سمير عطا الله يكتب : سجل الطيبين

جولة عربية

الاثنين, 20 مارس 2017 19:42
سمير عطا الله يكتب : سجل الطيبينسمير عطا الله

 

 

أعادت «الجامعة الأميركية اللبنانية» طبع كتاب صادر عام 1908 للصحافي نعوم

مكرزل، هو عبارة عن دليل بأسماء المهاجرين إلى الولايات المتحدة وعناوينهم

وتجاراتهم. وما إن قرأت نبأ الكتاب حتى اتصلت ببيروت طالباً إرسال نسخة منه

إلى باريس. لماذا هذه السرعة؟ ألا يمكن الانتظار قليلاً إلى أن أعود؟ وما هو

عنصر السرعة في كتاب صادر عام 1908، قبل قرن وعقد؟

أردت أن أبحث فيه عن اسم جدّي، تامر. طالما أصغيت إلى حكاياته عن هجرته إلى

المكسيك، ثم إلى الولايات المتحدة، ولم يخطر لي مرة أن أسأله كيف وصل إلى

هناك تلك الأيام، وكم يوماً حملته البحار، وكم قطاراً غيَّر في البر. نسيت أن

أكون صحافياً داخل البيت أيضاً. أو كان يُخيل إليّ أن جدي باقٍ معنا، لن يقوم

برحلته الأخيرة، بعد كل ذلك السفر.

كل ما ذكره من جدول أسفاره أنه هاجر عام 1908، الباقي حكايات غير مؤرخة.

هو، وفرسه في «التامبيكو»، المكسيك، ثم وهو عامل في مصانع «بويك» في فلنت،

ميشيغان. وحكاية ثلاثة منازل اشتراها هناك. ثم باعها، لكي يعود. وعندما

ذهبت إلى فلنت عام 1974 كما وعدته، تعرفنا إلى واحد منها. وقال لي ابن

شقيقته إن جدك كان يملك منزلين، لا ثلاثة. الثالث لتزيين الحكاية بأخبار

النجاح.

سافر جدي، ثم استدعى أشقاءه وشقيقته. لطالما كان لبنان يغري بالهجرة

الحزينة والحنين الحزين. لا يطيق اللبناني البقاء، ولا يطيق الهجرة. وما إن

جمع جدي ما جمع، حتى عاد، مفضلاً هذه المرة القلّة في الربوع على الوفرة في

الاغتراب. وكان صاحب أنصع قلب في العائلة. وربما في المدينة. وربما في

الوطن والمهجر. فقد كان جدّاً بمرتبة أم.

عندما قرأت أن كتاب نعوم مكرزل (صهر أمين الريحاني) صادر عام 1908، فاضت بي

مشاعر العمر. يحب المرء جدّه طفلاً، لكن تامر شاكر، كان رفيقاً لم أشعر مرة

بالفارق بينه وبيني في العمر. يخاطبني ويعاملني كما لو كنت قرينه. ويلقي

عليّ ما يحفظ من الشعر والأدب وكأنه يسامر صديقاً. وكان في تسامحه مع الناس

والحياة، وكأنه لم يترك شيئاً لغيره على الأرض.

ثم تصير الأسماء سجلاً إلا في قلوب من يعنيهم الأمر. وكل لبنان حكاية، نصفها

في الأرض، ونصفها الآخر في مقالب الأرض. ولم نعد نعرف أحداً من أبناء وأحفاد

أشقاء جدي في فلنت. آخر من عرفنا، كان ابن شقيقته، الطبيب يوسف مقصود، الذي

أسس في المدينة مركزاً طبياً ورثه أبناؤه الأطباء. وكان الدكتور يوسف، إلى حد

بعيد، مثل خاله. يحب الشعر ويحفظ «مجاني الأدب»، ويحفظ أصول الخلق وجمال

التسامح.

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط