من مهر العروس إلى «دية الدم» وسد جوع الفقير

سوق الجِمال.. «أضحية» الدولار والبنزين

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 12 يوليو 2017 19:40
سوق الجِمال.. «أضحية» الدولار والبنزين
كتبت:نهلة النمر

موجة غلاء جديدة ترفع سعر الجمل إلى 50 ألفاً وتقفز بالكيلو من 60 جنيهاً إلى 110 جنيهات

 

فى الماضى كانت أغلى ما يملك الإنسان، فهى مهر العروس، ودية الدم، وعليها يبلغ حاجته بالسفر فى أوعر الطرق، وأشدها قساوة فى الصحراء، فتتحمل غزارة الرمال وحرارتها، وتصبر على شح الماء والكلأ. ويحمل عليها الرجل بيته وأهله، وتحمل عليها المرأة حاجياتها وجواريها. وهى لن تضيع فى الصحراء أبداً، فهى تعرف وطنها الأول جيداً، وحتماً ستعود إلى قطيع الصبا، والبئر التى شربت منها حينما كانت سليلاً -وهو اسمها حين كانت وليدة- دون أن تخطئ الطريق ولو بعد سنين.

إنها الإبل، التى كانت حتى وقت قريب متنفساً غذائياً لمحدودى الدخل، والفقراء أحياناً؛ فى المناسبات والأعياد، خاصة بعد انتهاء شهر رمضان، بعدما يصبح الفقير غنياً بما أعطاه الله، فيصير من حقه تذوق اللحم، ولو كان من لحوم الإبل.

لكن هذا العام تغير الأمر كثيراً، فلم يستطع طالبو الزكاة تذوق هذا اللحم، وربما وصل الأمر إلى بعض مانحيها أيضاً، حيث فوجئ الجميع بارتفاع أسعار لحوم الإبل، حتى اقتربت من أسعار اللحوم العادية.

«الوفد» قامت بجولة فى سوق الجمال ببرقاش فى الجيزة، ووقفت على الأسباب الحقيقية التى وأدت فرحة أمل كثيرين من سكان هذا البلد، خاصة فى ظل احتمالية تعرض الإبل لموجة غلاء جديدة، مع قدوم عيد الأضحى.

فى شمال محافظة الجيزة، وبعيداً عن العمران، يقع سوق الجمال ببرقاش. كانت رحلة الوصول طويلة، سلكت «الوفد» طريق الوراق الذى يمر بالقناطر الخيرية، ورغم أنه طريق سريع، إلا أنه غير مرصوف بالكامل، وتتخلله مطبات من صنع الأهالى أقيمت بعشوائية شديدة، مما زاد الطريق سوءاً.

مررنا بعدة قرى، ربما أشهرها «طناش» و«القرطيين» و«ذات الكوم» و«نكلا»، حتى وصلنا إلى السوق بين ترعة نكلا وجبل برقاش، التى تستمد المنطقة اسمها منه.

أنشئ سوق برقاش منذ عشرين عاماً تقريباً، ويتبع إدارياً مركز منشأة القناطر، بعد أن نقل من موقعه القديم، فى البراجيل بالجيزة، وتبلغ مساحته 25 فداناً، وتتم عمليات البيع والشراء فى أيام الأحد والخميس والجمعة من كل أسبوع، ويبدأ السوق الساعة الخامسة بعد الفجر، وينتهى تقريباً مع أذان الظهر، ويتوافد عليه مئات التجار من خارج القاهرة، وكل تاجر يعرض ما يقرب من مائتى جمل داخل حوش يخصه.

الوجوه فى السوق تعلوها علامات الرضا بالحال الذى لم يعد صالحاً لإرضاء أحد، ربما أصولهم الجنوبية «صعيد مصر»، كانت سبباً فى ذلك، فقد أثبت التاريخ والجغرافيا أيضاً، أنك كلما اتجهت جنوباً اتجهت للأنقى، فالجميع فى السوق أصولهم من جنوب مصر، وهم عائلات يعرفون بعضهم جيداً، وبمجرد أن تدخل بينهم ترصدك العيون، لأنك غريب فيقترب منك أحدهم وبهدوء يسألك عايز إيه؟

منذ عام 1890 وعائلتى تعمل فى تجارة الجِمال، هكذا بدأ الحاج محمد الثليث أكبر تجار السوق حديثه، قائلاً: كان جدى يعمل فى سوق الحرية بإمبابة منذ أكثر من مائة عام، وقت أن كانت منطقة إمبابة منطقة نائية، وعندما نقل السوق للبراجيل، كان والدى قد تسلم منه العمل، بعدها نقل السوق إلى هنا فى برقاش، وكنت قد توليت أنا وأولادى أمر التجارة.

قبل أن نصل للحاج «الثليث»، كنا قد سمعنا أخباراً تقول باحتمالية نقل السوق للمرة الرابعة، إلى طريق الواحات. لكن كلام الحاج الثليث جاء مخالفاً لذلك، مؤكداً عدم صحة ذلك الكلام، مستطرداً: أن الأسباب التى استوجبت نقل السوق فى المرات السابقة، ليس لها وجود هذه المرة، ففى المرتين السابقتين، كان العمران قد امتد حول السوق من كل جانب، مما جعل تواجده يمثل صعوبة كبيرة بالنسبة للتجار، وأيضاً بالنسبة للسكان مجاورى السوق، لذلك عندما نقل السوق فى المرة الأخيرة عام 1995، هنا ببرقاش، أصدر الدكتور عبدالرحيم شحاتة محافظ الجيزة حينذاك قراراً بعدم البناء حول أرض السوق، وبالفعل لم يتم بناء أى نوع من المساكن حول السوق، خاصة أن السوق يقام فى حضن جبل برقاش، لذلك من غير المتوقع نقل السوق مرة أخرى.

البرسيم الحجازى والذرة المصرية، هما ما يعطى لأى جمل الجنسية المصرية، هذا ما عرفناه من الحاج الثليث، عندما سألناه عن مصدر الجِمال المتوفرة بسوق برقاش، حيث قال: الجمال الموجودة فى السوق هنا، معظمها تأتى من السودان والصومال مباشرة، وهو ما نطلق عليه المستورد، والبعض الآخر يشتريه التجار فى الصعيد فى دراو وأرجين، من هذه البلاد أيضاً صغيراً، ويقومون على تربيته على البرسيم الحجازى والذرة المصرية، بعدها يصير فى عُرف أسواق الإبل بلدياً.

وعن القوانين التى تتحكم فى السوق، قال الحاج الثليث: العرف التجارى، يفرض تبادل الاحترام بين التجار وبعضهم، فالأسعار موحدة، ولا يجب على أى تاجر الخروج على أسعار السوق، كما أن لكل تاجر مساحة معروفة لا يجوز تعديها، وكذلك مواعيد السوق المعروفة للجميع، التى لا يمكن لأحد مخالفتها، وأيضاً لكل تاجر رسالته التى تأتى له، فليس لتاجر آخر أن يتدخل فيها.

وحول احتمالية تعرض سوق الجِمال لموجة غلاء جديدة فى الفترة القادمة، أجاب الحاج على الثليث: المسألة عرض وطلب، وعلى الرغم من أن الدولة تبذل مجهوداً جلياً فى دعم اللحوم، لكن ما زالت احتمالية الغلاء محتملة، وقد سمعنا مؤخراً أن هناك مؤسسة حكومية حاولت فى الفترة الأخيرة توفير لحوم الإبل بأسعار مدعمة.

«المكاتب» هى أكثر كلمة يمكن لك أن تسمعها هنا، وأصحاب هذه المكاتب هم التجار الأكبر فى السوق، والذين يملكون من رأس المال، ما يسمح لهم بالشراء من المورد الأول، ثم يبيع لتجار السوق والسماسرة والجزارين، على أن يتم التعامل المادى بين صاحب المكتب والتجار الصغار، بشىء من اللين والوقت.

تركنا الحاج الثليث، لنكمل جولتنا فى السوق، وليقابلنا الحاج إسماعيل منصور من قنا، الذى يعمل فى السوق منذ أكثر من 45 عاماً. لنسأله: هل تعلم أن سعر كيلو لحم الإبل وصل إلى 110 جنيهات. لتأتى إجابته واضحة وقاطعة: الغلاء على البايع والشارى، ارتفاع الدولار تسبب فى ارتفاع كل شىء، كما أن أسعار نقل الجِمال ارتفعت، كنتيجة طبيعية لارتفاع مخرجات الطاقة، حيث وصل سعر الجرار الواحد، الذى يأتى من حلايب وشلاتين، ويحمل ما يقرب من 35 جملاً فقط، لأكثر من 12 ألف جنيه، بعدما كان سعره حتى عام مضى، حوالى خمسة آلاف جنيه، فكان طبيعياً أن يزيد سعر كيلو لحم الجِمال، من ستين جنيهاً العام الفائت إلى 110 جنيهات هذا العام، فأسعار الإبل تورد بالدولار.

وأشار الحاج منصور إلى أن ارتفاع أسعار الإبل فى الفترة القادمة أمر محتمل، لأن الوارد قليل، مع ارتفاع تكلفة البواخر التى تأتى فيها الجمال

من الصومال، ووسائل النقل من السودان، وكلما قل الوارد زاد السعر.

وعن المشاكل التى تواجههم فى السوق، قال الحاج إسماعيل منصور: المشاكل كثيرة، فهناك جزارون كثيرون يخسرون، ولا يستطيعون تسديد ثمن الإبل التى اشتروها. كذلك مشكلة المياه العذبة التى لم تصل للسوق حتى الآن، رغم وجود هذا الكم الهائل من البشر والحيوانات فى المكان، والطريق غير المعبد تماماً، فبعض الطرق لم يمهد إلا منذ شهرين، عندما جاء المحافظ لافتتاح صوامع الغلال الموجودة خلف السوق.

من اللافت أن كل الجِمال الموجودة فى السوق، معظمها تجرى على ثلاثة أرجل فقط، حيث تم ربط القدم الرابعة؛ حتى يسهل التحكم فيها، كذلك وُشمت جميعها بحروف وأرقام، عرفنا أنها منذ خروجها من موطنها الأصلى، يوشمها صاحبها الأول عن طريق الكى بالنار، فيستطيع معرفتها فى أى زمان ومكان، متى قابلها، إلى جانب أنها بمجرد وصولها ليد التاجر الجديد، يرسم عليها حرفاً، أو رقماً، فلا يمكن أن تختلط فى السوق بإبل تاجر آخر.

حمدى أبوعويس سمسار فى سوق الجمال، يتولى مهمة الوساطة بين تاجر التجزئة -أى الجزار- وتاجر الجملة، يقول أبوعويس: أنا فى السوق منذ كان عمرى ست سنوات، أى منذ أكثر من ثلاثين عاماً، فى الماضى كان الجزار يشترى عدداً من الجمال، أما الآن وبعد الارتفاع الجنونى للأسعار، أصبح الجزار يشترى جملاً واحداً «يمشى بيه حاله».

وعن أوزان وأسعار الجمال المتوفرة فى السوق، قال أبوعويس: وزن الجمل فى المتوسط يكون حوالى مائتى كيلو، وقد يصل سعره إلى خمسة وعشرين ألفاً، بعدما كان حوالى 12 ألف جنيه منذ عام، وهناك جِمال قد يصل وزنها لـ600 كيلو، لذلك يمكن أن يصل سعرها لخمسين ألفاً، وتباع غالبية الِجمال عن طريق المزايدة، وعمر الجمال القابلة للذبح تكون من عامين، حتى ست سنوات.

ويكمل أبوعويس حديثه: «على كل حال لقد تعلمنا من هذه المهنة، الصبر، فقد كنا نعيش على لحم الجمال، حيث يأتى الجزار كل يوم فى نهاية السوق، ويذبح أحد الجمال، ونشترى منه لحماً لبيوتنا، الآن أصبح من الصعب علينا شراؤها، فقد اشتريناها فى المرة الأخيرة بسعر السوق، علاوة على أن السوق فى الأساس بعيد عن بيوتنا، وقد ارتفعت أسعار المواصلات، والسوق فى الأساس ثلاثة أيام فى الأسبوع فقط، فمن أين لنا أن نصرف على أولادنا، إلى جانب أن وقت السوق لا يزيد على ست ساعات لا أكثر».

سيظل الجمل كائناً خاصاً لدى الوعى الجمعى العربى، تتفاوت ذكراه بين الحزن والفرح. فهو فى ذاكرة البعض سفينة الوطن العربى، فى حين يتذكره آخرون وحوله النساء، يطلقن الزغاريد فرحاً به وهو ينقل الحجيج إلى أرض الحجاز. فى حين يراه البعض رمزاً للثراء ومصدراً للفرحة، عندما يحمل الأميرات والعرائس فوق المحمل أو «الهودج». ويراه الأمراء الآن مجرد رهان فى سباقات «الهجن». بينما يتألم آخرون عندما يقفز إلى أذهانهم، مشهد فيلم الأرض كرمز للقهر والضرب بالسياط فى عهود «الهجانة». وربما لا يعرف عنه بعض شبابنا سوى أنه بطل موقعة «الجمل» فى ميدان التحرير عقب خطاب مبارك الشهير.

لكن ماذا لو أخبرتك قارئة الفنجان التى ربما تصادفك يوماً، أن تكتلات فنجانك جاءت على شكل جمل؟ فإن قارئة الفنجان الخبيرة فى طرح هذه التأويلات، وترجمة خطوط القهوة المتشكلة فى الفنجان، ستخبرك أن ظهور الجمل فى فنجانك إشارة إلى العز المرتقب، ولكن إذا ظهر الجمل باركًا على الأرض، فالمتوقع إرجاء الأمور المهمة، أما إذا كان محمّلا، فهذا يعنى خبر موت لقريب، وكلما قلت الحمولة بعدت القرابة، وإذا كان الجمل مرفوع الرأس، فهذا يعنى أن صاحب الفنجان جلدًا صبورًا ولن يتأثر بهذا الخبر.

نعود مرة أخرى لسوق الجمال ببرقاش، لنلتقى محمد سيد سيد أحد المشترين بالسوق، الذى بدأ حديثه قائلاً: إحنا عايشين فى خراب بيوت، أنا جزار من الخانكة، ببيع كيلو اللحم من الإبل بـ110 جنيهات، مابقاش فيه حد بيشترى، زبون اللحم الجملى هو الفقير، الذى لم يعد يستطيع شراءها، والزبون اللى معاه فلوس متعود يشترى لحوم الأغنام، لذلك جزارو الإبل يواجهون الآن كارثة حقيقية، بعدما زادت الأسعار للضعف فى عامها الأخير، فأنا أعمل فى هذه المهنة منذ 22 عاماً، ولم نر أياماً مثل التى نحياها الآن، والسبب طبعاً هو ارتفاع سعر الدولار.

أما فاكهة سوق الجمال فى برقاش، فهم مجموعة من الأطفال، منهم أحمد هيكل مصطفى، سيد محمود، وعمر محمد، لا تتعدى أعمارهم الثامنة، يعملون فى السوق، معظمهم يأتون مع أقاربهم. كانت الفرحة تعلو وجوههم وهم ينظرون للكاميرا، فما زالت البراءة حليفتهم، وقالوا لـ«الوفد»: نحن نقف على الجمال، ونراقبها ونأخذ فى اليوم خمسين جنيهاً.

مروان أشرف، خمسة عشر عاماً، يعد نفسه أصغر تجار السوق ويقول: أحب العمل فى سوق الجمال، أحضر للسوق منذ كان عمرى سبع سنوات، أنا وإخوتى، والسوق كله هنا عائلات، ليس بيننا غريب، وحتى لو كنت أكملت تعليمى الجامعى كنت سأظل أعمل فى سوق الجمال.

عندما تعلم أن الجمل كائن الصبر، هو مخلوق بلا مرارة، فلن تملك إلا أن تتذكر قول الله تعالى «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت»، إنها الإبل ذلك الدليل على عظمة الله وقدرته والتى ستظل من عجائب المخلوقات.

عندما تتحدث عن الإبل، ليس لك أن تنسى الحديث عن «الهودج» والذى سيظل سحراً يخطف قلوب النساء كلما ذكرت الإبل، لقد كان من أفضل المراكب لهن، حيث إنه يتسع للمرأة ويسمح لها بالحركة بحرية دون الحاجة إلى استخدام الخمار، وذلك لكبر «الهودج» وتغطية جميع جهاته بالقماش الذى يمنع رؤية من كان داخل «الهودج»، ويسمح للهواء والضوء بالمرور.

من أجمل ما يمكنك معرفته عن الإبل أيضاً، هو ارتباطها بمالكها، إذا أبدى لها ليناً، وقصص العرب فى ذلك كثيرة، ومنها أن باع أحد مربى الإبل ناقة من إبله لأحد سكان بلدة تبعد مئات الكيلومترات، وكانت لهذه الناقة محبة خاصة، حيث كان يتعهدها بنفسه منذ صغرها، لكنه باعها بعد أن كثرت الإبل لديه، فقبض ثمنها وسار صاحبها الجديد بها إلى بلده، وبعد مضى ثلاثة أشهر تقريباً، وفى أحد الليالى سمع حنين ناقة أيقظت جميع أهل الحى، ولما خرج تفاجأ بأنها ناقته، التى باعها ولما رأته، بركت وصارت تضع رأسها فى حجره وتشمه، فرقَّ لها وأدخلها إلى حوش منزله، وبعد شهر حضر صاحبها الذى اشتراها إليه يسأله عن الناقة هل جاءت إليه، فأجابه بنعم، ولكنه قال: «لن تعود بها، فاطلب ما شئت ثمناً لها ودعها فلن أفرط فيها بعد أن قطعت كل تلك المسافات شوقاً وحنيناً».

 

 

 

 

 

 

 

 

أهم الاخبار