الدكتور خالد منتصر الباحث والمفكر المصرى لـ«الوفد»:

تهمة ازدراء الأديان سيف على رقاب المبدعين

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 04 أكتوبر 2017 19:15
تهمة ازدراء الأديان سيف على رقاب المبدعيندخالد منتصر
حوار - ممدوح دسوقى: - تصوير - مجدى شوقى

 النخبة الثقافية مقصرة ومتهمة ومتقاعسة وتنتظر حصاد المكاسب

 الدولة المدنية تعرف المواطنة ولا تعرف الذمي ولا الفتوى

 الخطاب الديني مجمد فى فريزر القرن الرابع الهجرى

«الإخوان» حولت الدين الإسلامي إلى أكبر تجارة على وجه الأرض

 

 

قال الدكتور «خالد منتصر» المفكر المصرى إن مناخ الابداع فى منتهى الصعوبة وتهمة ازدراء الأديان أصبحت سيفا مسلطًا على رقاب المبدعين، وحادثة اغتيال «فرج فودة» أصبحت رأس الذئب الطائر والكل تعلم منها. ولهذا لابد من منح المفكر والمبدع منديل الأمان.

وأكد «منتصر» أن النخبة الثقافية مقصرة ومتهمة ومتقاعسة وتنتظر حصاد المكاسب، وكثير من رجال الدين يدافعون عن مصالحهم وأموالهم وسلطتهم. واصفا «مصطفى باشا النحاس» بأنه الزعيم الوحيد الذى كان متشربًا بالترويج للعلمانية الحقيقية وفصل الدين عن السياسة، و«عبدالناصر» لم يستمر فى دعم الفكر العلمانى، الذى انهار تماما فى عهد «السادات» بعدما لقب نفسه بالرئيس المؤمن، وفى المقابل «مبارك» ترك الشارع للإخوان والسلفيين فى مقابل أن يحفظوا له كرسى الحكم.

< برؤية المثقف كيف ترى مشهد الابداع فى مصر؟

<< مشهد الابداع مرتبك بسبب تغول السلطة الدينية ومطاردة المبدعين بشكل غير مسبوق وعلى غير المتوقع بعد 30 يونية التى كنا نأمل فى أن تكون ثورة ضد اتجاهات الإسلام السياسى ككل والوهابية وليست ضد الإخوان فقط ولكن ما حدث هو مزيد من تدخل السلطة الدينية والرقابية لدرجة أن تم سجن بعض المفكرين والروائيين بتهمة أصبحت سيفًا على الرقاب وهى الازدراء.

< وما هو المناخ الابداعى فى ظل الإرهاب الفكرى ودعوات التكفير؟

<< فى منتهى الصعوبة لأن أصعب وأقسى رقابة هى رقابة الخوف من المبدع عندما يمسك بقلمه، وهذه حالة يعيشها كثير من المبدعين لأنه يوجد حالة من الرعب من أن يخط بقلمه مجرد تويتة أو بوست، وليس فى رواية ليجد نفسه بين جدران السجن أو محكومًا عليه لسنوات، وهناك مبدعون هربوا خوفا من مثل هذه الأشياء، ولن يوجد فن وابداع حقيقى فى مناخ حوَّل الأيادى للارتعاش.

< وما هى قيود الابداع أو محرماته؟

<< «ثوابت» هى كلمة حق يراد بها باطل لأنه للأسف الثوابت لا يملكها ويملك تحديدها إلا رجال الدين وهذه كارثة المبدع لأن رجل الذين يضع سقفا لابداعه مع أن الأدب العربى ملئ بما يدعون أنه محرمات، وشعر «أبونواس» كان مليئًا بالكلام عن المثلية الجنسية والخمر، ومع هذا عاش مكرمًا وليس مهانا و «أبوالعلاء المعرى» اتهم بالالحاد ولكنه اعتبر أنظم شاعر عربى، و«المتنبى» اتهم بادعاء النبوة، وكل هؤلاء عاشوا فى ظل حيوية الدولة الإسلامية عندما كانت تسمح بالترجمة وتتقبل الآخر، أما عندما تسلطت السلطة الدينية تم شوى يد «ابن المقفع»، وقتل «الهرودى» بأمر «صلاح الدين الأيوبى» وذبح «الجعد بن دراهم» على المنبر فى العيد، حتى «الطبرى» ضرب بكتبه على رأسه، لأن الثوابت يحددها رجال الدين تبعًا لمزاجهم فيخترعون مصطلحات لإرهاب المفكرين مثل المعلوم من الدين بالضرورة، ثم الثوابت.

< مصر ورثت تركة فكرية تميل إلى التقليد واستدعاء الماضى، كيف يمكن التعامل مع هذه التركة؟

<< ليس مطلوبًا اقصاء مؤسسة الأزهر التى نحترمها، لكن المشكلة فى تيار سيطر على هذه المؤسسة لأنه ينتمى إلى السلفية الوهابية، ولابد من التدخل حتى يتم تحجيم هذا التيار، ولابد أن يكون هناك إرادة سياسية لمنح المفكر والمبدع منديل الأمان حتى يطمئن أن حديثه أو ابداعه لن يؤديا به إلى مصير مجهول كسجين أو قتيل، لتدع السلطة السياسية التفاعل الفكرى والحوار الخلافى أن يتم على أرض الواقع ليفرز فكرًا جديدًا ولا يتم تأميم هذا الفكر أو الانحياز إلى السلطة الدينية بأن تتولى هى تجديد الخطاب الدينى، لأن الذى سيجدده هم علماء الاجتماع والفلاسفة وكل من هم خارج المؤسسة الدينية لأن من بداخلها محكوم بتحفظات فقهية جامدة ولن يخرج عنها أبدًا.

< لكن مع وجود هذا الزخم الحوارى والشخصيات الفكرية البارزة لا نجد من يستطيع الخروج على نص التراث نادرًا؟

<< هذا بسبب رأس الذئب الطائر والكل تعلم من تجربة «فرج فودة» ونفى «نصر أبوزيد» والتجارب المريرة التى عاشها المفكرون، فالجميع تعلم أن يسير بجانب الحائط، وهناك من يحاول بالكتابة لكن دورها تقلص فى ظل مجتمع شفاهى يعتمد على البرامج الفضائية التى تروج الخرافة والأساطير والفكر الغيبى بشكل هيستيرى وسرطانى حتى توارى صوت المثقف والمبدع الحقيقى وعلا صوت الفكر الفاشى الخرافى.

< وماذا عن حرية الابداع بين صراع السلطة والفقهاء والمبدعين؟

<< أولاً لابد من حسم الصراع بضبط بعض المصطلحات واقتحام هذه المنطقة الشائكة بجسارة، ولابد من التفرقة بين الدين الالهى وبين التدين البشرى، والتدين جهد بشرى من حقنا انتقاده وتأويله بل وتعديله، لأنه ليس مقدسا، ولابد من احترام تاريخية النص الدينى وإدخاله فى بوتقة التاريخ، ومعرفة أن هذا النص ابن ظروفه وزمانه ومكانه، ولابد أن يخضع النص لتلك النظرة التاريخية حينها ستحل مشاكل كثيرة، وأيضاً لابد أن نعرف ان كثيرًا من رجال الدين يدافعون عن المصلحة والبزنس والكرسى والسلطة وليس الدين فى حد ذاته.

< ماذا يعنى المشروع التنويرى؟

<< المشروع التنويرى لخصه الفليسوف «كانت» عندما قال: «كن جريئاً فى استخدام عقلك، وما يمنعك من التفكير هو الكسل والجبن» ولابد أن نتخلص كما قال «كانت» من كسلنا العقلى وخوفنا المزمن من التغيير ومشروع التنوير المصرى جاء هدية على طبق من ذهب عبر البعثات الى أوروبا، ولكن التنوير لابد ان يدفع فيه ثمن باهظ وللأسف رفضنا التنوير الذى جاء لنا سهلاً ولهذا سنضطر الى أن ندفع مزيداً من الجهد والعرق والدم ولابد من دفع ثمن باهظ ومكلف للتنوير.

< وما الذى عطل المشروع التنويرى فى مصر؟

<< مشروع التنوير بمعنى العلمانية لم يكن مشروعاً أصيلاً وحقيقياً فى مصر إلا  خلال وجود «مصطفى النحاس» لأنه هو الزعيم الوحيد الذى كان متشرباً بالروح العلمانية الحقيقية، وظهر هذا فى عدة مواقف كانت فاصلة فى التاريخ المصرى عندما اعترض على الملك «فؤاد» ورفض تنصيبه فى الأزهر وهكذا فهم «النحاس» فصل الدين عن السياسة وطبقها ثم  رفض مناورات «حسن البنا» السياسية والمغلفة بالدين ومواقف أخرى كثيرة كان فيها «النحاس» هذا الرجل المتدين جداً مناصراً للفكر العلمانى، وللأسف هذا الخط لم يستمر بعد «النحاس» ولم يكن له الجذور القوية للاستمرار.

< بمعنى؟

<< أنه للأسف فى ظل الشد و الجذب خلال فترة «عبدالناصر» لم يتم استمرار الفكر العلمانى ثم انهار النظام العلمانى فى فترة «السادات» عندما أطلق على نفسه لقب الرئيس المؤمن وتحالف مع الإخوان فى أخطر صفقة فى القرن العشرين ثم جاءت الطامة الكبرى فى زمن «مبارك» عندما ترك الشارع تماماً للإخوان والسلفيين في مقابل أن يحفظوا له كرسى الحكم.

< ما هى طبيعة المثقف المصرى؟

<< حالياً النخبة الثقافية مقصرة  جداً ومتهمة ومتقاعسة وتنتظر حصاد المكاسب، وهذا الكلام لا ينطبق على النخب القديمة «طه حسين» واجه وتعرض للمحاكمة ونزل المعترك السياسى وسانده «أحمد لطفى السيد» فى معركته منتصف العشرينيات، وهناك من قالوا وكتبوا بمنتهى الشجاعة ومنهم من تخطوا السقف الدينى مثل «إسماعيل أدهم» الذى ياللدهشة والعجب كتب لماذا أنا ملحد، ولكنه المناخ الصحى حينها الذى جعل «محمد فريد وجدى» يرد بكتاب لماذا أنا مؤمن لأن مثقفي تلك الفترة كانوا يخوضون معركة تغيير العقل من العمق مثلما فعل «سلامة موسى» وكتب نظرية التطور، و«شبل شميل» وابداعاته، فهؤلاء كانوا يعرفون أن التغيير عن طريق صناديق الانتخابات ليس التغيير الحقيقى، لأن التغيير هو تغيير العقول وهزها من سباتها العميق.

< وماذا عن علاقة المثقف بالسلطة؟

<< للأسف فى دولة مثل مصر، لابد أن يكون هناك حبل سري بين المثقف وبين الدولة لأنه إذا أراد صناعة مسرح أو عمل فني، لن يجد أمامه إلا الدولة، وهذا يفرض عليه علاقة من نوع ما، ولابد من التمرد على تلك العلاقة حتى يصبح المثقف مستقلاً فى قراره وإبداعه، لأن المثقف المدجن الأليف لن يصبح زرقاء اليمامة التى تحذر، ولكنه سيصبح خادمًا مطيعًا فى هذه العلاقة الكُتاب ويصعد الكتبة.

< كيفية التعامل مع ظاهرة التجذر الدينى المغلوظ؟

<< نحن أسرى عبارة زائفة تقول إننا شعب متدين بطبعه، وهذه خدعة كبرى عشناها ونعيشها لأن للأسف معظمنا يمارس التدين الشكلى بنفاق وازواجية لا تعرف الدين والضمير، ولكننا نعرف الدين فى الجلباب القصير واللحية. ومن الممكن أن نجد بقالًا يغلق محله ويذهب إلى الصلاة، وبعد الانتهاء يبيع سلعة منتهية الصلاحية وبكل راحة ضمير وبهذه الشكلية يُطرح الدين كسلعة ونجد المسلم يظل نهاره وليله ممسكًا بالآلة الحاسبة يعد ويحسب كم مرة قال سبحان الله، والله أكبر حتى يدخل الجنة، فيحول هذه العلاقة السامية مع الله إلى مجرد بيع وشراء وسمسرة ولهذا نندهش عندما نرى الشعب اليابانى الذى لم يعرف أى رسالة سماوية ومع هذا هو أعلى شعوب الأرض أخلاقًا وأعظمهم ضميرًا.

< وكيف نمنع تحول الدين إلى أيديولوجية سياسية؟

<< ليس من المنتظر من رجل الدين التنازل عن سلطته، ولذلك فالإرادة السياسية هى التى بيدها الحل، فعندما تسمح السلطة السياسية بإنشاء هذا الكم من المدارس الدينية، وبهذا العدد المهول والسماح بازدواجية التعليم بهذا الشكل الأحول الكسيح، فإنها بذلك تساهم فى ترسيخ الدولة الدينية، وعندما يسمح للأحزاب السلفية ومنها حزب يرأسه «طارق الزمر» بالتواجد على الساحة السياسية فهذه جريمة فى حق الدولة المدنية التى لا تعرف إلا المواطنة والقانون ولا تعرف الذمى ولا الفتوى.

< وما تأثير مشروع الإخوان على الدولة المدنية؟

<< أثره الحقيقى بدأ بشراء بعض المثقفين، وللأسف ظهر هذا فى اجتماع «خرموت» الشهير لأنهم انحازوا ضد الدولة المدنية بعد أن ساندوا وأيدوا مرشح الإخوان ومشروعهم الدينى، ثم أثرهم بغزوهم لدور النشر والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعى وسيطرتهم على كل المنافذ الثقافية، وأخيراً بالسيطرة على جميع مفاصل الدولة خلال السنة التى وصلوا فيها إلى الحكم وإن كان تم إقصاء رموزهم إلا انه مازالت هناك خلاياهم النائمة التى تتسرب كالنحل خلال ثغراتنا.

< هل مؤسسة الأزهر قادرة على القيام بتجديد الخطاب الدينى بمفردها؟

<< أولاً نحن نحتاج إلى تجديد الفكر الدينى وليس تجديد الخطاب الدينى، والأزهر وحده غير قادر على هذا التجديد لأنه يعتقد ان تجديد الخطاب هو تغيير سطر فى كتاب أو اختزال منهج بحذف فصل أو إضافة فصل وهذا كلام بعيد تماماً عن جوهر تجديد الخطاب، ولكن التجديد الفقهى هو فى فهم ما هى مقاصد الشريعة وليست تفاصيل الشريعة وهو فى تغيير المنهج الذى يفكر به رجال الدين وعدم الاعتماد على «العنعنات» كنظام لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه والعمل على تأويل النصوص لإخضاعها لمتغيرات الواقع فللأسف الجمود والتكلس وتخبط النصوص سيؤثر على الدين نفسه بدليل الزيادة فى عدد الشباب الملحد فى مصر والذي ابتعد تماماً عن الدين نتيجة هذا الخطاب الذى لا يريد أن يخرج من فريزر القرن الرابع الهجرى.

< ماذا عن الصراع بين التقليد والابداع والرؤية للمستقبل؟

<< دائماً المجتمع الكسول عقلياً يعشق التقليد ويخاف من الابداع لأنه قلق ويعتقد انه الاقتراب نحو المجهول وبالطبع تغير هذا الاعتقاد يتطلب جهداً كبيراً لأنه قديماً لم يكن يوجد سقف  للابداع ولم نكن نسجن الفن فى مقاييس دينية مزيفة ولم يكن لدينا مصطلح اسمه «السينما النظيفة» أو الأدب المهذب وللأسف كل هذا تم استيراده من الفكر الصحراوى الذى صحر الوجدان والعقل المصرى فأصبح يقيس الفن بالمسطرة الأخلاقية.

< كيفية التنوير فى مجتمع به نظام تعليمى متدهور وأمية ثقافية وتجذر دينى مغلوط؟

<< من الممكن أن تخرج من هذا المأزق على مستويين التكتيكى عن طريق الاعلام والاستراتيجى بالتعليم ولابد للاعلام أن يهجر الخرافة والتفاهة وأن يمنح الثقافة جزءًا كبيرًا من مساحة الشاشة أما التعليم فلابد من ثورة فى المناهج وعدم التمييز بين المسلمين والمسيحيين فى تلك المناهج والتركيز على دراسة التاريخ الحقيقى الذى لا يضع المكياج فى الصف الثالث الثانوى لأن الذاكرة التاريخية هى التى تمنح جهاز المناعة الثقافى قوة وجوبية.

< هل المعركة فى مصر بين الاسلام و الكفر كما يروج تيار الاسلام السياسى؟

<< المعركة بين فهم اسلامى مستنير تقدمى وبين فهم آخر رجعى ظلامى، إسلام يحتضن وفهم إسلامى آخر يطرد ويقصى، بين إسلام «محمد عبده» وبين «بن لادن»، بين إسلام المعتزلة، وبين إسلام الخوارج، إسلام الإمام «الشاطبى» الذى غلب المصلحة و«ابن رشد» الذى اعتمد التأويل وبين اسلام «محمد بن عبدالوهاب» الذى غلب الحرفية والشكليات والتزمت، ولهذا الاسلام أصبح إسلاميات والدين أصبح ولاءات بعد أن لوثته السياسة وصبغه بيزنس الاخوان المتاجرين به المحتكرين له بصيغة انتهازية حتى أصبح أكبر تجارة على وجه الأرض.

< وهل الإرهابيون يدافعون عن الاسلام؟

<< من يقول لنا انهم يدافعون عن الاسلام ضد الإلحاد نقول لهم أنتم كاذبون بل تدافعون عن مصالحكم التى تغلفونها بسيلوفان الشعارات الدينية البراقة لأن مصر تدافع عن ألوان شم النسيم ضد من يكفرون الاحتفال به ومصر تدافع عن البهجة والضحك والابتسام ضد صفرة الكآبة والتجهم والتشرد لأن مصر تدافع عن أطياف التنوع ضد من يريد أفرادها استنساخاً فوتوكوبى مثل الغربان، مصر تدافع عن المستقبل ضد من يريد جرها إلى العصور الوسطى فالمعركة بين اسلام كنا نعرفه وكنا أفضل أهله بل ومعلميه للبشرية واسلام يخترعونه لنا ويصرون على انه هو النسخة الوحيدة وما عداه فسق وفجور.

 

 

 

 

 

 

 

 

أهم الاخبار