ديفيد اغناتيوس يكتب : حروب الفضاء تتحول إلى تهديد حقيقي

جولة عربية

الاثنين, 20 مارس 2017 19:30
ديفيد اغناتيوس يكتب : حروب الفضاء تتحول إلى تهديد حقيقيديفيد اغناتيوس

من بين القطع التذكارية التي تزين مكتب رئيس هيئة أركان القوات الجوية

الجنرال ديفيد غولدفين، شظية من أول طائرة للأخوين رايت. إلا أن واحدة من

أكثر القطع المعروضة إثارة للاهتمام هما قمران صناعيان صغيران مصنوعان من

البلاستيك يمكن تحريكهما على نحو يحاكي معركة جوية في الفضاء.

وشرح غولدفين خلال مقابلة معه أن الفضاء تحول الآن إلى ميدان قتال محتمل،

مؤكداً رغبة القوات الجوية في ضمان «التفوق الفضائي»، الذي يعني حسب اعتقاده

«عدم التعرض لهجمات وحرية إجراء مناورات».

وإذا كنت ممن يعتقدون أن الحروب السيبرية تنطوي على خطورة أكبر، فإن عليك

معاودة النظر إلى هذا الخطر الكبير المقبل الذي يشغل بال مسؤولي البنتاغون.

اللافت أن ثمة قضايا متشابهة بالفعل بين المجالين السيبري والفضائي؛ ففي

كليهما تتداخل المصالح التجارية والعسكرية الأميركية على نحو بالغ، ومع هذا

يبقى ثمة تشكك وريبة عميقة بين الجانبين. من جانبها، لا تعرف التكنولوجيات

حدوداً، ويجري بالفعل تحويلها إلى أسلحة من جانب دول معادية. في المقابل،

فإن الهجمات ضد الأقمار الصناعية والأنظمة الأخرى المشابهة ربما لا تكون

مرئية ومن الصعب إيعازها لجهة بعينها.

المعروف أن عالمنا الرقمي اليوم يعتمد على شبكات القمر الصناعي التي تدور

حول الأرض من دون أن يراها أحد. وأصبحت هذه الشبكات بمثابة منظومة الاتصال

بالنسبة لكثير من العمليات التجارية والعسكرية على الأرض، وفي الوقت ذاته،

فإنها معرضة لخطر الهجمات على نحو بالغ. على سبيل المثال، شنت روسيا موجة

تشويش ضد أجهزة استقبال نظام التموضع العالمي (جي بي إس) داخل أوكرانيا،

بينما شنت الصين حملة قرصنة ضد الأقمار الصناعية الأميركية المرتبطة برصد

حالة الطقس. وبالمثل، مارست كوريا الشمالية التشويش على الإشارات فوق

المنطقة الحدودية منزوعة السلاح مع جارتها الجنوبية.

من ناحية أخرى، فإن ثمة تكدساً متزايداً في أعداد الأقمار الصناعية حول

الأرض. وتكشف الإحصاءات الصادرة عن «اتحاد العلماء القلقين» (يونيون أوف

كونسيرند ساينتستس) أنه بحلول منتصف عام 2016 كان هناك 1419 قمراً صناعياً

تدور حول الأرض، بينها 576 من الولايات المتحدة و181 من الصين و140 من

روسيا. ويوجد أكثر من نصف هذه الأقمار في المدار الأرضي المنخفض، بينما

ينتمي الباقي إلى مدار جغرافي ثابت، على بعد نحو 22000 ميل من الأرض.

ويرتبط قرابة 350 قمراً صناعياً منها، أي نحو 25 في المائة من الإجمالي،

باستخدامات عسكرية. وفي الوقت الراهن، تملك 12 دولة على الأقل القدرة على

إطلاق أقمار صناعية إلى الفضاء.

المعروف أن حروب الفضاء كانت من الموضوعات الرئيسية التي تناولتها أفلام

الخيال العلمي على امتداد عقود. بيد أنه على أرض الواقع، جرى تحجيم المخاوف

المرتبطة بها من خلال إقرار معاهدة الفضاء الخارجي عام 1967، التي حظرت

استخدام أسلحة نووية هناك. إلا أنها لم تحظر استخدام الأسلحة التقليدية في

الفضاء، وبالفعل شرعت روسيا في أول برنامج لها للأسلحة المضادة للأقمار

الصناعية عام 1961، تبعاً لما كشف عنه الخبير البارز، بريان ويدين، من

«مؤسسة العالم الأمن» (سيكيور وورلد فاونديشن).

بعد انتهاء الحرب الباردة، تراجعت المخاوف حيال اندلاع مواجهة في الفضاء.

إلا أن صيحة تنبيه مدوية انطلقت متمثلة في إجراء الصين اختباراً عام 2007

لصاروخ مضاد للأقمار الصناعية (خلف الاختبار أكثر من 3000 شظية خطيرة).

والآن، بلغ إجمالي عدد الاختبارات التي أجراها الصينيون 8 لصواريخ مضادة

للأقمار الصناعية، حسبما أضاف ويدين. كما استأنفت روسيا إجراءها لاختبارات

مشابهة. ومن المعتقد كذلك أن الولايات المتحدة تملك صواريخ مضادة للأقمار

الصناعية في إطار منظومتها الدفاعية الصاروخية.

في الوقت الراهن، تتركز مخاوف البنتاغون أكثر على الهجمات المتعلقة

بالأقمار الصناعية عن الأخرى الإلكترونية، خصوصاً أن الأقمار الصناعية من

الممكن استغلالها أجهزة تشويش ضد أقمار صناعية أخرى. وبمقدور الأنظمة

الأرضية بالفعل خلق فقاعات إلكترونية لإعاقة إشارات الـ«جي بي إس». وقد لجأ

الروس إلى هذه التكنولوجيا بهدف إعاقة طائرة دون طيار أوكرانية عام 2014،

تبعاً لتقرير صادر عن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أشار إليه ويدين.

مما سبق يتضح أن إبقاء أنظمة الفضاء آمنة أمر يحمل أهمية محورية لكوكبنا

بأسره، لكن على أرض الواقع تتشتت هذه المسؤولية فيما بين مجموعة مختلطة

ومتعارضة من المؤسسات. والأسوأ من ذلك، أن المؤسسات العسكرية

والاستخباراتية تحدثت بالكاد إلى بعضها بعضاً على مدار عقود حول هذه القضية.

إلا أنه العام الماضي، أنشأت القوات الجوية مركزاً للعمليات الفضائية

المشتركة من المنتظر أن يضم قريباً نحو 200 ممثل يتولون تنسيق العمليات

المرتبطة بالفضاء عبر مجموعة واسعة من الوكالات.

ومع ذلك، لا تزال جهود الربط مع مستخدمي الفضاء من القطاع الخاص بدائية.

جدير بالذكر أن «خلية دمج تجاري» داخل مركز العمليات الفضائية المشتركة

التابع للقوات الجوية (وهو كيان منفصل) تعمل مع 6 شركات كبرى. وتتشارك

غالبية الشركات التجارية في البيانات المرتبطة بمواقع أقمارها الصناعية عبر

«اتحاد بيانات الفضاء»، الذي يوجد مقره في جزيرة مان. في تلك الأثناء، تبدو

إدارة الطيران الفيدرالية حريصة على توسيع نطاق إشرافها على الرحلات الجوية

التجارية إلى النشاطات الفضائية، حسبما أفادت مارسيا سميث من موقع «سبيس

بوليسي أونلاين».

وتبدو الولايات المتحدة أكثر حذراً حيال التشارك في أسرارها الفضائية عن

الاستخبارات المرتبطة بالاتصالات الخاصة بها. ولا توجد حتى هذه اللحظة

شراكة على غرار تحالف «الأعين الخمس» الاستخباراتي، إلا أن بريطانيا

وأستراليا وكندا تعكف على بناء مراكز للعمليات الفضائية لديها، الأمر الذي

قد يسمح ذات يوم بالتشارك في البيانات مع وحدة تابعة للقوات الجوية تأسست

منذ 11 عاماً.

الحقيقة أن المدارات يمكن تغييرها والمجسات يمكن تعطيلها، والبيانات يمكن

التلاعب بها، ويمكن للحقائق أن تصبح هشة في الفضاء بقدر ما هي هشة على

الأرض، إذا لم نوفر الحماية المناسبة للبيانات. إلا أن هذا يتطلب أولاً من

الجهات المعنية بالفضاء المرتابة حيال بعضها الحديث إلى بعضها بعضاً.

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط

loading...