فى ذكرى صعود مريم العذراء إلى السماء

حكايات من دفتر «أم النور»

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 09 أغسطس 2017 19:57
حكايات من دفتر «أم النور»
كتب:أمير الصراف - تصوير: أحمد دريم

قصة عباس الغالى عاشق "الطاهرة " الذي زهد نساء العالمين

«الشلولو».. ملوخية الفقراء والبسطاء تتصدر مائدة صيام القبطيات

الحج إلى «درنكة» فريضة حب عشاق «أم عيسى»

 

بعيدًا عن التقديس فى القرآن والإنجيل، ثمة أسباب أخرى تضع السيدة مريم فى مكانة عزيزة على النفس عند الكادحات من النساء من المسلمات والقبطيات.

لم تكن السيدة مريم عليها السلام من طبقة النبلاء أو الأثرياء فى فلسطين محل ميلادها، كانت من الطبقة الفقيرة المهمشة التى تعانى أزمات زمانها، رغم عراقة نسبها، وتشير المصادر التاريخية إلى أنها ولدُت فى مدينة الناصرة، وهى مدينة فى الجليل، وكان اليهود يزدرون تلك المدينة، ويقولون عنها إنها «لا يمكن أن يأتى منها شىء صالح»، وعندما جاءت لحظة المخاض، كانت الولادة عسيرة وفقيرة، مثلها مثل كل النسوة الفقيرات اللاتى يلدن أبناءهن فى ظروف صحية واقتصادية قاسية، ومثلهن أيضا كانت صابرة وقوية، وتحملت تلك اللحظات لتضع مولودها.

وفى رحلتها إلى مصر كانت مظاهر ذلك الفقر ظاهرة تمامًا، كان الارتحال إلى أرض وادى النيل، بموكب غاية فى البساطة، رجل يجر حمارًا تمتطيه امرأة، تضم ولدها إلى صدرها، وهو ما شخصه الفنانون الإيطاليون فى لوحاتهم عن رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، ولم تكن مظاهر الفقر مقصورة على الرحلة، فلو تتبعنا خط سير العائلة فى مصر لوجدنا أن موكب الرحلة مر أيضًا، وأقام أصحاب الموكب فى مناطق فقيرة اقتصاديًا ومعيشيًا.

مرت العائلة المقدسة فى رحلتها داخل البلاد المصرية بنحو 22 موقعًا جغرافيًا من شمال شرق البلاد إلى جنوبها، وكان أغنى هذه المواقع «الفرما» التى كانت مركزًا تجاريًا مهمًا فى ذلك الوقت، لتستقر فى النهاية فى الصعيد البعيد عن السلطة المركزية فى الشمال، ومكثت العائلة فى موقعين بمحافظة أسيوط، كان كلاهما أشد وعورة فى جغرافيته ومعيشته عن الآخر، الأول هو دير المحرق حالياً، والثانى هو جبل «درنكة»، ورغم شظف العيش فى الموقعين الجبليين، فقد كان الصعيد ملاذًا آمنًا للعائلة المقدسة الفارة من اليهود فى فلسطين، وطال بقاؤها 6 أشهر و10 أيام.

فى كل موالد السيدة مريم عليها السلام فى محافظات الجمهورية، حيث يحتفى به مساء 21 أغسطس سنويًا، تكون مظاهر الاحتفال ذات خصوصية تختلف عن مظاهر الاحتفالات الشعبية بموالد الأولياء والقديسين فى مصر، يتصدر المشهد فى ذلك الاحتفال الشعبى النساء.. نساء الطبقة الشعبية الفقيرة، وهن يمسكن الدفوف ويطلقن الزغاريد كأنه عرس يخص إحداهن، بالتزامن مع غناء الأناشيد الدينية التى تمجد البتول وأخلاقها ونسبها، وقصة الاصطفاء من الله سبحانه وتعالى، يأخذك ذلك المشهد فورًا إلى السؤال مجددًا: لماذا تحب الفقيرات السيدة مريم عليها السلام؟!

يتولد الحب ويتدفق بين السيدة مريم عليها السلام وبنات جنسها الفقيرات؛ لأنها كانت تشبههن فى ظروفهن الحياتية والمعيشية، ورغم ذلك اختيرت لتكون المصطفاة من بين نساء الأرض، وأنعم عليها بمعجزة الولادة دون أن يمسها بشر، ويتجدد الرجاء والأمل بالتشفع بها لأنها الأقرب إليهن. إذا كان الجميع يحبون السيدة مريم عليها السلام فإن «عباس الغالى» كان مجذوبًا بها وقصته معها من أشهر القصص وأكثرها شيوعًا فى محافظات الصعيد، خاصة أن التفاصيل تتعلق بذلك الرجل النحيل الطيب الذى يتذكره جيدًا عجائز قريته، وهو يجلس منزويًا فى ركن الكنيسة وإلى جواره مصباح الكيروسين الذى يضىء له طريق عودته إلى منزله ليلاً وبلغ به عشقه للسيدة العذراء أن أصبحت حياته مريمية.

ولد عباس جرجس صديق فى العام 1903، واشتهر بلقب «الغالى» الذى أطلقه عليه أهل قريته بمحافظة قنا لدوره الخيرى ببلدته مع الأيتام والفقراء، وبدأت قصة الغالى مع العشق الإلهى عندما كان فى الخامسة عشرة من عمره عندما صلى ليظل متبتلاً دون زواج، وأن يكرس حياته للصلاة وخدمة الفقراء ليبدأ جهاده لتهذيب الذات منذ حداثته، رغم أنه كان يعمل ليعول أمه وشقيقه المريض.

وفى حياته تجرد «عاشق العذراء» بكل ما يربطه بالدنيا ليعيش راهباً وسط العالم، حيث تجرد من الممتلكات والأقارب، وعاش مع الفقراء واليتامى ليكون أباً لهم، فى عام 1935 دعاه أبناء بلدته إلى الانضمام لجمعية خلاص النفوس الخيرية وعهد إليه بأمانة الصندوق وكان من أهم أنشطة الجمعية مكتبة للبيع والاستعارة ومساعدة الفقراء ومحاربة الخمور والمخدرات وندوات دينية ومسرحيات دينية تثقيفية هادفة، واستمر الغالى فى عمله الخيرى بقريته، وإن كان لم ينس والدته التى أصر على تعليمها القراءة والكتابة بعد أن أدركها الشيب، فقد كان محبًا للعلم رغم أنه لم يحصل سوى على الشهادة الابتدائية.

كان اليتم الذى تعرض له عاشق العذراء فى طفولته بعد أن رحل والده سببًا فى أن يستشعر قسوة الزمن على اليتامى، وكان مشروعه الأول رعايتهم وتربيتهم ففى أربعينات القرن الماضى باع الغالى منزله الصغير بعد وفاة والدته وشقيقه، وكذلك «حماره» الذى كان يذهب به إلى عمله فى محل أقمشة واشترى قطعة أرض بمبلغ 250 جنيهاً ليقم عليها ملجأ لليتامى والفقراء، وأقام معهم فى حجرة بسيطة بعد أن أحاط المكان بسور من الطوب اللبن، وبدأت علاقته الوطيدة بالسيدة العذراء عندما تعرض لأزمة مالية أعجزته عن الإنفاق على اليتامى، حتى فوجئ برجل غريب يسأل عنه ويسلمه مبلغًا ماليًا كبيرًا فسأله الغالى عن سبب تبرعه بالمبلغ، فأعلمه الرجل أن السيدة العذراء ظهرت له فى حلم، وقالت له «اذهب للغالى فى بهجورة وأعطه ذلك المبلغ».

يتذكر البعض ممن عاصروا عباس الغالى أنه كان يطلب من السيدة العذراء التدخل فى كل الأزمات التى يتعرض لها، ومنه نجاته من الموت بعد أن شب حريق بحجرته، وانتقلت النيران إلى جلبابه فراح يستغيث بالعذراء لتنقذه، وعند نفاد كميات الطعام كان يدخل إلى حجرته، ويصلى طويلاً، ويطمئن مرافقوه، قائلا «الملكة سوف ترسل الطعام» ليطرق أحدهم الباب ومعه الطعام من مناطق بعيدة عن القرية!

عاش الغالى مجذوبًا بحب السيدة مريم، وكان يراها أمًّا وراعية له، وكانت حالته فى ذلك العشق متفردة، ففى صلاته للمريض يخاطبها «اعملى معروف ادخلى أجزخانة السماء وهاتى الدواء» وعندما يستقبل الضيوف يقدم لهم الشاى والهدايا «المريمية».

عاش عاشق العذراء 94 عامًا فخورا بموهبة الفقر وبجلبابه الأسود الذى يظهر جسده النحيل وبرعايته للفقراء واليتامى، وما زالت أريكته الخشبية العتيقة فى مكانها بمدخل كنيسة العذراء ببهجورة يتذكر كل من يراها أحاديث الغالى الدافئة عن الملكة، وربما يتطلع كثير ممن لم يعاصروه إلى حفاوة استقباله ونصيحته لكل ضيوفه ألا يصافحوه إلا بعد إلقاء التحية على «أم النور».

مع حلول شهر أغسطس سنويًا وبدء صيام العذراء الذى يمتد 15 يومًا، وتشارك فيه السيدات المسلمات والقبطيات فى المحافظات، تستعد ربات البيوت لذلك الصيام بشراء كميات كبيرة من الملوخية المجففة لصناعة تلك الوجبة الشهيرة التى ارتبطت بصيام العذراء وهى «الشلولو».

تعد هذه الوجبة هى الأساسية فى كل أيام الصيام بجانب الأنواع الأخرى من الأطعمة، وهى مكونة من الملوخية المجففة، وليمون، وثوم، وبهارات حسب الرغبة، وماء مثلج، وتخلط تلك المكونات التى تشكل مزيجًا ثقيلًا قبل إضافة الماء مع إضافة الملح إلى «الشلولو» ويتم خلطه جيدًا لتشكل مكوناته قوامًا متناسقًا تصبح وجبة المسلمين والأقباط فى صيام البتول، جاهزة للتقديم، ومعها فوائدها الغذائية، وهى الفيتامينات المتركزة فى الثوم والليمون.

الصلة الوثيقة التى تجمع بين صيام العذراء ووجبة «الشلولو» حسب الاعتقاد الموروث القائل إن السيدة مريم تناولت هذه الوجبة خلال رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، خاصة عندما استقرت بالصعيد، أما الأصل التاريخى لهذه الوجبة فهو فرعونى حسب متخصصين، فقد توارثها الصعايدة جيلا بعد جيل، ولم تتغير مكوناتها منذ العصر الفرعونى حتى الآن، حيث اُستخدم الثوم والبصل كمطهرات ولتقوية المناعة، فقد حرص الفراعنة على تزويد العمال بحبات الثوم للوقاية من الأمراض، ووضعوا فى توابيت موتاهم البصل اعتقادا منهم أنه يساعد الميت على استعادة أنفاسه فى الحياة الأخرى حسب معتقد البعث بعد الموت.

 وبحكم احتفاظ المجتمعات المحلية فى محافظات جنوب الصعيد بعاداتها الاجتماعية والحياتية الباقية من الحضارات المتعاقبة وبفعل انغلاق هذه المجتمعات على نفسها بقيت تلك الوجبة الفرعونية الأصل ككثير غيرها من العادات الاجتماعية، وجبة متعارف عليها لدى المسلمين والأقباط فى الصعيد، ويندر أن يعرفها سكان شمال مصر إلا المهاجرين من أصول صعيدية، ويتم إحياء تلك الوجبة فى صيام العذراء سنويًا.

وتحمل وجبة «الشلولو» دلالة أخرى، فهى تعرف بوجبة الفقراء فى الصعيد بسبب زهد ثمن مكوناتها، وربما يكون ذلك إحياءً لشظف العيش الذى عاشته العائلة المقدسة فى مصر متنقلة بين أكثر من محافظة مصرية، والحالة المرسومة لأطهر نساء العالمين فى الذهنية الشعبية ومخيلة البسطاء كونها عاشت معاناة حقيقية مع أسرتها للنجاة بوليدها عيسى عليه السلام، من أيدى الطغاة المتجبرين من ملوك اليهود فى مسقط رأسها بفلسطين، وعاشت أيامًا من الترحال الصعب وعاشت حياة الفقراء فى مصر.

تبقى وجبة «الشلولو» كوجبة رئيسية لا تغيب عن موائد محبى السيدة العذراء طيلة أيام الصيام، ولا ينافسها فى الأيام الأخيرة سوى نوع من المخبوزات الصغيرة وتسمى «المنون» وهو من طقوس نهاية الصيام، وتقوم ربات البيوت بإعداد ذلك النوع من المخبوزات بالمنازل لتناوله فى نهاية الصيام، وهو يتكون من الدقيق والكركم والزيت والمحسنات العادية، وتقوم ربات البيوت بتوزيعه على الجيران احتفاءً بختام صيام العذراء، وتلاحظ أيضا فكرة الزهد فى هذا النوع من المخبوزات الذى لا تدخل فى مكوناته أى نوع من الحليب أو السمن، وغيرها من المكونات التى تدخل فى صناعة المخبوزات الأخرى.

ويترفع الأقباط فى الصعيد حبًا فى السيدة مريم عليها السلام عن تناول الأسماك رغم تصريح الكنيسة بتناولها، ويكتفون بالبقوليات والأطعمة الصيامى المعروفة.

وفى كل الكنائس المسماة باسم سيدة الطهر والعفاف فى مصر، يُقام احتفال دينى وشعبى فى نهاية الصيام، فضلا عن الصلوات اليومية التى تقام فى الكنائس، غير أن الحج إلى درنكة بمحافظة أسيوط لحضور الاحتفالات هناك لا يضاهيه أى احتفال آخر، حيث يقيم الزوار هناك فى غرف يتم إيجارها لمن يرغب للبقاء فى رحاب أم النور، رغم وعورة الجغرافيا بالمنطقة فى الجبل.

جبل «درنكة» الذى يبعد عن محافظة أسيوط بنحو 8 كيلومترات بالحياة، يتدفق عليه الآلاف من الأسر على الدير الذى يحمل اسم الجبل نفسه «دير السيدة العذراء بدرنكة» لحضور الليلة الختامية للصيام الذى يواكب رحيل السيدة مريم عليها السلام عن الأرض، وتقام طقوس الاحتفال التى تعرف باسم «الدورة» التى تبدأ من الكنيسة المسماة بكنيسة المغارة، حيث يخرج الشمامسة حاملين أيقونة كبيرة للسيدة العذراء، أمامها أطفال صغار يلبسون أيضا ملابس الشمامسة البيضاء، بينما يظهر الرهبان والقساوسة خلف الأيقونة مباشرة مصطفين فى صفين، وهم يرددون مديح العذراء «يا أم النور يا جميلة يا عدرا يا طاهرة يا نبيلة يا بنت دواد يا أصيلة.. جاكى ملاك ببشارة وقالك أنت مختارة»، وتنطلق الزغاريد من السيدات، وتدق أخريات الدفوف، ويرمين الورد على الموكب فى مشهد شديد العزوبة.

وجبل درنكة مشهور عنه بوجود الكثير من المغارات التى كان يستخدمها الفراعنة فى استخراج المعادن، واستخدمها المصريون الأوائل فى الإقامة أثناء الفيضانات، ولذلك فالمرجح أن السيد المسيح والسيدة العذراء قضوا تلك الفترة هناك أثناء رحلة العائلة المقدسة.

وبعد ظهور الرهبنة انتشرت العديد من الأديرة فى تلك المنطقة، وذكر المقريزى الدير فى كتابه باسم دير العذراء، وتحول هذا المكان إلى دير فى عهد القديس يوحنا الأسيوطى، وكان تلاميذه يعملون فى نسخ الكتب المقدسة، لذلك سمى هذا الدير باسم دير النساخ.