«عشا الغلابة» عليكى يا حكومة.. 3٫5 مليون مواطن بطونهم خاوية

تحقيقات وحـوارات

الجمعة, 17 فبراير 2017 19:05
«عشا الغلابة» عليكى يا حكومة.. 3٫5 مليون مواطن بطونهم خاوية
تحقيق: رحمة محمود واشراف سامي صبري

«بيومى» سائق أتوبيس يكتفى بالإفطار والغداء.. ويوفر الطعام لأولاده

«اعتماد»: بناكل عيش مطحون.. وفراخ ميتة

«حسنات»: عايشين على الخضار بواقى البيع

«سعدية» وأسرتها تعيش بـ 50 جنيهاً فى اليوم

«محدش بينام من غير عشا».. مثلُ قديم من المسلمات لدى المصريين، يعتقدون أنه لا يمكن أن ينام أى فرد دون أن يأكل، ولكن مع الارتفاع الجنونى للأسعار وفشل الحكومة فى حل الأزمات، أصبح هذا المثل غير ملائم، وكثير من المواطنين ينامون «من غير عشا».

فحتى اللقمة البسيطة التى كانت تلجأ إليها الأسر الفقيرة لكى لا تنام وبطونها خاوية، أصبحت تكلفة الوجبة الرخيصة ما بين 10 و12 جنيهاً، فلا شىء الآن يكسر صرخات البطون.

وطبقاً لجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء فإن 27.8% من المصريين فقراء ولا يستطيعوا الوفاء باحتياجاتهم الأساسية من الغذاء وحوالى 3.5 مليون ينامون «من غير عشا».

«الوفد» رصدت تأثير غلاء الأسعار على عدة أسر مصرية، والأعباء الإضافية التى يتحملونها، وقدرة الموظف البسيط على الصمود حتى نهاية الشهر.

البداية مع «عم بيومى» 52 عاماً، أب لثلاثة أطفال، ويعمل سائق أتوبيس بخط «إمبابة – الإمام الشافعى» بمنطقة إمبابة منذ 15 عاماً.

يقضى «بيومى» معظم يومه فى الموقف المخصص لركن الأتوبيسات، ويستيقظ الساعة 7 صباحاً ويبداً عمله 12 ظهراً ويستمر حتى الساعة 2 صباحاً.

يكتفى «بيومى» بتناول وجبة الغداء يومياً فى الموقف.. أما وجبة العشاء فيستغنى عنها توفيراً للنفقات، مضيفاً: «الواحد مش هيموت إذا نام من غير عشا.. بس المهم أوفر علشان أولادى تعيش، إن شا الله حتى آكل وجبة واحدة كفاية.. الحمد لله».

الابنة الوحيدة لعم بيومى فى الصف الثالث الثانوى، تكلفة دروسها التى تتلقاها فى مركز خاص أكثر من تكلفة دروس أخيها الأصغر، فهى تدفع 80 جنيهًا للمادة الواحدة شهرياً، مصروفها اليومى لا يتجاوز 3 جنيهات، أما الابن الأصغر فما زال بالصف الثانى الإعدادى، ويتلقى بدوره دروساً خصوصية فى نفس المركز الذى تذهب إليه أخته، لكن بأسعار أقل، حيث تكلف المادة 60 جنيهاً شهرياً، وهو مثله مثل أشقائه لا يذهب للمدرسة كثيراً، أما الابن الأكبر فيحمل شهادة دبلوم صنايع ويعمل فى إحدى ورش التصنيع لمساعدة أسرته.

ويشير «بيومى» إلى أنه أحياناً يتناول وجبة الإفطار فى المنزل، ولكن معظم الأحيان يستغنى عن هذه الوجبة مكتفياً بالغداء.. وأكد أنه ينفق ثلثى مرتبه على المأكل فقط قائلاً: «عندى ثلاثة أولاد وبنت واحدة، مصروف البيت حوالى 1200 جنيه شهرياً للأكل والشرب فقط، هذا بخلاف أنى وأنا مروح أجيب احتياجات للبيت».

أما المصروف الشخصى لبيومى فلا يتعدى 25 جنيهاً، تمثل تكلفة المواصلات والغداء، وأحياناً ينفق فقط 20 جنيهاً لتوفير مصاريف البيت والأولاد، والتى أغلبها على حد قوله: «بيروح فى المواصلات والدروس الخصوصية».

رغم معيشته الصعبة وظروفه القاسية، حاله مثل باقى الموظفين الذين لا يأتى منتصف الشهر عليهم إلا ومرتباتهم نفدت.. مما يضطرهم إلى الاستدانة لكى يستطيعوا استكمال الشهر وتوفير احتياجاتهم، إلا أنه يحمد الله على حالته، ويؤكد أنه فى نعمة كبيرة مقارنة ببعض معارفه وجيرانه، بقوله: «أنا ظروفى أحسن من غيرى، بعض الناس بتقبض باليومية، بياخدوا 11 جنيهاً فى اليوم وعندهم عيال وبيدفعوا إيجارا، على الأقل أنا بيتى ملكى ومش بدفع إيجار».

ويحكى «بيومى» أن تكاليف العلاج حال مرض أحد أفراد العائلة مشكلة كبيرة، خصوصاً أنه لا يعتمد على التأمين الصحى.. ويقول: «بنخاف نروح من الإهمال اللى فيه، ولما حد فينا يتعب بنروح لعيادة خاصة، وأنا بحاول أحوش مبلغ من الأرباح احتياطى لو حصلت ظروف زى دى».

وعن الارتفاع المستمر فى الأسعار، يقول: «ربنا يتولانا مش عرفين نعيش حياتنا.. الجبنة البيضاء وصل سعرها إلى 28 جنيهاً للكيلو، وحتى الفراخ اللى تعتبر بديل اللحمة زاد سعرها، ده غير المواصلات اللى زادت، علاوة على فاتورة الكهرباء، والحد الأدنى لها 120 جنيهاً شهرياً، وأنابيب الغاز، ومتوسط استهلاكنا أنبوبتان فى الشهر يعنى التكلفة 90 جنيهاً».

ويضيف «بيومى»: «بحاول أستر البيت وأوفر احتياجات أولادى على قدر الإمكان»، مشيراً إلى أنه يقوم بتقسيم مصروف البيت حسب الأولويات، مثلاً بسبب صعوبة الحصول على الخبز البلدى، يضطر للجوء إلى المخابز الخاصة، والتى تبيع الرغيف بخمسين قرشاً، وأحياناً تعوض زوجته العجز فى الخبز بطبخ الأرز أو المكرونة.

فى منطقة الدويقة بالقاهرة تسكن العديد من الأسر الفقيرة التى تجد بالكاد مصاريف للإنفاق علي وجبة الغدا.. أما العشاء فليس من الضروريات.

من هذه الأسر، امرأة اسمها «اعتماد» تعيش مع ابنتها التى لا يتجاوز عمرها حوالى 5 سنوات فى «عيشة» بسيطة فراشها بطانية ومخدة وباجور. 

تقول «اعتماد»: صبرنا على الذل والفقر وعلى تشابه أيامنا بعضها ببعض وعلى عدم القدرة على الحلم لكن كيف نصمت على الجوع؟

بهذه الكلمات تعبر «اعتماد» 40 عاماً عن رحلة عذابها اليومية.

وتشير إلى أنها عاشت هى وابنتها بمفردهما بعدما توفى زوجها، الذى كان عاملاً باليومية، فلا مصدر رزق لهما إلا بعملها فى البيوت والإحسان الذى تتلقاه من أهل الخير.

وأكدت أن الحياة أصبحت غالية ولا تستطيع أن توفر قوت يومها رغم أنهما اثنتان.. وتساءلت: «أومال بقى لو عيلة هنعمل إيه؟.. ربنا يرحمنا، الفول أصبح الكيلو بـ 10 جنيهات.. العدس بـ 28 جنيهاً، زجاجة الزيت العادى ب15جنيه»!

وتضيف: «صبرنا على الذل فى طابور العيش.. وقضينا نصف عمرنا علشان رغيف عيش رخيص.. ولكن فى النهاية لم نحصل عليه».

وعن الطعام الذى تتناوله هى وطفلتها، قالت: «إن وجبة الإفطار عبارة عن بقايا العيش البلدى وتتم إضافة قليل من الماء مع استمرار التقليب والدعك حتى يصبح مثل الطحينة تماماً.. ويوضع عليه بعض الملح والبهارات اللازمة ويتم تغميسه بالعيش.. يعنى عيش.. يغمس بعيش»!

أما فى الغداء، وهى أغلى الوجبات وأصبحت ترفاً، فتلجأ «اعتماد» إلى شراء الفراخ النافقة الميتة من عند تجار الفراخ الذين يبيعون الدجاجة بـ 4 و5 جنيهات، بعد أن تعدى ثمن الدجاجة الواحدة 70 جنيهاً، وأحياناً نشترى أرجل الفراخ وعمل خضار وشوربة عليها.. حتى نجد «مناب» نمسكه فى أيدينا حتى ولو كان رجل فرخة.. أما بقى العشاء مش بيدخل بيتنا أبداً.. والحمد لله على كده.

وتضيف: «يعنى هناكل إيه غير كده قرص الطعمية بـ 50 قرشاً، وساندويتش الفول بـ 200 قرش، ولا يكفى شخصين».

وتختتم حديثها قائلة: «إحنا ما ينفعش نعيش غير بكده، وتعالى نحسبها.. مرتبنا 150 جنيها فى الشهر.. وإحنا أسرة محدودة ومش عارفين نأكل ونشرب ونسكن ونركب مواصلات ونلبس ونعالج أولادنا وندفع كهرباء فى ظل هذه الأسعار، نعمل إيه؟.. نفسنا الحكومة تحس شوية بالغلابة، ولا تقترب من قوتهم وأكل عيشهم».

ولا يختلف حال «حسنات» المرأة العجوز التى بلغت 70 عاماً، عن جارتها «اعتماد».. فهى تعيش بمفردها، وتعتمد على إعانات أولاد الحلال لكى تستطيع شراء ما يلزمها من الأكل، وتشير إلى أنها تذهب إلى سوق الخضار وتشترى الخضار التالف والذى يضعه البائع عادة أسفل قدميه.. تأخذه وتقوم بغليه ثم تخلطه، ويصبح بذلك مثل شوربة الخضار تأكلها فى الثلاث وجبات.

أما «إبراهيم» 50 عاماً، فقصته تحمل نفس المعالم المأساوية، حيث يعيش بمفرده فى عشة لا تحوى إلا مخدة وبطانية أرسلها له أولاد الحلال.

العيش الحاف هو وجبته فى الإفطار والغداء.. أما فى العشاء فيكتفى بشرب المياه وينام على هذه الحال، خصوصاً أنه رجل كفيف لا يستطيع العمل، لذلك يحمد الله على ما يرسله الناس إليه من إعانات لكى يستطيع البقاء على قيد الحياة.

نفس الحياة الصعبة تعانى منها «الحاجة سعدية»، عجوز فى أواخر الستينيات، تجلس بوجه يظهر عليه علامات الحزن والكآبة على «عتبة» منزلهم البسيط المكون من حجرة وحمام وصالة يوجد بها المطبخ، تعيش مع ابنها وأسرته.

تقول «سعدية»: «أعيش أنا وأسرتى المكونة من ابنى وزوجته وخمسة أحفاد، فى هذا المنزل البسيط بمنطقة الدويقة منذ 10 سنوات، وكثيراً ما تطفح مياه المجارى من أسفل الغرفة مما جعلنا معرضين للأوبئة والأمراض والسلم فى المنزل الذى نسكنه انهار مرتين، علاوة على الشروخ الموجودة بالمنزل المعرض للانهيار على رؤوسنا فى أى لحظة».

وتضيف: «تحملنا العيشة الصعبة اللى إحنا فيها، وأتكومنا كلنا فى غرفة واحدة، بس إحنا مش عارفين نستحمل غلاء المعيشة، فابنى عامل ياليومية، والـ 50 جنيهاً اللى بياخدها ما بتكفيش أكل».

وأضافت: «نحاول نعيش بالعافية، وقللنا الخضار، ومنعنا اللحوم نهائياً، ونصف كيلو اللحمة لن يكفى أفراد أسرتنا».

وتمنت «سعدية» أن تزيل الحكومة نار الغلاء عن محدودى الدخل، وتوفر حلولاً شرعية لهم تمكنهم من مواصلة العيش، لأن جميع الحلول المشروعة لم تعد كافية لأصحاب الدخل المحدود، مع تضخم غول الأسعار يوماً بعد يوم.

ولم تكد «سعدية» تنهى حديثها، حتى تدخل ابنها «محمود» قائلاً: «كل الناس شايفة حال الدويقة من بيوت وعشش، والناس هنا تعبانة والحالة صعبة، نفسنا بس فى مكان حلو يكون فيه خدمات ومستشفى ومدارس للأطفال، وشغل للشباب، نفسى فى شقة علشان نربى فيها العيال، ومن يوم سقوط الصخور، وإحنا بنسمع وعود من زمان، ومن حقنا نعيش زى باقى الناس اللى عايشة كويس».

وأضاف «محمود»: «إن الأهالى فى هذه المنطقة معدومو الدخل، ويعملون على باب الله، وليس بينهم موظف».. مضيفاً: «يا ريت يكون فيه اهتمام بينا، حرايق كتير بتحصل فى المنطقة بسبب الماس الكهربائى لان كل الأسلاك مركبة بطريقة عشوائية.. بس مفيش حد بيهتم طبعاً».

وقال محمود بمرارة: «من ساعة ما قامت الحكومة بتعويم الجنيه والبلد حالها اتغير، ومبقاش فى بركة فى أى شىء، حتى رغيف العيش.. لا يكفى شخصا واحدا، نعمل إيه فى الزمن اللى مش عارف أأكل عيالى، وبتألم لما يكون نفسهم فى حاجة ومقدرش أجيبها، بتحرق من جوايا، ولكن هعمل إيه؟.. الإيد قصيرة.. ويوميتى يا دووب تكفى وجبة الإفطار والغداء، أما العشاء بقى من الرفاهيات».

 

 

loading...

أهم الاخبار