قال: نحن شعب أحلامه أكبر من إمكانياته

أحمد مراد: المشكلة فى مصر أننا نعيش حالة جشع وجوع رهيب

فن وثقافة

الأربعاء, 13 سبتمبر 2017 20:11
أحمد مراد: المشكلة فى مصر أننا نعيش حالة جشع وجوع رهيباحمد مراد
حوار: دينا دياب

«الأصليين» طريقة جيدة لتقليب الأفكار

الإنسان الذى يقف مكانه يتوفى

نجيب محفوظ مثلى الأعلى فى الكتابة

 

أثار فيلم «الأصليين» جدلًا واسعًا فى الأوساط السينمائية، فهو عمل، كما وصفوه، خارج الصندوق، يسعى بشكل أساسى للبحث فى عقول وأصول الإنسان، ويكشف عالماً خفياً فى حياة كل شخص قبل على نفسه أن يعيش مفعولاً به دائماً، من خلال أسرة روتينية نمطية بحتة كشف المؤلف أحمد مراد أزمة حقيقية يعيشها المجتمع المصرى، وهى الانغلاق داخل الواقع ما جعل الفرد المصرى يعيش فى شرنقة لا يعرف بدايتها من نهايتها. ويخرج المشاهد من الفيلم ليبحث عن منظور جديد لحياته ليكون مثل بطل الفيلم الذى قرر الثورة على حياته وخلق حياة جديدة فى الصحراء رغم رفع الفيلم من قاعات العرض، فإنه ما زال مثيرًا للجدل بفكرته.. حاورنا الكاتب أحمد مراد عن ثورته داخل هذا الفيلم وكواليس كتابته ورؤيته فى كتابه أعماله ليصبح كاتب البوكر فى سن صغيرة.. فقال:

> فى البداية سألته.. ما رسالتك من الفيلم؟

- الفيلم بالنسبة لى هى طريقة جيدة لتقليب الأفكار، لخلق حالة جدل، لأننى مؤمن بأن الفيلم الذى نشاهده ونخرج منه ننساه لا يعيش على الإطلاق، لكن من وجهة نظرى أن الفيلم الذى يجعلنا نقلب أفكارنا ويجعلنا نتساءل ما الموجود فى حياتنا يشبه هذه الأحداث، هذه النوعية من الأفلام نحن فى مصر لم نتعود عليها، الفيلم يتحدث عن الشخصية النمطية البسيطة، البطل ليس مغوارًا ولا شخصاً خارقاً للعادة، لكنه إنسان بسيط كل صفة من صفاته فيها جزء من شخص فينا، كل سيده ترى زوجها، مثل بطل الفيلم وترى أبناءها مثلهم، المقصود أننا نشاهد بنى آدم داجناً أصبح مستهلكاً فقط، ويستهلك من أسرته.

> ماذا عن ردود الفعل التى جاءت حول الفيلم بأنه غير مفهوم لبعض الناس؟

- لا يوجد منتج فى الحياة مفهوم مائة بالمائة، وقصدت وأنا أكتب الفيلم أن كل الناس لن تفهمه لأن العالم طبقات، كل شخص يبحث فى الفيلم عما يرتبط بنفسه، وأنا أفضل أن أقدم فيلماً عليه جدل أفضل من فيلم يجمع إيرادات ولا يقدم أى شىء، السينما الممتعة مفتوحة فيها متعة بعيدًا عن فكر الإنسان التقليدى، المشاهد يحتاج لتفكير، وخرج المشاهد من الفيلم بالبحث عن «الأصليين» فى حياته، ومن هم، ونهايته أن على الجميع أن يبحث.

> ماذا قصدت بتعبير التدجين؟

- هناك تدجين حادث فى المجتمع بشكل كبير وواضح، نحن مجتمع يهرس فى الكائنات الموجود فيه اقتصاديًا واجتماعيًا ونفسيًا ودينيًا يحوله إلى إنسان لا يستطيع التفكير، ولكن المجرم الأساسى فى هذا الأمر هو الإنسان نفسه، من يدخل هذا المربع ويعيش منغلقاً، الكل سمح لنفسه بالتعايش فى الثلاجة وبعدها يوقع الخطأ على المجتمع والسلطة، وكل من يراه سببًا فى هذا التدجين، لكن الكثيرين لا يركزون إلا فى الاستهلاك يقضى اليوم كما هو ما يشغلهم فقط الطعام والاستهلاك، لا يفكر أبدًا ماذا بعد، وبالتالى تنتهى حياته دون أن يحدث «بصمة».

> هل ترى أن التدجين السياسى أصبح واضحاً بشكل كبير فى المجتمع المصرى فى الآونة الأخيرة؟

- التدجين نتيجة للوضع الحالى، الوضع الاقتصادى لسنا مجبرين عليه، لكننا خلقناه لأنفسنا، نحن من الشعوب التى تنظر لبعضها، لو شاهدنا كيف يعيش الفرد فى المجتمع الأوروبى نراه يعيش بما يسمح له، يشترى موزة أو برتقالة، يرتدى تى شيرت واحد يمسك موبايل، ولا ينتظر أن يغيره طوال الوقت لأنه نتج عنه ما هو أحدث، لكن المشكلة فى مصر أننا نعيش حالة جشع، وجوع رهيب، دائماً ننظر لما هو أعلى ولا نكتفى بما نعيش فيه نحن نحارب أنفسنا ونعلى على أنفسنا الطموح، نحن نخلق المشكلة الأصلية، نفس الوضع يحدث على المستوى السياسى كلنا نحمل أنفسنا مشكلة عدم الوعى ما يجعل أى شخص فى العالم يأخذ الأمور بتفاهة، ويحمل من أمامه الخطأ، والكل يفكر بمنطق إذا توليت منصباً معيناً سأفعل وأفعل، نحن شعب للأسف حالم، أحلامه كبيرة على إمكانياته، لكن الحياة البسيطة غير موجودة، المنظرة جزء أساسى من حياتنا.

> «الآلهة ماعت» «زهرة اللوتس»، وغيرهما.. لماذا لجأت للرمزية؟

- أنا لا أقدم فى أعمالى ما هو دارج فى مجتمعنا، ولكن أقدم الأشياء التى لا يعرفها المجتمع ليتعلمها ويبحث عنها، وأعتقد أن هذا دور أساسى من أدوار الفن، نحن نملك حضارة، تمهد أننا أول إنسان وضع فكرة الضمير فى العالم، اخترت فكرة ماعت لأنها رمز العدل والرحمة التى نطالب بها، وزهرة اللوتس التى كشفت أنها تحمل معانى كثيرة وتفتح مجالات كثيرة وقلت إنها ليس مخدراً، كما هو متداول لكنها تبعث بحالة من الهدوء يساعد على تركيز الوعى الجمعى الخاص بالإنسان فى تجميع خبراته.

> بطل الفيلم مولع بجمع الصحف القديمة.. لماذا اخترت هذه الوسيلة للتعبير عن العودة للماضى؟

- بطل الفيلم يحب شراء الصحف القديمة، ولكنه للأسف لا يقرؤها مثل كثيرين فى المجتمع المصرى، لديهم الكتب والصحف لكنهم لا يقرأونها على الإطلاق، وزوجته فى الفيلم عاتبته على ذلك، وقالت له: «بتشترى صحف قديمة.. يا ريتك بتقراها»، تاريخ وحضارة مصر موجودة فى الكتب والصحف، لكننا للأسف لدينا عزوف غريب عن القراءة، حتى المقالات الكبيرة نرفض قراءتها حتى لو كانت لأعظم الكتاب، لذلك اخترت هذا الرمز ومثلت من خلاله عودة الوعى للشخصية عندما عاد بطل الفيلم لغرفته وأخرج الصحف وعرف أن قصة بهية التى كان يسمع أنها بطلة ما هى إلا كذبة كبرى فى حياته، وحياته مليئة بحوادث كثيرة مشوهة تبعاً لنقل الحدث من شخص لآخر، والحقيقة دائمًا غائبة.

> هل ترى أن تلك الشخصية النمطية تمثل عدداً كبيراً فى المجتمع المصرى؟

- هناك فئة كبيرة فى المجتمع المصرى تعيش حياتها فى روتين لا تقرأ، كم شخصاً تزوج وفى كل يوم يفعل ما يفعله، لا يوجد أبداً خروج على النمط، الجميع مستهلك، يقوم بطقوس معينة، لذلك عندما ظهرت فى حياة بطل الفيلم شخصية مثل «ثريا جلال» - منه شلبى - شعر بأنها التطوير بالنسبة له، ذهب ليحضر ندواتها ويقرأ كتابًا بسببها، وجدها غريبة ومستفزة لنمطيته، شقتها غريبة فى الديكور سقفها عال، لديها خصوصية هو محروم منها فى منزله، تقول لوالدتها إنها ترفض الزواج لأن هناك ما هو أحلى منه، الشخصية الأخرى بالنسبة له كانت خيالاً، وهذا ما جعله يثور على واقعه.

لماذا ربطت مراحل التحول فى حياة بطل الفيلم بـ«آراب جو تالنت»؟

سمير منذ بداية الفيلم يشاهد «أراب جو تالنت» لأن النمط لدينا الآن أننا نرى نهايات الأشياء، بمعنى أننا نرى ممثلاً أو نجماً أو كاتباً نشعر بأنه ولد بهذا المستوى لا نعرف ماذا كانت خلفيته وكيف تعب حتى يصل لهذه المرحلة من النجومية ونقيس على ذلك كل شىء.

عام 2007 كتبت رواية فيرتيجو للسينما، فتحولت لمسلسل، والآن كتبت الأصليين بعد 10 سنوات كفيلم سينمائى.. ماذا تغير فى مستوى أحمد مراد الكتابى؟

ذاكرت كثيرًا وعملت على نفسى، تفكيرى تغير، الإنسان الذى يقف مكانه يتوفى، ظللت أذاكر كتابة السيناريو، وذاكرت اللغة العربية مذاكرة حقيقية لمدة عامين، بجانب الكتابة حتى أكتب رواية «أرض الآله» بلغة مختلفة، بدأت أكتب تجاربى بشكل متخصص، حتى أسير على أسس فنية صحيحة، لأن مسئوليتى كبيرة مع تزايد كم الجمهور الذى يقرأ لى، وإذا خسرتهم أو ظللت مكانى، فلن يقرأ لى أحد، فإذا أردت أن تكون لى شخصية مبدعة ومختلفة أعمل كثيرًا فى الوقت الذى ينام فيه الناس، الناس تقوم بأشياء تافهة، لكن لا بد أن يدفع الإنسان ثمناً غالياً حتى يكون مميزاً وهذا لا يحدث بسهولة، الكتابة مثل سيف الساموراى، يتم سنّه كثيرًا حتى يكون مثل الحرير لكن بمرور الوقت يبرد ولا بد أن «نسنه» مرة أخرى، لذا كلما أردت أن أكون مختلفًا أعمل أكثر.

> لماذا تصر فى كتاباتك على التركيز على التاريخ الفرعونى؟

- أنا لم أقدم كل شىء عن التاريخ الفرعونى، فأنا أكره النمط، أكره أن أكون كاتباً فى منطقه بعينها، أنا مؤمن بالتغيير كل واحد يكتب فى الشىء الذى يحبه، أنا شغوف بالحياة الفرعونية، وعندما أقرر الكتابة أبحث عن موضوع أشتاق لقراءته، ولكنى لا أجد كتاباً أقرأه فيه، مثلما فعلت فى الفيل الأزرق. موضوع مستهلك، لكنى قدمته بشكل لم يقدم من قبل.

> ما مشروعك ككاتب؟

- أبحث فى كتاباتى عن المتعة، أحاول أخذ القارئ معى إلى عالم جديد ويعود شخصاً آخر، يصنع له حالة معينة، تغيره وتحوله، نحن نفتقد الخيال وكما قال أينشتاين «الخيال أقوى من المعرفة»، ونحن لدينا أزمة حقيقية فى مصر أننا دائمًا نقف عند مرحلة معينة ولا نتطور بعدها.

أحلم بسينما عالمية مصرية وشعب القراءة لديه عادة مذهلة لديه كتاب فى كل مكان يقرأ تاريخه ولا يضيع وقته نحن نخلق حلمنا القومى ونبحث عنه.

> هل ترى أن الدولة تفتقد للمشروع القومى الآن؟

- لم يكن هناك مشروع للدولة منذ فترة، منذ مشروع القومية العربية والاستقلال والدولة تعيش دون مشروع قومى، والفرد تطور إلى الخروج من الاحتلال، غياب المشروع القومى ليس حقيقياً، لأن هناك مشاريع قومية حقيقية موجودة، لكننا لا نتعامل معها، ليس لدينا إحساس بأنها تخصنا، كل مشروع موجود هو مشروع قومى، أن تقدم سينما جيدة، فهذا مشروع قومى للسينمائيين، أن نعيد قوة مصر الناعمة، ونقيس على ذلك كل المشروعات فى مصر، نحن الآن لا نقف أمام عدو واحد بمشروع قومى لأن عدونا ليس واضحاً، هناك عدو خارجى وعدو داخلى وعدو خفى، لا يوجد مشروع قومى ننتج فيه، أهم من «كيف نكون بنى آدمين» ونتخطى المرحلة التى نعيشها دون حنجورية زائفة، ليس وجود مشروع قومى واحد كاف أن نختار فرداً ونجتمع حوله، لكننا نحتاج أن نتعلم نعيش.

> رؤيتك للمجتمع المصرى تؤكد أن الإنسان ضحية؟

- نحن ضحية لتقاليدنا وضحية للمجتمع الذى نعيش فيه للتشوه السياسى الحادث فى المجتمع وضحية احتلال، نحن نتاج آلاف السنين تربينا على عقد كثيرة، أفكارنا كلها جاءت من أسرنا ومشايخنا، لا بد أن نحاول أن نفك المجتمع، نحن نعانى من زحمة شديدة، زخم فى الحياة، وإدراك المرض أولى مراحل العلاج.

> ما الجديد لديك؟

- انتهيت من كتابة رواية، وسنبدأ تصوير فيلم «تراب الماس» قريبًا بطولة آسر ياسين.

> هناك انتقادات كثيرة لك من كبار الكتاب يتهمونك بتركيك الكتابة؟

- الكتابة منهج لا أحد يستطيع أن يقول إن أحداً يكتب، وآخر لا يكتب، وعلى مدار السنوات هناك زخم من الكتابة لكن مَن مِن الكتاب صعد، جيل نجيب محفوظ وطه حسين وغيره وإحسان عبدالقدوس كان وقتها كتاب كثيرون، لكن من يصعد ويبقى هذا هو السؤال، نحن كشعب غير مستوعبين أن الأدب يمكن أن يتطور، الموضوعات القديمة التى كانت وقتها تمثل مجتمعاً لا يمكن تمثل مجتمعاً الآن، أصبحنا مجتمعاً متغيراً، لذلك لا بد أن نعرف أن الكتابة أيضًا تغيرت، كتابة العصر الآن مختلفة، طه حسين قال لنجيب محفوظ فى أحد لقاءاتهما المصورة أنتم لا تكتبون وكتابتكم ركيكة، لذلك المستقبل أكبر شاهد على كل شىء.

> سر خلطتك ككاتب؟

- أعتقد أن الناس تقرأ لى لأننى شخص ملول لا أحب التكرار، وأكره الملل فى الكتابة، أحب أن أكتب دائمًا بشغف، ومن يقرأ أعمالى يسمعها ويشاهدها فى خياله، وحبى للسينما بحكم عملى مصوراً فى أفلام أيام السادات مع أحمد زكى، ومواطن ومخبر وحرامى، وأسرار بنات، وكرسى فى الكلوب، جعلتنى أركز على الصورة أكثر من الكلام، لكن فى النهاية أنا كمنتج لا أشعر بالاكتمال فى أى عمل أكتبه، أنا حصلت على البوكر وبعدها قررت أن اكتب عملاً لا علاقة له بما قبله، لأننى أسعى للدخول للخيال.

> تحولك من مصور لكاتب، كان سبب اختيار أولى رواياتك عن عالم التصوير؟

- أول رواية للكاتب دائمًا ما يستند فيها للعالم الذى يعرفه، بالإضافة إلى أن التصوير والكتابه مترابطان جدًا لذلك كتبت «فرتيجو» عن أعلام التصوير، لأن التصوير يعلمنى أن أشاهد اللقطات الصغيرة، والكل يكمل بعضه، لم أبتعد عن التصوير دقيقة واحدة فى حياتى فهو بالنسبة لى موهبة ورياضة أقوم به بأريحية شديدة، ولكنى من الصعب أن أصور أحد افلامى لأننى لست أفضل مدير تصوير فى مجالى وعادة العمل الفنى هو ابنى، يهمنى أن العمل يخرج بالشكل المميز أفضل من أن أقوم بكل شىء فى الفيلم.

> يقال إنك ابن النظام؟

- عملت مصوراً بالرئاسة لمدة 10 سنوات، وفى الأساس أصولى صحفية، عام 2007 وحتى 2010 كتبت فيرتيجو وتراب الماس هاجمت فيهما الدولة، ورغم ذلك أنا أقول كلنا أبناء الدولة، ولا ألتفت لما يقال.

> من مثلك الأعلى؟

- كل شخص أجد به صفه تعجبنى آخذها، الأنبياء لدى فيهم مثل كبير، أما فى الكُتاب أرى نجيب محفوظ مشروعاً متكاملاً، رجلاً ظل يكتب حتى مات وختم حياته بأحلام فترة النقاهة، عصارة التجربة ظهرت حتى نهايته، فهو أديب لم يمت، وكان خارقاً فى كتاباته، وظل يعيش حتى الآن، فإذا أردت أن ترى مدرسة، فهو أكبر نموذج.

أهم الاخبار