يعرف الشرع الغلو بأنه مجاوزة حدود الشريعة عملاً أو اعتقاداً.

وقد وردت كلمة الغلو بمعناها الصريح في القرآن الكريم مرتين، فى قوله تعالى {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ}، وقوله تعالى  {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ}، وهو نهى لأهل الكتاب عن الإفراط  أو التقصير فكلاهما سيئة.

كما ورد الغلو بمعانى أخرى منها النهي عن الطغيان كما فى قوله تعالى لبني إسرائيل {وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي}، وقوله تعالى {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}.

كما وردت كلمة الغلو بمعناها الصريح في السُنة كما فى قول الرسول «يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»، وقوله «إياكم والغلو في الدين»، وقوله «لا تغالوا في صداق النساء».

ويعرف الفقهاء الغلو اصطلاحاً بأنه المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد، وانه الزيادة على ما يطلب شرعا بالزيادة فى حمد الشيء أو ذمه، وقيل كل من فعل أمراً موهماً إنه مشروع وهو ليس كذلك فهو غال في دينه مبتدع فيه قائل على الله غير الحق بلسان مقاله أو لسان حاله، وهى تعاريف تتفق مع المعنى اللغوى وخلاصتها مجاوزة الحد المشروع في الدين بالاعتقادات أو الأقوال أو الأعمال، وضابط الغلو كما يقول الفقهاء هو تعدي ما أمر الله به،  وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله تعالى {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي}.

وعرفت السُنة النبوية الشريفة مرادفات متعددة للغلو منها المتعمق وهو «المُبالغ فى الأَمر المتشدد  فيه الذى يطلب اقصى غايته»، لذا روى عن الرسول انه عندما راجعه واحد من المسلمين حين نهى عن الوصال فى الصيام وقال إنك تواصل يا رسول الله؟ فأجابه بقوله «وإيكم مثلى؟ إنى أبيت يطعمنى ربى ويسقينى»، فلما أبو أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً ثم رأوا الهلال فقال «لو تأخر لزدتكم»، كالتنكيل لهم حين أبو أن ينتهوا لذا قيل «المتعمقون هم المشددون فى الامور المجاوزون الحدود فى قول أو فعل».

وكذلك أشارت السُنة الى التنطع وهو الغلو والتكلف في القول والعمل بما لم يأت به الشرع، وهو ما نهى الرسول بقوله ثلاثة «هلك المتنطعون»، وقيل «المتنطعون أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم».

وأيضاً أشارت السُنة الى التشدد ونهت عنه فقال «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وابشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشىء من الدلجة»،  لذا قيل المشادةُ بالتشديد والمغالبة والمعنى لا يتعمق أحد فى الاعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلبُ، والتشدد يعني المشقة وهو عكس التيسير ورفع الحرج، وفى ذلك أحاديث كثيرة كقوله «إن الله لم يبعثنى متعنتا ولكن بعثنى معلماً ميسراً»، وقوله «إن خيركم دينكم أيسره»، «إن الله إنما أراد بهذه الامة اليسر ولم يرد بهم العسر».

كما أشارت السُنة النبوية الشريفة الى العنف ونهت عنه فى السلوك وهو ضد الرفق الذى أمر به بقوله «إن الله رفيق يحب الرفق ويعطى على الرفق ما لا يعطى على العنف»، وما روى عن النبى  إنه قال «إن الرفق لا يكون فى شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شأنه».

لذلك كانت الشريعة الاسلامية ضد الغلو والتطرف والتشدد وسعت كما يقول العلماء الى تذليل الصعاب وتسهيل المشاق وإزالة ما يعنت النفس ويجهدها ويوقعها فى حرج حتى ولو كانت تطيقه ومن هنا فإن ما تطيقه النفس هو الامر الذى يمكنها الإتيان به مع جهد ومشقة.

فالتيسير صفة عامة للشريعة الاسلامية فى أحكامها الاصلية وكذا فى أحكامها الطارئة عند الاعذار فلا توجد فيها مشقة غير معتادة لان الشارع الحكيم لم يقصد الى التكليف بالشاق والإعنات فيه وفى ذلك يقول  «الدين يسر فيسروا ولا تعسروا».

وليس معنى اليسر فى الدين ترك لعمل والتكاسل عن الطاعات والعبادات كما إنه ليس معنى التشديد فيه: الاخذ بالأكمل فيها كلا بل المراد الالتزام بالتوسط فيها بلا إفراط ولا تفريط، وهذا هو المنهج الوسط وهو صراط الله المستقيم فلا ميل الى جانب الافراط والتعمق والتشديد على النفس وعلى الآخرين، ولا الى جانب التيسير الشديد والتساهل الذى يصل الى حد التحلل والانسلاخ من الاحكام الشرعية.

ويؤكد هذا المنهج الوسطى الذى لا إفراط فيه ولا تفريط قوله تعالى {وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} وفسرها ابن جرير الطبرى بمعنى التوسط بين الافراط والتفريط، وقوله تعالى {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} وقيل فى تفسيرها هى الصلاة التى ليست بالطويلة المملة ولا القصيرة المخلة، ومنه قوله تعالى فى كفارة اليمين {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}.

وفى ذلك يقول الإمام الشاطبى «الشريعة جارية فى التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل الاخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه»، ونقل عن ابن القيم قوله و«ما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو ولا يبالي بأيهما ظفر، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين الجبلين، والهدى بين الضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين».

 

دروس نبوية فى مواجهة التطرف

 

عالج الرسول الغلو فى العبادات بتوجيه أصحابه الى الطريق المستقيم وبيان ما وقعوا فيه من أخطاء بتجاوز الحدود المنضبطة للشرع، ويروى فى ذلك الشأن أحاديث عديدة منها عن ابن عباس رضي الله عنهما قال «ان رجلاً أتى النبي  فقال يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي فحرمت علي اللحم" فأنزل الله قوله تعالى  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، كما روى ان رجال منهم عثمان بن مظعون وعبدالله بن عمرو، أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم، ويلبسوا المسوح  فنزلت فيهم هذه الآية ، وقال سعد بن أبي وقاص  «رد رسول الله  على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا».

وروى انه أراد إناس من أصحاب الرسول  أن يرفضوا الدنيا، ويتركوا النساء ويترهبوا، فقام رسول الله [ فغلظ فيهم المقالة، ثم قال: «إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الأديار والصوامع فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم بكم».

وروى أيضاً أن رهطًا من الصحابة ذهبوا إلى بيوت النبي  يسألون أزواجه عن عبادته، فلما أُخبروا بها كأنهم

تقالُّوها- أي اعتبروها قليلة- ثم قالوا: أين نحن من رسول الله [ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر فلا أفطر، وقال الثاني: وأنا أقوم الليل فلا أنام، وقال الثالث: وأنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبداً، فلما بلغ ذلك النبي  قال لهم: «أما والله إنِّي لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النِّساء، فمَن رغب عن سُنتي فليس مني».

كما روى أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّه قال: بينا النبي  يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم  في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم ، فقال النبي  «مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه».

وكذلك ما ورد فى رده حينما أخبرته «عائشة» رضي الله عنها حينما أخبرته عن الحولاء بنت تويت بأنها لا تنام الليل فانكر عليها ذلك وقال حيث قال: «لا تنام الليل.. خذوا من العمل ما تطيقون فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا».

 

تشدد الخوارج الاعتقادى.. بداية السوس الذى نخر فى عظم الأمة الإسلامية

 

يتفق غالبية الفقهاء على ان الغلو ينقسم الى نوعين يخرجان المسلم من دائرة الوسطية والاعتدال الى دائرة التشدد والمبالغة والتطرف، أو الى دائرة التهاون وعدم اللامبالاة، وهو غلو اعتقادى وغلو عملى.

وينقسم الغلو الاعتقادى الكلى الى غلو يتعلق بمسائل الشريعة الكلية، وغلو اعتقادى فقط يتعلق ما بالعقائد دون غيرها، وهو الغلو الذى يتمثل تكفير المجتمع وعامة المسلمين وأئمتهم وحكامهم والدعوة لاعتزال المجتمع باعتباره مجتمع كافر، وهو اخطر انوع الغلو واخبثها وسبب الفرقة والنزاع فى المجتمعات الاسلامية منذ خروج الخوارج على جماعة المسلمين، وهو ما يعكس فى الواقع افكار ومرجعيات الجماعات المتطرفة، التى غالت فى مواقفها تجاه المجتمعات الاسلامية وكفرتها وأعلنت الحرب عليها، بسبب الفهم الخاطئ والتفسير المتشدد للنصوص.

وشهدت العصور الاسلامية المختلفة مظاهر متعددة لهذا الغلو كغلو بعض فرق الشيعة فى مكانة على رضى الله عنه، وغلو بعض المتصوفة فى تقديس الرسول صلى الله عليه وسلم، والغلو فى مكانة الصالحين، وهو غلو لا يختلف كثيرا عن بدايات عبادة الاصنام نتيجة لغلو قوم نوح عليه السلام وتقديسهم لبعض الصالحين من عصرهم حتى عبدوهم من دون الله تعالى.

ويحذر الفقهاء والعلماء من خطر هذا النوع من الغلو لان صاحبه لا يعلم الحق ولا يعلم أنه لا يعلمه، فيبنى مواقفه وأفكاره تجاه المجتمع والآخرين على هذه الرؤى الفاسدة والخاطئة، وإن كان البعض يعلم كما يقول العلماء ولكنه يعاند ويكابر لهوى أو مصلحة، لذا فى هذا الاطار يقسم العلماء اصناف الناس فى العلم الى اربعة، صنف يعلم ويعلم أنه يعلم وهذا هو العالم، ويجب تلقى العلم عنه وإتباعه، وصنف يعلم ولا يعلم أنه يعلم وهذا غافل يجب تنبيه، وصنف لا يعلم ويعلم أنه لا يعلم وهذا جاهل يجب تعليمه، وصنف لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم بل ويعتقد أنه يعلم وهذا جاهل مكابر يجب الحذر منه، وعلى هذا الطريق يمضى غلاة الحاضر وخوارج العصر، الذين يتبعون دون وعى او فهم لمنهج الخوارج الأوائل، الذين خرجوا على الامة الاسلامية وخلفائها وكفروا الجميع واستباحوا الانفس والأموال والأعراض، وعاثوا فى الأرض فسادا وهم يظنون انهم يملئونها عدلا، وفى صفة هؤلاء قال النبى صلى الله عليه وسلم: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».

ويشير الفقهاء الى ان الغلو فى الحكم على الناس يعد احد اهم مظاهر الغلو الاعتقادى، لأنه خروج عن قواعد الشريعة المنضبطة بإصدار الاحكام عليهم سواء بالكفر أو البدعة أو الفسوق، لان هذه الاحكام افتئات على الله تعالى ورسوله ، ولا يمكن لأحد الحكم بها على اطلاقها دون دليل قاطع واضح صريح بنص، فان لم يوجد الدليل عليها فإن الحكم بها تعدى لحدود الله تعالى، والقول عليه بغير علم، مؤكدين على ان هذا الغلو الفاسد الذى بدا بغلو الخوارج فى اصدار الاحكام على جماعة المسلمين وحكامهم بالكفر والخروج من الملة، كان منشأ السوس الذى نخر فى عظم الامة واوهن قوتها وادى لانقسامها وضعفها وتفرق وحدتها وسفك دماء ابنائها.

ويضيف الفقهاء ان النبى منع من تنزيل الحكم العام على شارب الخمر بأن تحل عليه لعنة الله، نظرا لإيمانه بالله ورسوله، بينما هؤلاء المتطرفون الغالون ينزلون أحكام التكفير والفسق ويوزعونها على من يريدون بغير علم ومعرفة بقواعد الشرع، حيث روى عن عمر بن الخطاب أن رجلا على عهد النبى كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا وكان يضحك رسول الله وكان قد جلده فى الشراب فأتى به يوما فأمر به فجلد فقال رجل من القوم اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به فقال النبى لا تلعنوه فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله.

لذلك يشدد الفقهاء على ان الحكم بكفر شخص معين او القول بفسوقه لا بد له من توافر شروط محددة كما أجمع على ذلك علماء أهل السنة والجماعة، لان الحكم على عقائد الناس أو عدالتهم يشترط تمام المعرفة وتمام الورع كما قال الحافظ الذهبى.

لذلك يدعو العلماء الى ضرورة دراسة الجذور التاريخية للغلو العقدى لانه كما يقول بعضهم أن «حوادثه مترابطة إما ترابطا تاريخيا بحيث تكون بعض صور الغلو نشئت عن بعض، وإما ترابطا فكرياً بحيث تتفق صور الحديث مع القديم دون أن يكون هناك تواصلا تاريخيا، وهذا الغلو العقدى بقيت بذوره التى رأينا صورتها فى العهد النبوى على يد ذى الخويصرة متوارية وراء الباب، حتى كسر ثم تتابعت الفتن جاءت وقعة الجمل لتمثل الصراع الذى أثاره هذا الاختلاف، وكان أيضاُ لمثيرى الفتنة فيه دور كبير، إذ بعد أن اتفق الصحابة على الصلح أثيرت الفتنة ووقعت المعركة، وليس فريق من الفريقين بدأها، وإنما بدأها المغرضون ثم بعد وقعة الجمل حدثت وقعة صفين بين على وأشياعه، ومعاوية وأشياعه رضى الله عنهما، فكانت المرحلة الأكثر تأثيراً فى انتشار الفتن والفرق، إذ تعد حادثة التحكيم التِ أعقبت الوقعة المنتج لأكبر فرقتين غاليتين فى تاريخ المسلمين هما الخوارج والروافض وكلتا الفرقتين غاليتان، ولكنه غلو متقابل فى جوانب متفق فى جوانب ففى جانب الولاء والبراء غلت الخوارج فى البراءة من الصحابة، ومنهم على بن أبى طالب رضى الله عنهم وغلت الروافض فى الولاء لعلى بن أبى طالب - رضى الله عنه - وذريته من بعده، ووهم متفقون فى التكفير، فكلهم يكفر، ولكن اختلافهم هو فى محل التكفير وموضوعه».

 

الإسلام.. دين يسر يرفض التشدد

 

يتعلق الغلو العملى كما يقول علماء الشريعة بجزئيات الشريعة لا كلياتها، وبالأعمال سواء كانت قولا باللسان أم عملا بالجوارح، ويتضمن التكلف فى تفسير معانى النصوص، أو التشدد فى تطبيق أحكام الشريعة وفى الفتوى بما ينفر الناس وعدم الأخذ بالرخص، والابتداع فى الدين وإحداث أمور ليست منه، والتضييق على النفس بزيادة المشقة عليها بالإفراط فى العبادات ومنع المباحات، وترك الاخذ بقواعد التيسير ورفع الحرج.

لذلك يصفه الفقهاء بأنه «ما كان واقعا فى دائرة الأحكام الشرعية الخمسة وهى الوجوب، والندب، والكراهة، والتحريم، والإباحة، فمن جعل المندوب بمنزلة الواجب، أو المكروه بمنزلة المحرم، أو جعل المباح مكروها أو محرما فقد غلا فى الدين وجانب الصراط المستقيم، فمن أوجب على نفسه قيام الليل كله فقد غلا لأنه جعل المندوب بمنزلة الواجب، ولأنه جاوز حدود السنة فى هذا الجانب، ومثل هذا من حرم ما أحل الله من النكاح وأكل الطيبات زهدا وتعبدا، ويدخل فى هذا الباب كل من زاد على المشروع قدرا أو وصفا، وذلك كالزيادة على الثلاث فى الوضوء مثلا».

ويقول الدكتور عبدالسلام بن برجس فى بحثه عن الغلو العملى، ان أدلة الشرع فى النهى عنه كثيرة جدا، والوقوع فيه ارتكاب للنهى ومعارضة لمقاصد الشريعة التى بنيت على التيسير والتخفيف، داعيا الى ضرورة تأمل ما جرى فى حادثة الإسراء والمعراج من فرضية الصلاة على النبي، ومراجعته ربه جل وعلا فى تخفيف عدد الصلوات من خمسين إلى أن بلغ خمس صلوات، لأن الشارع الحكيم لا يقصد فى تكاليفه المشقة على العباد وإلحاق العنت بهم، فلم يبق لمن ألزم نفسه بالغلو فى جزئيات الشريعة حجة.

مضيفا بان سنة الله تعالى جرت فى هؤلاء الغالية فى العمل على الانقطاع عن العمل بالكلية، إلا من أراد هدايته فوفقه للرجوع إلى الطريق المستقيم. وهو ما بينه  فى قوله « إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا »، أى دين الإسلام ذو يسر، أو سمى الدين يسرا مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله، لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذى كان على من قبلهم، ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم، وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم.

لذلك يقول الدكتور «عبدالسلام» انه تلافيا للوقوع فى هذا المنزلق الخطير أمر الشارع الحكيم بالقصد وهو الوسط فى العمل، ولما سئل النبى أى الأعمال أحب إلى الله؟ قال «أدومها» وإن قل وقال «اكلفوا من الأعمال ما تطيقون».

 

 

أهم الاخبار