المقاهى تبتلع شوارع القاهرة

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 22 نوفمبر 2017 18:39
المقاهى تبتلع شوارع القاهرةالمقاهى سيطرت على شوارع القاهرة الكبرى

تحقيق: على عبدالعزيز - تصوير: عبدالكريم إبراهيم - اشراف :- نادية صبحى

 

أصبحت المقاهى فى مصر عنواناً للفوضى والفساء والاعتداء على الحرية. بعد أن تحولت الشوارع بل والحارات إلى مرتع لكل صاحب مقهى يمتد بها إلى الخارج لتحتل الأرصفة وتصل إلى منتصف الشارع فتعوق حركة السير، بل ومرور السيارات أيضاً فى تحد واضح وفرق للقوانين والقواعد ولا يعلم أحد كيف حصلت هذه الأعداد الهائلة من المقاهى على تصاريح؟ الحقيقة أن أغلبها دون ترخيص أصلاً ويعمل تحت سمع وبصر المسئولين بالأحياء والمحافظات.. ورغم أن مصر المحروسة مشهورة بمقاهيها على مر العصور والتى كانت منابر ثقافية ومراكز إشعاع فكرى ومصدر إلهام لكبار الكتاب والشعراء ورجال السياسة ونالت بعضها شهرة عالمية مثل مقهى الفيشاوى ونجيب محفوظ ومقهى ريش.. إلا أن أغلبها تحول فى ظل العشوائية والفساد إلى بؤر لتجمع البلطجية والخارجين على القانون ومتعاطى المخدرات. وبعد تكرار الحوادث والجرائم ومظاهر الإزعاج والفوضى وبعد أن وصل عددها حسب تقديرات غير رسمية إلى مليون ونصف أصبحت قضية المقاهى فى حاجة إلى «نقطة نظام».

 

مصادر: مليون مقهى فى العاصمة!

 

تنامى أعداد المقاهى بهذا الشكل الملحوظ جعل المشكلة تزداد تعقيداً ووفقاً لتصريح محافظ القاهرة السابق فإن العاصمة وحدها بها 100 ألف مقهى، 20 ألفاً منها غير مرخص.. وأكدت مصادر غير رسمية أن عدد المقاهى بمصر يزيد على المليون ونصف المليون.

وعندما تمر على المقاهى حاليًا، تجدها مكتظة عن آخرها، تشعر وكأنه لا يوجد أحد فى العمل، أو الجامعات والمدارس، أو حتى المنازل، حتى تحول الجلوس على المقاهى ليلاً مجرد قسط من الراحة، واحتساء كوب من الشاى أو فنجان من القهوة، إلى مركز إقامة شبه كاملة تستمر ساعات تمتد لأجزاء كبيرة من اليوم دون أى استفادة، أى أنها وسيلة «إضاعة للوقت».

ومن المؤسف أن أعداداً كبيرة من الجالسين على المقاهى، خاصة فى مناطق وسط البلد، وبعدها حى الزمالك، والمهندسين، ومدينة نصر، والسادس من أكتوبر، أصبحوا من الفتيات والأطفال، ويسود الوضع فى هذه من سيئ لأسوأ حيث جلسات السجائر والشيشة، ولا تجد مثلًا مقهى مخصصاً للقراءة، أو حتى شاب يجلس ويمسك بيده كتاب معين بغض النظر عن نوع الكتاب، أو حتى اسمه، رغم أن مقاهى وسط البلد كانت قبلة المبدعين وعاصمة التراث المصرى فى الماضى، يتلاقى فيها الفنانون والمبدعون للاتفاق على الأعمال ومناقشتها، ويأخذون داخلها قسطًا من الراحة فقط بعد الانتهاء من العمل أو أثنائه.

والأكثر ألمًا ظهور كلمة «مثقفين»، ويطلقها الناس بشكل ساخر على من يجلسون على مقاهى وسط البلد مثلًا، والذين يظهرون فى هيئات خاصة من طول الشعر وطريقة تصفيفه، والملابس الغربية التى يرتدونها والمخدرات التى يتباهون بها، وعندما تتحدث معهم يدعون الثقافة، وتجدهم لا يعرفون عن الثقافة شيئًا، وينحصر علمهم فقط على نماذج الانفتاح على الغرب والحرية المطلقة فى كل شىء دون ضوابط، ودون اعتبار للدين والعادات والتقاليد.

وبالقرب من ميدان عبدالمنعم رياض، وميدان طلعت حرب، تجد مقهى فى كل خطوة تخطوها، أغلبهم لا تزيد مساحته على خمسة أمتار، ويأخذ أمامها الشارع كاملًا، يضع فيها عشرات الكراسى، ولا يراعى أبدًا حق مرور السيارات، أو حتى المواطنين فى العبور، أو حتى أراضى الدولة التى يمكن أن تستفيد منها فى الكثير من المجالات.

والأكثر أن هذه المقاهى تغالى فى أسعار ما تقدمه للزبائن جدًا، رغم أن الكراسى والخدمة لا تختلف عن أى مقهى بلدى، يصل فيها كوب الشاى، أو القهوة إلى 20 جنيهًا، لأنها فقط فى وسط البلد، رغم أنك إذا تناولت نفس الكوب بذات الخدمة فى مكان آخر لن يتعدى سعره ثلاثة جنيهات فقط، وتقوم الشرطة بين الحين والآخر بإزالة جميع الكراسى والمقاهى المخالفة والمعتدية على حق الطريق، ولكن تعود الفوضى وتنتشر الكراسى مرة أخرى بعد مرور ساعة فقط من حملة الشرطة.

والاستغلال يزيد أكثر، عندما يأتى وقت المباريات المهمة، خاصة فى أمم أفريقيا ونهايات البطولات العربية والأفريقية للأندية، ومباريات الديربى، ويزداد الأمر أكثر بشاعة عندما لا تذاع المباراة إلا على قناة بعينها دون غيرها، الأمر الذى يجعلك لا تجد شيئًا إلا أن تجلس على المقهى قبلها بساعات لتحجز الكرسى الخاص بك قبل المباراة، وبالتالى يكون هذا التوقيت بمثابة موسم لأصحاب المقاهى يستغلونه ويجبرون الزبائن على دفع 15 جنيهًا، وتزيد فى مناطق أخرى لحجز الكرسى فقط، بغض النظر أن تشرب بالمبلغ كله أو لا، إضافة إلى زيادة مئات الكراسى فى حرم الطريق بحجة متابعة المباراة المهمة.

 

البيع إجبارى على الكورنيش والكبارى

 

لم يسلم كورنيش النيل وأعلى كبارى القاهرة والجيزة من سيطرة أباطرة المقاهى الذين حولوا «الإطلالة على النيل» ونزهة المواطن الفقير إلى مصيدة البيع الإجبارى.. كأنه اشترى الكوبرى والكورنيش.. حيث ترتص الكراسى لتحتل الأرصفة بالكامل ولا يسمح لك بالوقوف إلا بالمشاريب وحسبما يقرر صاحب الكراسى.. التى صنع منها مقهى عشوائى يشوه أجمل مناظر مصر الطبيعية تتساوى فى ذلك مع مقاهى المناطق العشوائية التى احتلت فيصل وبولاق الدكرور وغيرها من الأحياء.

القصد بوضع الكراسى فى أماكن مرور المواطنين، ثم إطلاق

العبارات لجذب الزبائن للجلوس على كورنيش النيل مباشرة، يجلسون بطول كورنيش النيل حتى منطقة التحرير، وكوبرى الجامعة، وكبرى الساحل، وكوبرى المنيل، فضلًا عن أنهم يعتدون على أراضى الدولة، يشوهون الشكل العام بطريقة غير عادية، مما يجعلك تشمئز من الجلوس أو حتى مشاهدة النيل، ويجبروك على الركوض من أمامه سريعًا تجنبًا لعبارات المحايلة، والرائحة الكريهة، يستخدمون مياه النيل مباشرة، دون تكريرها، ودون أن تمر على محطات المياه من الأساس، تشاهدهم يربطون حبل فى إناء يتم إنزاله إلى النيل وعندما يصعد يتم وضعه مباشرة فى غلاية الشاى، أو يتم استخدامه لعمل حمص الشام وما شابه.

ومقاهى فيصل والطوابق والعريش المشهورة بالاعتداء على حق الطريق العام بطريقة مستفزة للغاية، فتجد المقاهى فى هذه الشوارع مزدحمة عن آخرها وبينها وبين التى تليها خطوات قليلة جدًا، مما تشعر بوجود مقهى فى كل خطوة تخطوها، وتجد هذه المقاهى بالذات تنشر كراسيها فى جميع أركان ما حولها، تعتدى على حق المنازل والمحال المجاورة، وتعطل حركة السير والمواصلات.

وخلال بحثنا فى مناطق الدقى، وجامعة الدول، والمهندسين، ومدينة نصر، والسادس من أكتوبر، شاهدنا بعض الـ«كافيهات» تعمل بنظام «مينمام تشارج»، وهى طريقة يعملون بها لانتقاء الزبائن من خلال وضع حد أدنى للأموال التى ستدفعها، تبدأ من 90 جنيهًا وتصل إلى 500 جنيه فى بعضهم، وبالتالى لن تقوم إلا أن تدفع هذا المبلغ، سواءً طلبت مشاريب بهذا المبلغ أم لا، وبعضهم يفرض هذا الأمر على كل فرد يدخل، وآخرون يفرضه على الطاولة كاملة، بغض النظر عن كم الأفراد الذين يجلسون بها.

«حصلت معايا مواقف محرجة كتير»، محمد عبدالفضيل، 29 عامًا، قال لنا هذه الجملة بابتسامة ساخرة، مؤكدًا أنه مر بـ«المنيمام تشارج»، أكثر من مرة كان يدخل فيها هذا «الكافيه» لأول مرة، واضطر أن يترك باقى الأموال ويخرج، وفى مرات أخرى أكمل باقى الأموال بطلبات زائدة لا يريدها فى الأساس، أوضح أن «منيمام تشارج»، هو اختراع مصرى خالص، لا يعملون به فى الخارج، وأنه سافر لعدد من الدول الخليجية منها الإمارات ولم ير فيها هذا النظام أبدًا.

 

خناقات ومخدرات وبلطجية وتلاميذ هاربون من المدارس

 

بعض المقاهى خاصة فى المناطق الشعبية مثل شبرا والمطرية، والوراق، تحولت إلى «دواليب» بيع لجميع أنواع المخدرات، ويستقر البائع على كرسى فى ركن خاص، يكون معروفاً للجميع، ويكون ذا سلطة وهيبة داخل هذا المقهى، له صوت عالٍ وذو غضب سريع، تعرفه من أول وهلة عند دخولك.

ومن الوقائع الحديثة فى الشهر الحالى، أن مباحث قسم ثانى شبرا الخيمة، ألقت القبض على «قرنى» أشهر تاجر حشيش وبرشام على المقاهى فى شبرا الخيمة، بعد أن وردت معلومات سرية لقسم ثانى شبرا الخيمة، تفيد اتجار «ع س» 28 عامًا، وشهرته «قرنى» فى المخدرات فى شبرا الخيمة، ويستهدف المقاهى لترويج الحشيش والبرشام، وفى أحد الأكمنة ألقى القبض على المتهم، وبحوزته كمية من الحشيش و100 قرص مخدر، ومبلغ مالى 280 جنيهًا، وسلاح أبيض «كاتر» وتحرر محضر بالواقعة وتولت النيابة التحقيق. وتظهر المخدرات جلية فى الشجارات التى أصبحت ضيفاً دائماً على المقاهى، خاصة فى العشوائيات وينجم عنها إصابات، بل وقتلى.. كانوا ذبائن على المقهى!

«غرز فى الخفاء» هذه العبارة تصف تمامًا الوضع أسفل كبارى الدائرى، رغم أنه إذا تمت الاستفادة منه عن طريق محال مقننة تابعة للدولة تسلم للشباب سيوفر للدولة أموالًا طائلة، ويحد من أعداد البطالة، عندما تمر أسفل أغلب كبارى الدائرى تجد الوضع مزرياً للغاية، نصفها أكوام للقمامة، والآخر مقاهى على هيئة «غرزة»، لا تعرف لماذا يلجأ أصحابها للجلوس أسفل كتلة خرسانية ضخمة كهذه، أو حتى ماذا يفعلون بها وهى كالظلام الدامس فى عز الظهر.

كما وجدنا أطفالا يرتدون الزى المدرسى فى مناطق إمبابة والكيت كات والعجوزة، لا يدخلون من باب المدرسة أصلًا، أو يدخلون ويهربون بطريقة ما منها، يتجهون بعد ذلك إلى المقاهى، لا تعرف لماذا هؤلاء الأطفال يجلسون على المقاهى، وماذا يستفيدون؟ وما الذى يشعرون به وهم يتناولون الشيشة، والسجائر؟

 

رئيس حماية المستهلك: إجراءات قانونية ضد المخالفين

 

اللواء عاطف يعقوب، رئيس جهاز حماية المستهلك، ناشد كافة المواطنين إبلاغ الجهاز عن أى كافية يعمل بنظام «منيمام تشارج» فورًا على الخط الساخن 19588، مؤكدًا أنه سوف يتخذ الجهاز الإجراءات القانونية فورًا ضد أى جهة مهما كانت تطبق هذا العمل غير القانونى.

وأضاف فى تصريحات لـ«الوفد»، أن ما يسمى «minimum charge» أو الحد الأدنى للطلبات فى جميع الكافيهات العاملة فى جميع محافظات جمهورية مصر العربية ما هو إلا عمل غير قانونى، وعلى المواطنين ألا يسمحوا أبداً بهذا الوضع، قائلًا: «لو حد قالك مينمام تشارج قول له طلعلى قرار وزير السياحة إللى بيقول كده فين؟».

وأكد أن هذا النظام معمول به فى المطاعم التى تكون داخل الفنادق، بشرط أن يكون هناك لافتة كبيرة فى مكان واضح تبين ذلك، مؤكدًا أن أى إجراء مشابه يقوم الجهاز فورًا بتحويله للنيابة، ومعاقبته، فضلًا عن فحص الضرائب الخاصة به، لأنه بذلك يربح بشكل غير مسموح به وغير قانونى.

 

 

 

 

أهم الاخبار