رؤى

أرسم بإصبعي خريطة دمشق

علاء عريبى

الجمعة, 31 مايو 2013 23:03
بقلم -علاء عريبى

تلقيت من الصديقة الأديبة والكاتبة السورية سوزان إبراهيم واقعة عن الأحداث المؤسفة فى سوريا، كنت اتفقت معها ان ترسل لى اسبوعيا قصة تصور لنا الأماكن قبل وبعد تخريبها، فأرسلت وهكذا كانت البداية:

«أخيراً يرن جوّالي. أسرع في هبوط الدرج, أفتح باب السيارة على عجل, أشد حزام الأمان على جسمي.. ألقي تحية الصباح على صلاح وتنطلق السيارة.
الشوارع شبه خالية, معظم من رأيتهم يتوجهون- على ما أظن- إلى المساجد, حركة السيارات خفيفة, بعض المحلات فتحت أبوابها للزبائن. في الطريق إلى الجبل تعربش السيارة بتؤدة لنتمكن من التمتع بمشهد الصحو الصباحي للمدينة.
على غير عادة صباحات أيام الجمعة الماضية والكثيرة التي نتسلق فيها جبل قاسيون للتريض والمشي ومشاهدة دمشق من قمة حارسها الأبدي, فعدد السيارات المتوقفة قليل, بعض الأُسر الصغيرة تتناول إفطارها على الرصيف شاي وفطائر بالزعتر والجبنة.. شاب وصديقته يجلسان على أحد المقاعد الخشبية المنتشرة, يلف ذراعه حول كتفيها و يتناولان نسكافيه ونرجيلة جميلة «تبقبق» مياهها بالقرب منهما, وهما يصغيان بحماسة لأغان صاخبة تصدر عن آلة التسجيل في سيارتهما القريبة. على مقعد متفرد قليلاً جلست عائلة صغيرة, أب وأم, وولدان, تمسك المرأة المحجبة مصحفاً صغيراً بين يديها, وتتلو آيات على مسمع الزوج والولدين. السيارات الصغيرة التي تحولت إلى مقاهٍ متنقلة تقدم كل أنواع المشروبات – غير الروحية- ينتظر أصحابها الزبائن بسأم, يقدمون خدماتهم ويدللون عليها, يلاحقك الجميع بكلمة: تفضل يا باشا...  
نمشي ونحن نتحدث في أمور كثيرة كما كل مرة, شيء منها يخص العمل, وبعضها يخص أحوال البلد, أرسم بإصبعي خريطة دمشق فكأنني أمر بسبابتي على أحيائها وشوارعها وساحاتها: هذه ساحة الأمويين والسيف الدمشقي المنتصب أبداً بجوارها, ذاك مبنى فندق الفورسيزون ذي التصميم المعماري المميز, وذاك الطريق الصاعد من ساحة الأمويين باتجاه الجمارك, ذاك ملعب تشرين, وتلك مآذن الجامع الأموي الأربع, تلك أبنية مشروع دمر الجميلة البيضاء, وذاك البعيد «اوتستراد» المزة. تتراجع عيناي وتقتربان من مكان وقوفنا: هذه بيوت المهاجرين والمالكي وهذه ساحة ضريح الجندي المجهول... وهذه شجيرات زعرور بري تتقلد عناقيدها الإرجوانية الجميلة.
شيء ما مريب يحلق في الجو حولنا.. لم يتزايد عدد الناس. 
هدوء يسفح ماءه على المكان. إنها الثانية تماماً بعد الظهر.. شربنا قهوتنا على عجل, وصعدنا السيارة عازمين على العودة... لابد أن صلاة الجمعة وخطبتها قد انتهت تماماً الآن, ولن تواجهنا زحمة العربات الجوالة وسيارات السوزوكي وسيارات التاكسي والسرافيس التي تحتشد غالباً في الحي مع خروج المصلين من المساجد.
عدنا أدراجنا عبر الطريق النازل من الجبل والمؤدي إلى مساكن برزة. من مسافة قريبة لاح لنا حاجز معدني اجتمع حوله عدد من الرجال بلباس الجيش, تنكب بعضهم سلاحه, أوقف صلاح السيارة وفتح زجاج النافذة على يساره مخاطباً أحد الرجال كان قد تقدم الينا.
-خيراً.. ماذا هناك؟! رد الرجل بتهذيب: عليك العودة فلا يمكنك النزول من هنا؟
-ولكن قبل ساعة ونصف الساعة عبرنا هذا الطريق.. نحن ذاهبان إلى البيت.. نسكن هنا..  ما الأمر ماذا يجري؟!
هناك بعض التحركات في برزة, ومن أجل سلامتكما, عليكما العودة. حاولا النزول عبر معربا, ومن هناك تعودان إلى منزلكما!
في الطريق إليها التقينا عدة حواجز أمنية يتشارك الوقوف عليها رجال الشرطة ومن كنت أسمع عنهم: اللجان الشعبية.. يبدو واضحاً أن ثمة قلقاً يساور الجميع, وأن السلاح يتصدر, والعصي والهراوات تأخذ أمكنتها بين أيدي اللجان الشعبية. كلما مررنا بحاجز يشير لنا بالمتابعة باتجاه محدد.
بعد عناء, وصلنا «أوتستراد» حمص دمشق, قرب حرستا, حسنٌ من هذه النقطة إلى بيتي لن يستغرق الأمر أكثر من بضع دقائق، لم نكد نتنفس الصعداء حتى دهمنا مشهد مجموعة من الفتية الثائرين الواقفين على الجانب الأيسر من الأوتستراد- شرقي الطريق- وعلى الجانب الآخر توقف عدد من باصات النقل الداخلي الفارغة من ركابها, واحتشد عدد كبير من رجال الأمن بلباسهم الميداني الكامل, وعصي تتدلى من وسط عدد منهم, إضافة إلى دروع تغطي صدور الرجال لعلها مليئة بما يلزم, أو بما يجب أن يكون.
مرة أخرى مُنعنا من العبور إلى الحي, ونحن على مسافة دقيقتين منه. قضينا أكثر من ساعة ونصف الساعة تقريباً ندور حول محيط الحي لنصل إلى بيتي.
يا إلهي كيف تصبح العودة إلى بيتي في قلب مدينتي الحبيبة دمشق.. موضع شك؟ سؤال ما زلت لا أصدق أنني اضطررت لطرحه على نفسي... لهذا ربما بقي تاريخ هذا اليوم محفوراً في ذاكرتي: إنه يوم الجمعة الثاني والعشرين من نيسان «إبريل» من عام 2011.       
(ملاحظة: في 17 تموز ـ يوليوـ  2012 خرجت تحت وابل الرصاص من بيتي في ذلك الحي مع مئات الأسر الأخرى).. سوزان إبراهيم».
[email protected]

 

loading...