دخلنا مرحلة الفقر المائي والحكومة تبحث عن بدائل

المصريون مهددون بالموت عطشا

تحقيقات وحـوارات

الثلاثاء, 18 أبريل 2017 18:52
المصريون مهددون بالموت عطشاالدكتور محمد عبدالعاطي
كتب - نادية مطاوع واشراف سامي صبري

لا يعرف الانسان قيمة ما بيده إلا بعد ضياعه، ولم يدرك المصريون قيمة نيلهم العظيم إلا بعد أن أوشكنا على الدخول فى مرحلة الفقر المائى، وراحت الحكومة تبحث عن بدائل، ورغم نفى وزارة الرى لما نشر على لسان وزيرها الدكتور محمد عبدالعاطى فى احتفال كلية الهندسة حول دراسة التوسع فى استخدام مياه الصرف الصحى بعد معالجتها فى (الزراعة والشرب أيضاً)، إلا أن هذه التصريحات كان الوزير قد قالها من قبل فى مؤتمر «استخدام مياه الصرف الصحى والوقود» الذى عقد بجامعة الأزهر قبل عدة أشهر، وأكد فيه أن مصر تستهلك ما بين 105 إلى 110 مليارات متر مكعب سنوياً، وحصتها من مياه النيل تقدر بـ 55 مليارا، والمياه الجوفية والمطر 6 مليارات، والعجز بين الاستهلاك والمياه التى نحصل عليها سيتم تعويضه من مياه الصرف الصحى، وأشار الوزير فى كلمته إلى أنه لا بد من البحث عن حلول غير تقليدية لمواجهة الفقر المائى، لافتا إلى أنه لا بد من معالجة مياه الصرف الصحى لتوفير احتياجات الزراعة والشرب، والتغلب على مشكلة نقص المياه فى المستقبل.

ورغم أن حديث الوزير عن استخدام مياه الصرف فى الزراعة والشرب لم يكن جديدا، إلا ان الوزارة قامت بنفى الخبر رغم أنها لم تنف ما قاله الوزير من قبل، مع العلم بأن مياه الصرف الصحى تستخدم فى الزراعة منذ عام 1915 بمنطقة الجبل الأصفر، واستخدامها فى الشرب أمر متعارف عليه فى الكثير من دول العالم، ولكنها تكنولوجيا مكلفة جداً فها تستطيع مصر الفقيرة استخدامها؟

وتستخدم مياه الصرف المعالج لزراعة أشجار الموالح والجوافة والنخيل بمنطقة الجبل الأصفر وبعد زيادة كميات مياه الصرف أصبحت تستخدم بدون معالجة، وهو ما انعكس على التربة نظراً لما تحتويه المياه من عناصر ثقيلة، إضافة إلى تلوث المحاصيل ببعض الطفيليات الممرضة، لذلك عادت الدولة لمعالجة المياه معالجة أولية وثانوية عام 1997 لاستخدامها فى الزراعة، ونفس هذا الأمر حدث فى محطات أبو رواش وزنين.

وتقدر كمية مياه الصرف الصحى بالقاهرة الكبرى بحوالى 6 ملايين متر مكعب يومياً يستخدم جزء بسيط جداً منها فى الزراعة، والباقى يصرف فى المجارى المائية، ومع زيادة مشكلة نقص المياه أصبح لا بد من التوسع فى استخدامها خاصة فى أغراض الزراعة وفقا لما قاله الدكتور محمد عصام الدين أستاذ الأراضى والمياه بكلية الزراعة جامعة القاهرة، مشيرا إلى أن استخدام مياه الصرف الصحى فى الشرب موجود فى بعض الدول الأوروبية، ولكن هذه الدول تمتلك تكنولوجيا لتنقيتها حتى المستوى السابع، وهى مكلفة للغاية، أما فى مصر فيمكن الاستفادة منها فى رى الأرض الزراعية، مبيناً أن المحطات الحالية تعالج للمستويين الثانى والثالث، وهذه المياه يمكن استخدامها فى زراعة الغابات الشجرية والتى تدر موارد هائلة، كما يمكن استخدامها لزراعة الألياف كالقطن والكتان، ويشترط لهذا التخلص أولا من البكتيريا الممرضة التى قد تكون موجودة بها للمحافظة على صحة المزارعين أولا.

و أضاف: يمكن استخدام المياه التى تخرج من محطات المعالجة ذات المستويين الثالث والرابع لزراعة المحاصيل التقليدية والخضراوات، وأضاف ان مشكلة مياه الصرف الصحى فى مصر أن بها ملوثات صناعية أخرى حيث لا يوجد فصل بين صرف المنازل والمصانع، وهذه الملوثات الصناعية مثل الرصاص والألومنيوم والزئبق يصعب التعامل معها، وأشار إلى أن تنقية مياه الصرف تحتاج إلى تكنولوجيا مكلفة جدا ولا بد من دراسة الجدوى الاقتصادية لها جيداً، ويضيف عصام الدين: ولا بد من دراسة الأراضى التى سيتم ريها بها ومساحتها وأماكنها والنباتات التى ستزرع فيها، وهذه كلها اعتبارات يجب أن تأخذ فى الحسبان، مع ضرورة التأكد من نقاوة المياه من الملوثات حتى لا تؤثر على التربة فيما بعد.

المعالجة

وتشتمل معالجة مياه الصرف الصحى على عدة مراحل أولاها المعالجة التمهيدية والتى تستخدم فيها وسائل لفصل وتقطيع الأجزاء الكبيرة، وخلال هذه المرحلة يتم التخلص من 5 إلى 10% من المواد العضوية القابلة للتحلل، وما يتراوح بين 2 إلى 20% من المواد العالقة، ولا تصلح هذه المياه للاستخدام، ثم تأتى مرحلة المعالجة الأولية والغرض منها ازالة 35 إلى 50% من المواد العضوية والصلبة فى أحواض الترسيب، و50 إلى 70% من المواد العالقة، وهذه المياه أيضا غير صالحة للاستخدام فى أى غرض من الأغراض.

ثم تأتى مرحلة المعالجة الثانوية التى يتم فيها التخلص من 90% من المواد العضوية، و85% من المواد العالقة.

أما المرحلة الرابعة فهى مرحلة المعالجة المتقدمة التى يتم فيها التخلص من بعض العناصر كالنيتروجين والفسفور والمواد العالقة الصلبة الزائدة، والمواد السامة وصعبة التحلل.

أما المرحلة الخامسة فهى مرحلة التطهير، وتتم من خلال حقن محلول الكلور إلى حوض التطهير بما يتراوح بين 5 إلى 10 ملليجرامات للتر الواحد، لمدة 15 دقيقة كحد أدنى وفى حالة استخدام المياه للزراعة تصل مدة التطهير إلى 120 دقيقة، وتوضح الدكتورة فاطمة الجوهرة أستاذ تلوث المياه بالمركز القومى للبحوث أن مصر لديها كودا لتنقية مياه الصرف الصحى واعادة استخدامها فى اغراض الزراعة منذ عام 2015، وهو يتضمن الاحتياطات العلمية الواجب توافرها فى مياه الصرف التى يعاد استخدامها، ودرجة نقائها وعمليات التنقية، ومعالجة مياه الصرف الصحى تتم بناء على هذا الكود، ونوعية المياه تحدد طبيعة الاستخدام فى الزراعة، ولكن المشكلة الأساسية ليست فى هذه النوعية من المياه، إنما هناك مزارعون يقومون برى أراضيهم من المصارف مباشرة وهذه كارثة صحية.

و أوضحت ان التوسع فى استخدام مياه الصرف فى الزراعة يجب أن يتم فى حدود، فتكلفة تنقية هذه المياه عالية جدا حتى يمكن توصيلها لدرجة نقاء عالية حتى نتمكن من استخدامها فى الزراعة، ولذلك فالأهم من تنقية مياه الصرف هو إبعاد الملوثات عن مصادر المياه النقية، وترشيد استهلاك المياه والمحافظة على جودتها، وإذا كانت الدولة مضطرة لتنقية مياه الصرف وإعادة استخدامها نظرا لمشكلة نقص المياه، فلابد أن يتم هذا من خلال تكنولوجيا قليلة التكلفة.

يذكر أن بعض الدراسات أشارت إلى أن تكلفة تنقية المتر المكعب من مياه الصرف الصحى تتراوح بين 150 قرشا إلى جنيهين، للاستخدام فى الزراعة، إلا انها لم تتطرق للتنقية من أجل الشرب، إلا أن هذا الأمر يحتاج إلى تكنولوجيا متقدمة جدا، ولذلك ففى أمريكا وبعض دول أوروبا تستخدم مياه الصرف الصحى للشرب بعد تنقيتها للمرحلة السابعة، وهو ما اكده الدكتور سميح منصور استاذ علم المبيدات والسموم بالمركز القومى للبحوث والخبير بالاتحاد الدولى للسميات، مشيرا إلى أن المياه طالما وصلت للمواصفات الصحية من درجة النقاء واصبحت عديمة الطعم واللون والرائحة، ومعدل الأملاح بها فى الحدود المسموح بها، فيمكن استخدامها فى كل الأغراض بما فيها الشرب، ولكن المشكلة فى مصر هى اختلاط مياه الصرف الصحى والزراعى والصناعى معا، وكل نوع منها يجب التعامل معه على حدة، حتى يمكن تنقيته، لذلك لا بد من تطبيق هذه التجربة فى إحدى المحافظات كنموذج، حتى يمكن دراستها دراسة جيدة وتعميمها بعد ذلك إذا نجحت التجربة، مشيرا إلى أن مياه الصرف الصحى تحتوى على عناصر مفيدة للزراعة كاليوريا والبوتاسيوم والفسفور ولكن يجب معالجتها قبل استخدامها للتخلص من العناصر الضارة والمواد المشعة الموجودة فى الأدوية، والمواد الكيميائية الموجودة فى المنظفات كالكلوروفورم، وبعد التخلص من هذه الملوثات يمكن استخدامها بشرط متابعة تحليلها من وقت لآخر لضمان صلاحيتها باستمرار، وأكد ضرورة تنقية مياه الصرف الصناعى جيدا قبل اعادة استخدامها لان تأثيرها الضار لا يقتصر على الانسان والنبات بل يمتد للمياه الجوفية أيضا نظرا لاحتوائها على معادن ثقيلة، مشيرا إلى أن مياه الصرف الصحى من أهم المخلفات التى يجب الاهتمام بإعادة تدويرها، مع الوضع فى الاعتبار تكلفة المعالجة والجدوى الاقتصادية من وراء استخدامها.

 

أهم الاخبار