قعدة ستات فى ساعة الأزمات

د. مني النموري

الجمعة, 25 نوفمبر 2011 12:55
بقلم: د.منى النمورى

حول التليفزيون تتجمع  بعض سيدات الضاحية الهادئة لمتابعة المليونية، غلاية الماء وبجانبها المشروبات على المائدة والريموت كنترول فى يد سيدة الدار وفى المطبخ أم كريمة الخادمة.
-السيدة س: لا أفهم ما هذه الوحشية من جانب الشرطة فى التعامل مع المتظاهرين.

السيدة م: ألم أقل لكم بعد احداث ثورة ينايرأن الأمر لن يمرعلى خير مع جهاز الشرطة. أتتذكرون فيلم "زوجة رجل مهم" لعاطف الطيب حينما جُن الظابط احمد زكى تماماً بعد أن كشفت الحكومة خطأه وتزويره للتحقيقات وحملته المسئولية وأجبرته على التقاعد فجن جنونه وقتل حماه ونفسه؟ يختل شئ ما فى كيمياء رجل الشرطة حين يستلم عصا السلطة ويشعر بروعتها فى يده ويظن انه فوق الناس ثم تختل هذه الكيمياء تماماً حين يسقط من عليائه.
السيدة ف: طيب والحل؟ هم مصريون مثلنا تماماً ولن نستغنى عنهم ويموتون من اجلنا والبلد مليئة بالبلطجية و
السيدة س: إنتظرى قليلاً!  تحولوا فى الحقبة الأخيرة الى عصا النظام اكثر منهم حماة الشعب وبالنسبة للبلطجية فهم يعرفون جيداً مكان البلطجية والمسجلين الخطر لكنهم لايقبضون عليهم لأنهم فى سجلاتهم تحت إسم "المعاونين من المواطنين والأهالى"  اى مساعدين لهم.لو أرادوا بالفعل ضبط الأمن لفعلوا فى الشهور الماضية ولكنهم يعاقبوننا لرفضنا الإهانة بعد الآن.
السيدة م: لابد من تدخل أساتذة علم النفس العالميين من أمثال عكاشة وخليل فاضل وغيرهم لوضع برامج تأهيل نفسية للضباط  والعساكرطويلة المدى لإصلاح الدمارالشامل الذى اصابهم. بعد نفخ الذات الدائم وأوهام التميز المخدرة ومتعة السيطرة ثم السقوط فى حفرة التهم البشعة والتجريم السوداء والتعرض للعنف الذى أذاقوه للناس سنوات.مارأيناه فى احداث 19 نوفمبر هو رد رد الفعل وهكذا لو لم يتم التعامل مع هذا الموقف غير المسبوق على أسس علمية وعملية لن نخرج من دوائر الفعل ورد الفعل بين الناس والشرطة فى القريب العاجل.
السيدة س: وماذا عن العيسوى؟ أليس هو من قلت عنه يا "ف" انه رجل محترم مثقف ومتدين؟ كيف يؤول الأمر الى هذا إذن تحت سيطرته؟
السيدة ف: لاأعلم كيف يحدث هذا؟ أشهد انه على يدى أنصف سيدة  فقدت إحدى إبنتيها من جراء عربة شرطة جنونية منذ ثلاث سنوات ولا تزال الأخرى تعالج حتى الان بالعديد من المضاعفات،وامر بصرف كل فواتير العلاج المثبتة لها ولم يكتف بهذا بل وفتح القضايا المماثلة التى حدثت فى نفس الوقت أيضاً. هل يبدو هذا مثل رجل كاذب ام عادل؟  هل تتجزأ الشخصية؟ أمطلوب منه ان يمشى وراء كل ضابط يراقب تصرفاته؟ لن نعلم حقائق الأمور سوى بعد فترة طويلة حين يصبح كل هذا جزءً من تاريخ مكتوب.
السيدة س: ماذا يعنى هذا؟ وماذا عن تصريحاته بنفى كل ماحدث. كأنه مطلوب منا ألا نصدق ما نراه على الشاشات ولا الشباب من قلب الميدان ولانصدق السيدة ن التى نزلت بنفسها الى الميدان وعانت من القنابل المسيلة للدموع تقذف على المستشفى الميدانى؟
السيدة م: لااعتقد ان العيسوى قد بسط سيطرته على الوزارة على الإطلاق، ليس عن تقصير اوتواطؤ وإنما لأن دولة البوليس كان معظم قياداتها يدين بالولاء لرئيسها السابق ولم ينسوا أبداً أن عليهم إستعادة ما سُلب منهم.الداخلية كما عرفها العيسوى كانت قد إختفت تقريباً منذ زمن بعيد وحل محلها وجوه جديدة تربت على مفاهيم مختلفة.يراودنى شعور أن الشعب كله يحارب الهجوم القادم من طرة.إنها الحرب السرطانية يا اخواتى،تهاجم الجسد من داخله ولايمكن حساب تطوره وإن أردت القضاء عليه بالكيماوى اوالإشعاع تعرف انك تقتل الجسد معه أيضاً.والله أصبحت أشفق علينا وعليهم من انفسهم.
السيدة ن وكأنها تحلم: للميدان سحره وحالته النفسية الخاصة، مثل تجربة الأُخوة فى الحرب التى تجعل من الحياة العادية شيئاً ماسخاً لاطعم له، تربطك بمن هم هناك، بمن يتلقون نفس قنبلة الدموع معك ويهلعون لرؤية المدرعة معك ويصرخون من نفس الخطاب معك، تربطكم تجربة فريدة لايفهمها سوى من عاشها ويصبح رفيق الميدان أغلى من الأخ. لولا الأطفال ماكنت رجعت البيت.
إستراحة قصيرة تأتى فيها أم كريمة بالأكواب وتجهز المشروبات ويخيم صمت حزين على المكان حتى تنتبه السيدة س ان دموع أم كريمة تتساقط على خديها وذقنها فى صمت وهى تعمل.
السيدة س: ما بك يا أم كريمة؟
أم كريمة: "الحال واقف يا ست وبهنسى ابنى وإبراهيم جوز كريمة قاعدين فى البيت"
السيدة ف: ألم أقل لكم من قبل أن التظاهر ووقف الحال لن يدفعا بالبلد سوى لثورة الجياع؟ سامحينى يا ام كريمة. لكنكم تعرفون ماذا فعل إرتفاع الأسعار بالناس وكيف تشويهم الحياة كل ساعة بما لا يطيقون. أنا مع من يتظاهرون الآن فى العباسية ومع بقاء العسكرى فى السلطة دعماً للإستقرار.
جميعهن: البلد تُقسم بضراوة.لقد اصبحت دائرة مفرغة لانعرف للخروج منه سبيلاً
السيدة س: ماكان العسكرى ليستطيع فعل اى شئ وسط الإعتصامات والوقفات والإعلام وكل هذا الخراء. ما يقدر على القدرة سوى رب القدرة.
السيدة ف: أصمتن وكفاكن عويلاً.ما يزعجنى هوالغطرسة وهو عدم قدرة السلطة على الإعتراف بأخطائها والإعتذار الواضح للشعب عنها. وكأن الأمر صفة ذكورية تصبغ كل شئ وتتجاهل تجربة الطرف الاخر وألمه وإلتياعه وتكتفى بتذكيرنا بكم كانوا شرفاء وكيف يضحون وماذا يفعلون من اجلنا..ألا يذكركن هذا بأزواجكن؟
ضحكات على إستحياء مشوبة بقطارات من الذكريات تمر بسرعة داخل عقل كل سيدة منهن.
تنادى ام كريمة من داخل المطبخ: "بس يا ست مش كنا بس إستحملنا شوية لحد الإنتخابات ما تخلص؟ عاوزين البلد تتلم بقى!
السيدة ن:  ومن الذى أجلها كل هذا؟ ألا توافقوننى الراى أن البطء العجيب فى إتخاذ القرارت وتقاعص السلطة عن الطرق والحديد ساخن فى بداية الأمر هو الذى اعطى الفرصة لكل منتهز وكل أفاق وكل خصلة سيئة فينا ان تظهر فى الشهور الماضية؟
السيدة س: لايغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.على المصريين أن يتغيروا بالفعل من الداخل، تدور فى رأسى طوال الوقت فكرة عجيبة وكأنه لو قام كل واحد منا من الغد بإستحضار نية تغيير صفة واحدة سيئة فى نفسه اونفسها فى توقيت واحد مثل إفطار رمضان، سيتغير مكان قطع الأحجية أو البازل التى نشتريها للأولاد وستتجمع القطع المتناثرة فى كل مكان لتتكون صورة جميلة.
وكأنهن جميعاً إتفقن على إيقاف الحديث المزعج عند صورة التفاؤل هذه فقد إنسحبن الواحدة تلو الخرى بحجج مختلفة، وعلى رأس كل منهن افكار مزدحمة متصارعة فى صرة منتفخة توجعها ولاتستطيع ان تنزلها.حملن صرر الهم هذه وهن يجهزن طعام الغذاء لأولادهن وهن يجهزن القهوة وحتى فى صلواتهن. وبقيت أم كريمة تعمل والسيدة س لاتدرى ماذا تفعل لكى توقفها عن البكاء. ودت لوقالت لها يموتون من أجلك يا أم كريمة ولكنها قالت: "إدعى يا ام كريمة، إدعى لأولادك ولمصر"
"ربنا يفك أسر مصر يا ست!"