بنسيونات القاهرة .. أشهرها «الكورسال» و«كلوب الغلابة»

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 29 نوفمبر 2017 19:26
بنسيونات القاهرة .. أشهرها «الكورسال» و«كلوب الغلابة»

تحقيق - حسام أبوالمكارم:تصوير: عبدالكريم إبراهيم - اشراف : نادية صبحى

 

ظهرت مع حفر قناة السويس وانتشرت بعد الحرب العالمية الأولى

يرتادها 70 من أهالى الصعيد.. وتشهد رواجاً فى أوقات «الموالد»

 

رائحة الزمن وآلاف القصص تفوح من بين جدران عتيقة احتضنها بعض بنسيونات القاهرة، ما جعلها تحمل بين جنباتها إرثاً ضخماً من حكايات الأدب والفن والشعر وحياة الناس البسطاء وميراثاً لا يستهان به من الثقافات والحضارات وفنون العمارة الأوروبية من القرون الوسطى.

 

موظفون وعمال من أقصى الصعيد، فلاحون من الدلتا وطلاب لفظتهم مدنهم الجامعية، سياح ومواطنون بسطاء، اضطرتهم رحلة الحصول على ورقة رسمية داخل مؤسسات الدولة للمبيت فى العاصمة لليلة واحدة، هذه النوعية التى تمتلئ بها كل ليلة، عشرات الغرف من البنسيونات فى وسط البلد بالقاهرة، كل بنسيون رواية عجيبة ولكل نزيل قصة أعجب.

 

زوار الموالد والطبقة التى لا تستطيع تحمل المبيت فى فنادق النجوم أبرز سكان البنسيونات واللوكاندات فى الوقت الحالى، لذلك فخدمات هذه الفنادق باتت لا تذكر، فهم لا يقدمون سوى السرير الذى يبدأ سعره من ‏20 جنيهاً فى الليلة الواحدة‏، بل يمكنك أن تشترك مع أى شخص فى الحجرة الواحدة إذا كان سعرها لا يناسبك‏، فهناك حجرات تبدأ من‏ 20 جنيهاً وتنتهى بـ‏70 جنيهاً حسب عدد الأسرة وتبعاً لوجود «حمام» أو عدمه‏، وكله بثمنه‏.‏

جولتنا بدأت بشارع كلوت بك وهو الأشهر فى هذا المجال، بدأنا بلوكاندة «الكورسال» التى تقع فى العمارة رقم 14 بشارع كلوت بك بوسط القاهرة، يبدو عليه النظافة إلى حد كبير، دخلنا إلى الاستقبال الذى يضم بعض الكراسى ومكتباً عفا عليه الزمن يحمل فوقة تليفوناً بقرص مثل الذى يمكن مشاهدته فى أفلام «الزمن الجميل»، وأثناء وقوفنا فى الصالة شاهدنا حماماً يشبه دورات المياه الموجودة فى مواقف السيارات، وبالنسبة للمطبخ حدث ولا حرج «بوتاجاز - وثلاجة مرت عليهما عشرات السنين» لا يمكن تناول أى طعام أو شراب من خلالهما.

لحظات وقابلنا «نشأت إسحاق مرقص» الذى يعمل فى هذا المكان منذ عام 1971، بدأ كلامه معنا قائلاً: المبانى والعمارات هنا كلها تاريخية بنيت منذ عام ‏1860‏ وكانت أملاكاً لليونانيين وما زالت تحتفظ بهذا الطابع القديم الأصيل‏، حتى الأثاث الخشبى للغرف يونانى عريق‏، لذلك فكل الفنادق والمبانى تابعة لهيئة الآثار‏.‏

ويضيف قائلاً: زمان كان زبائن هذا المكان ممثلين ومؤلفين وأجانب من كل الدنيا.. أما الآن فالزبون تغير مع الزمن‏، فأكثر الناس إقبالاً علينا أهل وجه قبلى الذين يحضرون لإنهاء بعض الأوراق الرسمية فى القاهرة.

وعن أسعار البنسيون قال: الأسعار هنا تقريباً متقاربة تبدأ من 35 جنيهاً وقد تصل إلى ‏70‏ جنيهاً حسب عدد السرائر‏، فمثلاً عندى حجرة بسريرين سعرها لليلة ‏70‏ جنيهاً وأخرى بأربعة سرائر وحمام تصل 35 جنيهاً، وبعد أن أنهى كلامه أخذنا جولة فى الغرفة لنرى دولاباً وسريراً فى كل غرفة عمرهما من عمر العمارة تقريباً‏ً.‏

 

بنسيون البرنسات

بجواره يقع بنسيون البرنسات ولوكاندة الشبيبة المصرية، عندما تخطو بداخل بنسيون الشبيبة تتمكن من استنشاق رائحة المنظف الذى يستخدم فى تنظيف أرضيته، وبداخله سيدة تدعى ليلى إبراهيم وهى المسئولة عن الفندق الذى لا تختلف أسعاره عن أسعار الكورسال ولكنك لن تجد فيه غرفاً بحمام‏، أكثر المترددين عليه السودانيون الذين أصبحت بين ليلى وبينهم صداقة وعشرة سنين، تقول ليلى إن إجراءات قبول أى زبون واحدة فى كل الفنادق‏، وهى صورة من إثبات الشخصية والدفع مقدماً، أما البنات فاستضافتهن ممنوعة إلا إذا كان معها أبوها أو أخوها، وطبعاً ما يثبت صلة القرابة‏، وهذا عرف منعاً للإحراج، سجل دفتر النزلاء يطلع عليه رجال المباحث مرتين يوميًا فى الواحدة بعد منتصف الليل ومرة فى التاسعة مساءً لمعرفة كل النزلاء بصفة دورية لمنع أى أعمال منافية أو اختراق عادات وتقاليد المجتمع، من خلال رقم تليفون معاون مباحث قسم الأزبكية الذى يتواجد فى كافة البنسيونات والفنادق للاستعانة به إذا تعرض النزلاء لأى مضايقات وكذلك لخدمتنا إذا حدث أى شىء مريب أو غير سليم‏، ويقدم لقسم الشرطة الذى يتبعه.

 

بنسيونات كلوت بك

30 بنسيوناً يحتضنها شارع كلوت بك وحده، من أشهرها لوكاندة محمد على وبنسيون النيل وكوكب الشرق، فضلاً عن لوكاندة سوهاج الكبرى والكورسال والبرنسات، التى يقبل عليها القادمون من الصعيد على نحو لافت، قصة إنشاء هذه البنسيونات، ومعظمها يعود إلى مطلع السبعينات، عندما بدأت العشرات من مكاتب الفنانين التى كانت تنتشر على امتداد هذا الشارع فى إغلاق أبوابها، بعد أن هجرها زبائنها التقليديون، وتحويل نشاطها إلى بنسيونات لخدمة أبناء الأقاليم المقيمين فى العاصمة بصورة مؤقتة.

 

لوكاندة البرنسات

حاله لا يختلف كثيراً، غير أن عدد الفنادق وكذلك الرواد أكثر بكثير‏، عماراته أيضاً ما زالت تحتفظ بطابعها التاريخى القديم‏، داخل لوكاندة البرنسات، قال لنا «محمد» أحد عماله: هذه المناطق رغم أصالتها وتاريخها فإنها للناس الغلابة الذين لا يملكون حتى أماكن الأكل فى مطاعم الفول والطعمية‏، ويكتفون بشراء ساندويتش من على عربية الفول‏، وخصوصاً هنا فى كلوت بك لأنه أرخص‏.‏

وعن الإقبال على هذه الفنادق قال: الوضع تغير عن زمان‏..‏ الإقبال قل كثيراً، لكن لدينا موسم تكتظ فيه كل بنسيونات الدرجة الثالثة وهو الموالد والأعياد‏..‏ أما الزبائن الآن فهم جاءوا غالباً لإنهاء أوراق من السفارة أو للعلاج فى أحد المستشفيات‏.‏

وعن خدمات الفندق أكد أن كل الفنادق هنا لا تقدم أى خدمات سوى المبيت والقليل يقدم كوب الشاى بجنيه‏، أما الحمامات فهى مشتركة لكل النزلاء وبالدور وكذلك المطبخ إذا أراد أحد أن يسخن ماء لنفسه أو يسخن طعامه الذى يحضره معه من الخارج‏.‏

وتكتسب فنادق شارع كلوت بك شهرتها من رخص أسعارها، إذ إن سعر المبيت لليلة واحدة فى أى من هذه الفنادق فى غرفة مشتركة بالطبع، لا يزيد على 70 جنيهًا للفرد الواحد بالمقارنة بالفنادق الكبرى، فضلاً عن قربها من محطة مصر أو باب الحديد الأمر الذى يسهل المهمة كثيراً على مرتاديها وخاصة القادمين من أقصى الصعيد، ومجاهل الدلتا، حيث لا يبتعد الشارع سوى أمتار قليلة عن محطة السكة الحديد، فضلاً عن وجوده فى منطقة وسط البلد حيث تتركز معظم المصالح والدواوين الحكومية.

وتتميز معظم لوكاندات وسط البلد بمبانيها العتيقة، التى يرجع تاريخ بنائها إلى بدايات القرن الماضى، ومعظم هذه اللوكاندات لا تربطها علاقة من نوع ما مع وزارة السياحة، لكن علاقتها المباشرة تكون مع قسم الشرطة التابعة له، حيث يتعين على صاحب اللوكاندة أن يقدم المعلومات اللازمة لأفراد الشرطة عن النزلاء من خلال هوياتهم الشخصية، فلا يجوز لأى بنسيون أن يقبل نزيلاً إلا إذا قدم ما يثبت شخصيته لإدارة البنسيون، وإلا يتعرض المكان للإغلاق لأسباب أمنية.

لم يختلف وضع باقى الفنادق عن البرنسات إلا أنه يوجد فندق واحد يستقبل البنات بعد أن خصص لهن مكاناً خاصاً‏، ويقوم بغلق الباب عليهن من الخارج للأمان وهو فندق المغربى الذى ذهبنا إليه فوجدنا لافتة تقول إنه مغلق اليوم‏.‏

شارع عماد الدين وتحديدًا لوكاندة السعادة بالعقار رقم 5 التى تقع فى آخر طابق‏، ورغم وجود تليفزيون وعدد من الزبائن يشاهدون التلفزيون، إلا أن الزبالة كانت فى كل مكان‏، ومع هذا لم يبد أنها تثير أياً من هؤلاء‏، وعندما سألنا عن المسئول حتى نتحدث معه خرج لنا شخص يبدو أنه معتاد على إكمال ملابسه فى صالة الاستقبال‏، غير أنه اعتذر عن عدم الحديث معنا.

أما فندق مترو الذى يقع فى نفس العمارة فكان حاله أفضل وأنظف نسبياً من فندق السعادة الذى يبدو أنه لا يحمل من اسمه شيئاً‏ً، وفى مترو كان فى استقبالنا عم بشرى عبدالشهيد الذى حضر منذ أكثر من ‏25‏ عاماً من محافظته قنا للعمل فى القاهرة‏، وكان قد نام على كنبة موجودة فى الصالة بجوار المكتب الذى عرفنا منه فيما بعد أنه مكتب الإدارة‏، ‏ويقول: زمان كانوا ممثلين ومؤلفين وأجانب من كل الدنيا، أما الآن فالزبون تغير مع الزمن‏، فأكثر الناس إقبالاً علينا هم الإخوة الصعايدة‏، منهم من حضر لإنهاء ورق من مجمع التحرير أو من إحدى السفارات أو الوزارات وإقامته قد تستغرق يوماً أو يومين‏.‏

وعن أسعار البنسيون قال: الأسعار هنا تقريباً متقاربة تبدأ من‏ 20 جنيهاً للغرفة ذات السرير المشترك وقد تصل إلى ‏70 جنيهًا، قائلًا: «زبون زمان كان أغنى وأنظف من كدا لكن الناس فى الوقت الراهن لديهم طبع الغرور وعدم التواضع».

 

فكرة ظهور البنسيون

ظهرت فكرة البنسيونات فى مصر أثناء افتتاح قناة السويس عام 1859 ما صاحبه توافد غير مسبوق من الزوار والسياح إلى ميناء الإسكندرية وامتلأت الفنادق، الأمر الذى دعا عائلات الأجانب بدعوة أصدقائهم للإقامة فى بيوتهم بمقابل مادى بسيط.

ويتقدم الإيطاليون والفرنسيون والأرمن «والإجريج» أكثر الذين عملوا فى هذه المهنة، وكانت تتم فى البداية بالتراضى، ومن ثم قامت الحكومة المصرية بتقنينها ومنح التراخيص عام 1901.

وانتشرت البنسيونات عقب الحرب العالمية الأولى فى شكل غير مسبوق خاصة فى الإسكندرية التى نزح إليها الآلاف من كل أنحاء أوروبا، بحثاً عن الأمان والعمل المجزى والحياة المرفهة، حيث كانت المدينة علامة فارقة قى تاريخ المتوسط جمالياً ومعمارياً.

ويمتلك غالبية البنسيونات سيدات عازبات مطلقات أو أرامل أو ممن فاتهن قطار الزواج، ربما بسبب طبيعة المرأة التى تخشى الوحدة وتبحث عن الألفة مع آخرين تستمد منهم الحماية، أو لأن هذا عمل مريح يوفر لها دخلاً فى مكان سكنها.

 

بنسيونات فى وسط البلد

تشير الإحصاءات الصادرة عن وزارة السياحة إلى أن منطقة وسط القاهرة تضم وحدها أكثر من ‏100‏ فندق وبنسيون صغير تنتشر على طول المسافة التى تربط ما بين أقسام الأزبكية وعابدين والموسكى وأن أغلب هذه اللوكاندات والبنسيونات يتركز فى شارع عماد الدين وكلوت بك الذى يمتد من ميدان رمسيس وحتى منطقة العتبة‏، حيث يضم شارع كلوت بك وحده ما يقرب من ثلاثين بنسيوناً وفندقاً صغيراً‏، من أشهرها لوكاندة محمد على أو كلوب الغلابة كما أسماها إسماعيل ياسين فى أحد أفلامه‏، وبنسيون النيل وكوكب الشرق، فضلاً عن لوكاندة سوهاج الكبرى، وكذلك فندق الأندلس ولوكاندة المنتزه الكبرى.

 

 

 

أهم الاخبار