مصطفى عبيد يكتب: وبدأت مئوية عيد الجهاد

أخبار وتقارير

الأحد, 12 نوفمبر 2017 19:56
مصطفى عبيد يكتب: وبدأت مئوية عيد الجهادصورة تاريخية تجمع الزعيم الراحل سعد زغلول مع وزارته الشعبية

رواية السير وينجت للقاء الزعماء الثلاثة وقصة الشرارة الأولى لثورة 1919

القبض على سعد أشعل غضب المصريين وفجّر ثورة 1919

تأسيس حزب الوفد رسم الطريق لبناء مصر الجديدة واستكمال النضال من أجل الحرية

 

بدأ العام المائة على يوم الجهاد، ذلك اليوم الذى ولدت فيه إرادة المصريين الحقيقية، طلبًا للحرية وسعيًا للاستقلال. فى 13 نوفمبر سنة 1918 توجه ثلاثة رجال إلى دار المندوب السامى البريطانى السير وينجت طالبين لقاءه. كان الاول رجلا مهيبا ستينيا طويل القامة، رشيق البنيان، كثيف الحاجبين، مُهندم الشارب، تحمل عيناه تأثيرًا قويًا، يرتدى حُلة أنيقة، وينظر بثقة إلى صاحبيه اللذين يمنحانه قدرًا من التقدير يتناسب مع كونه وكيل الجمعية التشريعية. عرفه السير وينجت فور دخوله، فهو مُحامٍ شهير فى الأوساط العُليا اسمه سعد زغلول.

الثانى رجل ضئيل الجسم، بدا هادئًا، وقورًا، قليل الكلام، ظاهر الشيب، كان المندوب البريطانى يعرفه أيضا، إذ طالما سمع عنه فى القضايا الشهيرة، فهو محامِ له تقديره، اسمه عبدالعزيز فهمى.

أما الثالث فكان الأشهر، والأكثر معرفة لدى صاحب النياشين العسكرية التى حصل عليها فى خدمة مملكة صاحبة الجلالة، فهو واحد من أثرى الأثرياء، يمتلك مساحات شاسعة من الأراضى فى المنيا، ويسبقه جيش من الخدم، معروف بعلى باشا شعراوى. وكان هو أكثر من أثار دهشة واستغراب السير وينجت الذى كتب فيما بعد أنّ اتصال شعراوى باشا بهذين الرجلين (سعد وعبدالعزيز فهمى) بدا غريبا خاصة أنه من الأعيان الذين لهم كثير من الأتباع فى الجمعية التشريعية، والمتاح عنه من معلومات يؤكد أنه شخص متعصب وغير محبوب من الفلاحين.

فى ذلك اليوم كان على ريجنالد وينجت أن يُعيد التفكير مرارًا فى تلك المقابلة الغريبة التى توسط فيها رجل معتدل نزيه لا يشك فى تعاونه هو حسين باشا رشدى. تذكر سنوات خدمته فى الهند، والسودان، ومرت به مواقف عديدة لمعارك وصراعات شارك فيها هُنا وهناك، ثُم نظر إلى عدد من الاوسمة والنياشين التى وصلت به إلى منصب الحاكم الحقيقى لبلد عظيم وهام مثل مصر، رغم أن عمره لم يصل بعد إلى الاربعين. كان على ثقة تامة أن هؤلاء البشر لا يصلحون لتسيير أمورهم، وفى حاجة دائمة لمن يعرف كيف يسوسهم، مُعتقدا ذات اعتقاد سلفه اللورد كرومر.

فى تلك الأثناء كان حُكم مصر ملكياً صوريًا، لأن الحاكم الحقيقى هو المندوب البريطانى الذى يحسب أنه الآمر الناهى، والأول والأهم، وصاحب الكلمة العليا دائمًا. وهو على يقين أن ورثة العرش الصوريين يعلمون ذلك جيدًا ويعرفون أن أى خديو أو سلطان فكر وسعى، وحاول أن يكون حاكمًا حقيقيًا كان مصيره الخلع، ولم يكن الخديو عباس حلمى ببعيد عن أذهان العامة والخاصة، فقد خُلع الرجل خلعًا وهو خارج البلاد ولم يعد إليها مرة أخرى.

ببسمة باردة استقبل الحاكم البريطانى الرجال الثلاثة، فحصهم، وفتشهم بعينيه الشقراوين، قبل أن يستمع إلى مطلبهم. السفر إلى "لندره"، ذلك كان اسم لندن فى الصحافة المصرية فى ذلك الوقت. ما السبب ؟ طلب استقلال مصر. حكم ذاتى؟

 فكر وينجت ذو الثمانى وثلاثين عاما قليلا فيما يقال. كان من الواضح أن سعد باشا هو أخطر الرجال الثلاثة، فهو الذى يتحدث بأسلوب طالب الحق، وهو لا شك رغم انزوائه سنوات طويلة عن العمل الوطنى، وتزوجه من كريمة مصطفى باشا فهمى، لا يأبه بالعودة إلى المشاكل.

بهدوء السياسى المُحنّك سأل وينجت: هل تستطيع مصر الدفاع عن نفسها؟ لم يمنحه سعد وصاحباه فرصة تشتيتهما فى طريق آخر. أجابوا: بالطبع. وطبقا لمذكرات سعد زغلول فقد كانت العصبية بادية على رجل بريطانيا، ولم يعدم الرجل وسيلة منطقية فسأل سؤالا مباشرا: ما هى الصفة التى تتحدثون بها. نعم أنت يا سعد باشا رجل منتخب فى الجمعية التشريعية (البرلمان) لكن ليس من حقك الحديث باسم شعب مصر، لا أنت ولا فهمى بك ولا شعراوى باشا. الحُجة قوية، وهى التى دفعت وينجت أن يقول فيما بعد (فى الوثائق البريطانية السرية) ما يلى «لقد نددت بأقسى الالفاظ بالحركة الوطنية السابقة وأبديت لهم نقدا صريحا لمختلف وجهات نظرهم الحالية وكررت لهم التحذير من أن عليهم أن يتحلوا بالصبر وأن يضعوا موضع الاعتبار الكثير من التزامات حكومة صاحب الجلالة».

خرج الثلاثة من لقاء المندوب البريطانى، بعد أن

ظن أنه كبح جماح فكرتهم للسفر إلى بريطانيا. لكن رأس واحد منهم كان مُنشغلا بأفكار جديدة غير تقليدية. سأل نفسه: لِم لا نحصل على شرعية التوكيل من الشعب. التف حوله أصدقاء ومعارف، وسعى هو إلى بعض العناصر المعروفة بوطنيتها ليُنشئ الوفد ومعه صاحباه مكرم عبيد ومصطفى النحاس، وانطلق الشباب الوطنى فى ربوع مصر من شمالها إلى جنوبها طالبا توكيلات من المصريين. يقول نص التوكيل، والذى أصبح أثرًا لأيام مجيدة «نحن الموقعين على هذا أنبنا عنا حضرات سعد زغلول باشا وعلى شعراوى باشا وأحمد لطفى السيد بك ومحمد على بك وعبداللطيف المكباتى بك ومحمد محمود باشا، ولهم أن يضموا إليهم من يختارون فى أن يسعوا بالطرق السلمية المشروعة حينما وجدوا السعى سبيلا فى استقلال مصر تطبيقا لمبادئ الحرية والعدل التى تنشر رايتها دولة بريطانيا العظمى وحلفاؤها ويؤيدون بموجبها تحرير الشعوب».

وهكذا كان للقلق أن يمد غلائله إلى سيدة المستعمرات وأقوى دولة فى العالم فى ذلك الوقت، فثمة مَن يُخربش فى أمنها طلبا للتحرر، وربما ظن جبابرة دُنشواى أن الأمر بداية لفتنة وأن الحزم والمواجهة الغاشمة هى الحل الوحيد. إن ذلك يظهر بجلاء من وثيقة بريطانية عبارة عن تقرير محفوظ برقم 16 لسنة 1918 يعيب على وينجت الهدوء والذوق فى استقباله للزعماء الثلاثة: «ومما يؤسفنى ان السير وينجت لم ينبذ هؤلاء الوطنيين بطريقة اشد حزما من الطريقة التى استخدمها. إن علينا أن نجعل سياستنا واضحة تمام الوضوح، وإلا تعرضنا لكثير من المشاكل فى المستقبل».

قرار سريع بالنفى. وأد الفكرة تماما، إعدام روح الوطنية، وترهيب كُل مَن تسول له نفسه طلب الفكاك من الدولة الكبرى. هى بالطبع غلطة بريطانيا الكبرى، لأن سعد لم يكن وحده، ولم يكن مُنسحقًا خوفًا أو مُتطلعًا طلبًا لشىء: مركز أو نفوذ أو مكسب مالى، فالرجل عمل قاضيا، ومحاميًا، وحقق ثروة معقولة رغم انتمائه لطبقة وسطى، واختلط بالكبار وشارك فى الجمعية التشريعية، وحاز شهرة كبيرة بين الطبقتين الوسطى والعليا. فضلا عن ذلك فإن عمره كان قد تجاوز الواحد والستين عامًا، وهو بلا شك يعلم أن ما بقى له فى الحياة أقل كثيرا مما مضى.

كان يوم 8 مارس هو يوم القبض على زعماء الوفد ونفيهم إلى مالطة، لكن وراءهم كان هناك جهاز سري يشرف عليه ويديره رجل من أخطر الرجال، هو الضابط عبد الرحمن فهمى. خلايا عنقودية متسلسلة لا يعرف أعضاؤها بعضهم البعض، مهمتها إشعال المظاهرات، وبث الدعاية، وتنظيم الإضرابات، والاعتداء على المحتلين، وقتل وتخويف المتعاونين معهم . كانت الثورة مسلحة، ولم تكن مجرد حركة سلمية هادئة تكتفى بالخطابة والنشر. لم يكد خبر القبض على سعد باشا ينتشر حتى انطلقت الثورة بمظاهرات للطلبة ثُم أعقبهم العمال، والموظفون، والعاملون فى المصالح الحكومية، وبدأت الإضرابات مخيفة ليصيب الشلل حكومة الاحتلال التى لم تتوقع أو تنتظر ذلك الغضب. تكرار الغلط من جانب قوات الاحتلال أدى إلى تصاعد الغضب، رصاصات خائبة هُنا وهناك استشهد على إثرها طلبة وفلاحون وشباب باحث عن الحرية كانت نتائجها قتل وذبح جنود الاحتلال.

التراجع كان الحل الوحيد لدى بريطانيا التى لم تلبث أن أفرجت عن سعد ورفاقه، وسمحت لهم بالسفر لعرض قضية مصر فى مؤتمر حق تقرير المصير، وأصبح لدى الأمة المصرية حزب قوى قادر على الدفاع عن حقوقها ومطالبها، وأصبح اسم سعد هو النشيد الصباحى لجموع البسطاء، واضطرت بريطانيا إلى إصدار تصريح 23 فبراير الذى يعترف باستقلال مصر، ثُم شارك الوفد فى الانتخابات البرلمانية التى أجريت سنة 1924 وفاز باكتساح ليشكل أول حكومة شعبية فى تاريخ البلاد، وهى التى لم يكتب لها البقاء طويلا نتيجة حادث اغتيال السير لى ستاك. ورحل سعد باشا زغلول فى 23 أغسطس سنة 1927 ليستكمل حزب الوفد بقيادة مصطفى النحاس بناء الدولة المصرية الحديثة رغم قلة سنوات ترؤسه للحكومة.

وهكذا فإن يوم 13 نوفمبر هو يوم للمصريين جميعا، وعيد وطنى أغفلت الدوائر الرسمية بعد ثورة 23 يوليو سنة 1952 الاحتفال به، وآن الأوان لحكومات التصحيح والاصطفاف الوطنى أن تعيد التذكير بيوم جهاد المصريين، يوم أن وقف رجال صدقوا ما عاهدوا عليه الوطن أمام قوة غاشمة قيل إنها لا تقهر، وطالبوا بالاستقلال.

أهم الاخبار