عن الطريق الدائرى والقذافى وشكسبير

د. مني النموري

السبت, 29 أكتوبر 2011 19:00
بقلم. د. منى النمورى

على الطريق الدائرى..فى رحلة طويلة من التكدس المرورى..بالكاد من بين ماتحت عجلات العربات تظهر الدوائر البيضاء الكبيرة التى كانت يوماً مخصصة لتحط فيها طائرة مبارك..مغرماً كان الرجل بالكبارى.

.ولكن الكبارى لم توصله لأى مكان سوى نفسه..لم تعبر ما بينه وبين شعبه..لم يبدُ أنه يرى المسافة بينهم او يراهم أصلاً..كل الجسور كانت له دائرية، منه وله.يا للحسرة، حتى لوتصرف من مبدأ براجماتى محض لكان جعل من مصر دولة أكبر ومن نفسه رئيساً أقوى. فى محاولة لإبعاد الذهن عن التفكير فى التكدس السياسى والإقتصادى الذى نمر به، وعن الدماء التى أريقت وعن إحتمالات إراقة دماء اخرى، أضع سماعات الأذن وأسمع أغانى الثمانينيات الأجنبية.. تنساب الموسيقى الساحرة، لمن يتذكر هذه الحقبة، أغنية " طول الليل" لليونيل ريتشى والتى غناها فى الحفل النهائى المبهرلأوليمبياد لوس أنجلوس فى 1984. تعيدنى الإيقاعات الراقصة سنوات بعيدة للوراء..زمن صافى وجميل لفتاة يافعة..إسترددنا سيناء بالكامل، مبارك بطل، لا يعرف أحد عن عائلته شيئاً بعد، غزو أمريكى ممتع فى صورة أفلام ومطاعم وملابس واغانى، فضول متلهف للتعرف على الآخر الغربى من خلال لغته (أدركت بعدها بسنوات بعد الدراسة و السفر أن معرفة لغة الاخر ليست ضمانة لأن تفهمه ويفهمك! بل يحتاج الأمر لنفس أوسع وعقل انضج) تدفع الأغنية بالدفء الى قلبى، أتخيل اننى سأستمع لكلمات المغنى واطرد الهموم بعيداً وانخرط فى الرقص مع كل من على الدائرى طوال الليل. انظر حولى، لاأمل! يحمل الطريق ثلاثة أضعاف طاقته على الأقل وينتهى بمخرج ضيق لا يتسع سوى لسيارتين ومن قبل المخرج تمتد الماكينات المزمجرة لثلاثة كيلومترات على الأقل..أشغل نفسى بإحصاء ارقام السيارات امامى وقراءة ما كتب على النقل منها كعادتى. " ام النور" على نقل أسيوط امامى ، صلاة معتادة للعذراء الطاهرة أن تحمى السائق فى سفره الطويل، أتذكر "أبونا" زوج صديقة امى المقربة، الضيف الدائم على بيتنا وانا أجلس فى حجره وأسمع الحواديت طفلة فى الخامسة..لن أفهم ابداً ماذا حدث حتى تختفى هذه الصورة الإنسانية. قتلاً للوقت وهروباً من التفكير أحاول تصفح شبكة الإنترنت على الموبايل لتطالعنى صورة القذافى مقتولاً بوحشية أول ما فتحت!
ولكن هذا كان منذ أسبوع مضى! من يومها وصورته تطاردنى مهما حاولت الهروب، فى الأخباروفى مواقع الإنترنت وعلى البريد الإلكترونى وحتى فى كاريكاتيرات الصحف الأجنبية أوكلما لملمت جريدة من على الأرض لأنظم المكان أوبحثت عن صفحة الكلمات المتقاطعة لأقطعها وأجمعها لأمى تنسى بها همومها وهموم البلد، أجده يطالعنى، من زوايا مختلفة ومع وجوه أخرى وكأنه نصباً تذكارياً هاماً او كأنه لايزال يدفعنى للجنون حياً أوميتاً.
ومن يومها وانا لا أفهم الموقف الأخلاقى الذى يجب أن أتخذه..فالوضع غريب. تشعر فى اعماقك ان هذه هى النهاية الطبيعية لطاغية مثله عاقلاً كان ام مجنوناً، وقصاص..ثم تتوقف قبل أن تلحقها بكلمة "عادل" فأنت لم تعد تستطيع تفسير العدل بعد الآن.. العدل أن يُقتل الفذافى بعدد من قتلهم وهم  ألوف، لكن بعد محاكمة عادلة ومع محاسبة الجميع . لكن إذا كنت فى الغاب فتحرك بمنطق الغاب..هذا ما فعله الثوار، موقف حدى إما تقتل او تٌقتل..تعرف هذا حتى وانت فى اعماقك تتمنى لو إنتهى الغاب وبدأت المدنية والتسامح والنهضة فى بلدٍ حُرم النهضة فى أربعين عاماً ،فى ثلاثين عاماً ( انت تفكر فى مصر فى هذه اللحظة لامحالة!)  ثم تدرك انه لن ينتهى الغاب إلا بعد ان يستنفذ الغضب المكبوت نفسه وتُرد الضربة عشرات أضعافها.. لكنك تقف صامتاً امام الموت..بغموضه وحرمته.وينتابك الفزع من ردود الأفعال الدولية الغربية على وجه التحديد وقد تهلع إذا تصورت ما قد يقال عن الوحشية والبربرية وماقد يلوث نضال الثورات العربية والربيع المزدهر..ثم تعود وتلعن الغرب وسنينه وانت تدرك فى اعماقك وفى منطقك أن مؤسسات الغرب لم تكن لتهتم لولا البترول والحق انها لم تهتم لوجود هذا المختل من قبل على رأس دولة بها بشر لهم حقوق إنسانية، بل كانت لتضحك عليه وتكبده الغرامات معلنة ام غير معلنة وتستغل أموال الشعب بنفس الطريقة التى كان يمارسها..ولابد أن يمر على خاطرك التاريخ الطويل الدموى للإستعمار البعيد والقريب. بمعنى أنه لا يوجد احد احسن من أحد من الناحية الأخلاقية فإن إِتٌهِمنا بالهمجية فهم متهمون بالإستعمارية والإستغلال..وتشعر بالراحة بعض الشئ لهذا المنطق ثم تعود بعد مرور الوقت لتشعر بالقلق وتحتار. ثم، وفى محاولة لإنهاء الصراع على المستوى النفسى، قد يقفز الى ذهنك سطر من مسرحية ماكبث لوليام شكسبيرفيه يعلق ماكبث فى حسرة هادئة حين يصله خبر وفاة زوجته وشريكته فى الجرائم وسفك الدماء،" كان لابد لهذا اليوم أن يأتى" .
"واحسرتاه! كل عطور العرب لن تغسل هذه اليد" هذا آخر ما تنطق به زوجة ماكبث وهى تعانى سكرات الموت وعذاب الضمير..وقد تربط اخيراً أن اليد هى يدى ويدك ويده ويدها ويد الغرب المتحضر  الساكن فى البرج العاجى..تشعرأن الدم قد طالنا جميعاً..إما فى اليد أوالكلمة أوحتى فى المنطق الذى يجعلك تدوس على إنسانيتك وتجيز العنف وتبرر دائرته أو تدين العنف والإنتقام وتنسى الطاغية وماسفكه من دماء.. أو تتناسى كل هذا وتواصل حياتك رغماً عنك وتنسى..تطولك الدماء فى اى جزء ولو حتى على أطراف أطراف ثوبك..عظيم انت يا شكسبير!