المبيدات والصرف الصحى أهم الأسباب

أمراض بالجملة.. والسبب الخوخ والبطيخ

أمراض بالجملة.. والسبب الخوخ والبطيخ
تحقيق: إيمان الجندى واشراف سامي صبري

الفاكهة والخضراوات مشكلة كل صيف

السعودية والكويت تنضمان لدول حظر الفاكهة المصرية

من جديد.. يشكو المواطنون من إصابتهم بالنزلات المعوية والإسهال والانتفاخ والارتفاع المفاجئ فى درجات الحرارة، بل وحدوث حالات تسمم إثر تناول الخوخ والبطيخ.. حالات متنوعة من التسمم والأمراض المعوية تنذر بحدوث كوارث صحية، بالإضافة إلى مخاطر اقتصادية، حيث بلغت قيمة صادرات وفضائح عالمية قد تتجدد وتخسر معها مصر من المحاصيل الزراعية والصناعية الغذائية 4 مليارات دولار.

إن صحت الشكوى فسوف تكون بمثابة فضيحة جديدة لواردات مصر الغذائية والتى دفعت مصر ثمنها ولو لفترة، فمن قبل الخوخ والذى سبق وحظر الاتحاد الأوروبى تصديره قرابة الـ15 عاماً، كانت الحلبة والبطاطس والطماطم، وخضر وفاكهة أخرى.. من هنا ندق جرس الخطر خلال هذا التحقيق مطالبين بتشديد الرقابة على المزارعين وعمليات تداول وبيع الفاكهة!!

 

< تلعب الخضر والفاكهة دوراً مهماً فى صحة الإنسان لكونها من أهم مصادر الفيتامينات والمعادن.. كما أنها تكون سبباً رئيسياً للكثير من الأمراض الخطيرة إذا ما تعرضت للتلوث بأشكاله المختلفة، ولذلك فالكثير من الأبحاث ترجح أن هناك صلة ما بين تناول الخضر والفاكهة الملوثة وارتفاع عدد حالات الفشل الكلوى وسرطان الكبد والسرطانات عموماً، وأمراض الجهاز التنفسى، تلوث بحسب الخبراء والمختصين تتعدد أسبابه أولها عدم التزام المزارعين بإرشادات وتوصيات الاستخدام الآمن للمبيدات وأيضاً استخدام مياه الصرف الصحى والصناعى فى رى المحاصيل فيلجأ إليها المزارعون لتعويض النقص فى المياه الزراعية. وتشير التقارير هنا لـ50٪ من مياه الصرف الصحى يتم صرفها فى الترع والمصارف وبما جعل ما يقرب من الـ6 مليارات متر مكعب من مياه الصرف الصحى تستخدم فى مصر سنوياً للرى ومصر لا تمتلك المعالجة الثلاثية كتقنية لمثل هذه المياه وهى فى الأساس معالجة خاصة بالقضاء على الميكروبات الممرضة والضارة بحسب خبير مائى -رفض ذكر اسمه- والذى أكد أن معالجة مياه الصرف الصحى فى مصر تقتصر على المعالجة الثانية وهى فصل الرواسب والعوالق العضوية فقط ودون قتل للبكتيريا والفيروسات والفطريات أو حتى التخلص من العناصر الثقيلة مثل الحديد والرصاص والكادميوم والمنجنيز والنحاس والزئبق والسيلينويم والنترات والبورات وغيرها من المواد شديدة السمية والقابلة للتراكم فى الخضر والفاكهة.. ويأتى استخدام الكيماويات الزراعية من أسمدة ومبيدات بكميات أكبر من المسموح به أو عندما تكون مغشوشة.. وهى مركبات حلقية فى مجملها بطيئة التحلل نواتج تكسيرها بحسب الخبراء تزيد من تركيز وتراكم الكلور والفوسفور والنترات عن الحد المسموح فى البيئة الزراعية إلى جانب ما تحتويه من عناصر ثقيلة كالرصاص والكروم وباقى العناصر ذات السمية المرتفعة جداً، فمثلاً الإسراف فى الأسمدة النيتروجينية بسبب التلوث بالنترات عن طريق مياه الرى أو الصرف أو تختزنه بعض النباتات فى أنسجتها وبنسب عالية مثل الجزر والبنجر والخيار وهو عادة ما يفقدها الطعم واللون والرائحة المميزة ومن ثم تنتقل تلك النترات عبر عمليات غذائية للإنسان فتسبب فقر الدم للأطفال وسرطانات البلعوم والمثانة لدى الكبار. وللأسف مصر بحسب ما ينشر من أكبر الدول العربية استهلاكاً للأسمدة التى تحتوى على المبيدات  الكيماوية.. من الأسباب الأخرى المؤثرة فى تلوث الخضر والفاكهة سوء التداول داخل الأسواق، فبعد تعرضها لعوادم السيارات والتخزين غير الجيد وخاصة فى المدن الصناعية بعد ترسيب التراب الملوث نتيجة للجاذبية كنواتج حرق الوقود من دخان CO2 ومن ثم تكوين مركبات سامة مثل المركبات النيتروجينية والمركبات الأكسجينية.. أم الكوارث ما شاهدناه بأنفسنا من غسل البائعين للخوخ وبعض الفاكهة فى مياه تحتوى على منظفات كالربسو.

 

تاريخ.. ولكن

< وكانت مصر قد استعادت مكانتها كمورد للخوخ إلى بلدان الاتحاد الأوروبى منذ عدة سنوات، وبعد حظر تصدير للخوخ المصرى دام 15 عاماً، وذلك بعد أن استطاع برنامج الإنقاذ استئصال ذبابة الخوخ التى كانت السبب فى الحظر عام 1995 والذى بلغ مداه عام 2004 عندما هددت منظمة الصحة العالمية بحظر استيراده عقب إعلان مصر إصابة نحو 830 ألف فدان من أصل 2.1 مليون مزروعة بالخوخ وتجاوز الفاقد السنوى وقتها الـ30٪ من المحصول. وهى ذبابة رصدت لأول مرة فى مصر عام 1912 واختفت تماماً منذ هذا التاريخ حتى عادت للظهور فى عام 1995 وفى عدة محافظات.. وهى ذبابة تضرب أصنافاً أخرى من الفاكهة مثل المشمش والجوافة والتين والموالح والمانجو، ومن الخضر القرعيات والباذنجان والفلفل والطماطم.

< وحكاية رفض واردات مصر من الفاكهة خاصة والخضر بشكل عام ليست بجديدة، بل تظهر بين الحسين والآخر والبداية دائماً ما تكون بشكوى المواطنين دون النظر إليها والاهتمام ببحثها.. والحادثة الأولى بعد الخوخ عام 1995 كانت فى عام 2011 بإعلان لجنة تحقيق تابعة للوكالة الأوروبية لسلامة الغذاء بتسبب شحنة مستوردة من مصر من بذور الحلبة ثم استيرادها بين عامى 2009 و2010 مخصصة لأغراض إنتاج حبوب مستنبتة فى انتشار حالات تسمم غذائى أدى لإصابة 4 آلاف شخص بأعراض التسمم البكتيرى والنزلات المعوية ووفاة 48 شخصاً فى ألمانيا وحالة وفاة واحدة فى فرنسا، ورغم نفى مصر ودفاعها المستميت إلا أنه تم التوصل إلى مزرعة بالفيوم، تستخدم مياهاً ملوثة من مصرف زراعى لرى محصول الحلبة.. وهناك حالات تسمم حدثت من تناول البطيخ الذى كان محتوياً على نسب مرتفعة من مبيد وتم حصاد البطيخ قبل تكسيره فى خلايا النار وهو ما تكرر مع الطماطم خلال عامى 2010/2011 بسبب انتشار حشرة «النوتا أبسليوتا» وقتها مرت محاصيل الطماطم وكانت وراء تجاوز أسعارها فى السوق المصرية إلى ما يزيد على 10 جنيهات للكيلو، ولم تعترف الدولة

وقتها بالمشكلة رغم ثبوت استخدام المزارعين كميات من المبيدات العشوائية ومجهولة المصدر.. وكانت هناك إجراءات صارمة ألمحت وزارة الزراعة الأمريكية باتخاذها حيال السلع المصرية الواردة إلى أمريكا ومنها كان منع الفراولة وأى أنواع فاكهة مصرية أخرى يتم ربها بمياه الصرف الصحى، وذلك بعد تقرير لإدارة الأغذية والعقاقير الأمريكية أشار إلى غسيل الخضار المجمد المستورد فى مصر بمياه قذرة واحتوائه على بقايا الصرف الصحى وبما قد يصيب المستهلكين بمرض التهاب الكبد الوبائى.. وهو طبيعى إذا ما علمنا أن 14 مليون طن مخلفات كيميائية يتم التخلص منها سنوياً فى النيل وكذلك 120 ألف طن من مخلفات المستشفيات و3 مليارات متر مكعب مخلفات صرف الصحى و9 من مياه الصرف الزراعى المحملة بتركيزات عالية من بقايا المبيدات والأسمدة وسلالات من البكتيريا.. ولذلك كانت النصائح لرعاياها من السائحين القادمين إلى مصر بتناول المياه المعبأة فقط وعدم تناول أى أغذية إلا من أماكن محددة يتم التفتيش عليها من إحدى الشركات لصالح الاتحاد الأوروبى.. وهو ما تكرر بمنع استيراد حتى السمك البلطى من مصر من قبل الدول الأوروبية لأن مصر تقوم بتربيته فى مياه صرف صحى ويتم تغذيته على مخلفات المجازر من طيور نافقة ومخلفات حيوانية «بحسب مزاعم تلك الدول» وآراء بعض الخبراء والمختصين.

< ومن الدول الأوروبية والولايات الأمريكية وصولاً إلى الدول العربية.. تاريخ التشكيك واحد فى سلامة الأغذية المصرية، كان آخره رفض السعودية للسمك البلطى المصرى لفساده وكذلك الكويت والتى انضمت مؤخراً لتلك الدول المشككة فى سلامة الفواكه والخضراوات المصرية ووضعها تحت المراقبة والمغالاة فى الاشتراطات والمواصفات، وهو ما استفز النائب محمد فرج عامر رئيس لجنة الشباب والرياضة والذى تقدم ببيان عاجل ضد وزراء الزراعة والصناعة والتجارة الخارجية والتموين بخصوص تدنى الصادرات الزراعية المصرية نتيجة الضغوط بما يؤثر على الاقتصاد المصرى بعدما أصبحت المنتجات الزراعية المصرية المرفوضة حديث العالم لمخالفتها لشروط الدول المستوردة.

من جانبه، أكد فرج عامر أنه تقدم بالبيان بعد اتساع قائمة الدول التى أوقفت أو علقت استيراد وارداتها من الفاكهة والخضراوات من مصر لـ6 دول وهى أمريكا واليابان وروسيا والسودان والسعودية ومؤخراً الكويت.. مشيراً إلى النفى المستمر لوزارة الزراعة، فعند إيقاف أمريكا لاستيراد الفراولة من مصر بعد زعم إصابة أمريكيين تناولوا عصير الفراولة بالتهاب الكبد الوبائى وقرار وزارة الصحة الأمريكية سحبها من الأسواق وحظر استيرادها، ما كان من وزارة الزراعة المصرية إلا القول إن رفض أمريكا كان خلال أعوام 2009 و2010 و2014 وأنه لم تصدر أى قرارات بمنع أى منتج مصرى فى العامين الأخرين.

وأوضح فرج عامر أن وزارة الزراعة المصرية أشارت إلى أن الأنباء المتداولة وزعم هيئة الغذاء والدواء الأمريكية بمنع دخول بعض من منتجات الألبان المصرية إلى أمريكا والتى كانت بناء على تقارير نشرت خلال مارس 2017 ما هى إلا إجراء دورى تقوم به إدارة الموقع فى تحديث بياناته لكل قطاع فى قطاعات الأغذية وأن سبب نشر تلك التقارير بحسب تفسيرات وزارة الزراعة المصرية لا يعد سوى مجرد إعادة النظر فى تحذيرات استيراد تلك الأنواع وإعادة تقييم ونشرها كدليل للعاملين فى حالة وجود بعض الفطريات المسببة للتسمم فى منتجات غذائية لبعض الدول، ولذلك شمل التقرير مراجعة لعشرات الشركات فى مختلف الدول ومن بينها مصر!

< مزاعم وتبريرات وزارة الزراعة المصرية على بيان فرج عامر فى مارس الماضى.. لم تمنع السعودية مؤخراً من أنها علقت استيراد بعض الخضراوات والفاكهة المصرية لعدم صلاحيتها للاستهلاك الآدمى وذلك وفقاً للهيئة العامة للغذاء والدواء بالسعودية، كذلك قرار السودان بإيقاف استيراد الخضر والفواكه والأسماك مؤقتاً سواء كانت طازجة أو مجمدة أو مجففة.. وذلك رغم قيام السودان بتحليل عينات للسلع الغذائية المصرية فى معامل خارج السودان أظهرت عدم إصابة المنتجات المصرية، كذلك وجدنا إثيوبيا توقف استيراد الأدوية من مصر.. وصولاً للكويت والتى انضمت مؤخراً إلى قائمة الدول التى حظرت استيراد الفاكهة والخضراوات، حيث قدرت لجنة سلامة الأغذية الكويتية منع استيراد الفراولة المصرية ما لم تكن الشحنة مصحوبة بشهادة صحية تفيد بأن المنتج صالح للاستهلاك الآدمى وأنه تحت الإشراف الصحى الحكومى.. لتصبح الكويت الدولة السادسة التى تحظر دخول الفاكهة المصرية.. ونجد وزارة الزراعة المصرية فى المقابل تؤكد حدوث زيادة فى حجم الصادرات الزراعية بصفة عامة والفراولة بصفة خاصة بنسبة زيادة نحو 60٪ خلال العام الجارى نظراً لجودة المنتج المصرى وأن التصدير إلى السوقين الأوروبية والأمريكية قائم ويتم طبقاً لاشتراطات ومعايير عالمية!

 

أسئلة كثيرة تبرزها التقارير الدولية والمحلية بشأن رفض أو حظر استيراد الفاكهة والخضار من مصر وكذلك للأغذية المصرية عموماً وعن دور الدولة فى ضمان غذاء آمن للمصريين وهى من لم تستطع الالتزام بالمواصفات والمعايير الدولية على ما نصدره، فما بالكم بمستوى ضمان سلامة الأغذية التى يتم تداولها محلياً.. ولماذا لا تزال الدولة فاشلة فى تفعيل الهيئة الوطنية لسلامة الغذاء وما هو دور وزارتي الصحة والصناعة وهيئة الرقابة على الصادرات والواردات والحجر الزراعى التى كلفت الدولة مليارات الدولارات، ورغم ذلك تفشل فى الكشف عن المسببات المرضية التى تهدر صحة المستهلكين؟. وأخيراً ما هو الدور الذى تلعبه وزارة الزراعة لمراقبة استخدام المبيدات والأسمدة وكيف تسمح الدولة بتداول محاصيل زراعية مروية بمياه الصرف وتدمر صحة المصريين وفى وقت تدعى فيه مصر إنتاجها لمحاصيل عضوية فى كل هذه المنظومة المليئة بكل أشكال وأنواع الملوثات ورغم ذلك تباع للمصريين بأسعار خيالية بل ونصدرها أيضاً؟!

 

أهم الاخبار