بلا مأوى.. أو لا يملكون ثمن العودة لبيوتهم أو.. أصحاب وجهة نظر

النائمون فى الشوارع: إحنا مش مجانين!!!

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 11 يناير 2017 17:55
النائمون فى الشوارع: إحنا مش مجانين!!!
كتبت : نادية صبحي - تصوير: محمد طلعت

وراء كل مواطن أسلم جسده لركن فى شارع أو كوبرى أو نفق، حلم ليس دائماً «أربع حيطان وسقف» ولكن مجرد بطانية قديمة موصولة من «قصاقيص الدفيانين».. صحيح هم نائمون فى «ملك الحكومة» لكن أحدهم يود لو يقبل يد أصغر مسئول فى البلد ليوفر له الحد الأدنى من الستر بدلاً من النوم فى الشارع عرضة لكل الناظرين المتعاطفين منهم و«المشمئزين»، المشفقين عليهم والساخطين.

قد تعتقد مثلما كنا نعتقد أن المجانين فقط ينامون فى الشوارع لكن عندما تقترب وتوقظ من جاءه النوم فى «عز الضجيج» والصقيع تكتشف حكايات لمواطنين محترمين وبعضهم أبطال لقصص كفاح موجعة. باستثناء شخص ملفوف فى بطانية متهالكة ومتسخة فى عرض الرصيف بشارع التحرير بالدقى. هو من بين أربع حالات رصدناها فى أقل من ساعة بشوارع القاهرة فى بداية النهار. هذا الشخص كان من الواضح أنه يعانى اضطراباً ما وذلك من ملابسه ومظهره الذى تتبينه بصعوبة من خلف طبقات من القاذورات كما حذرنا منه أهل المنطقة لأنه كما قال صاحب مقهى بالشارع «غلبان ومش دارى بالدنيا. لكن هل ينفى هذا عن الرجل صفته الآدمية التى تستوجب رعايته وأمثاله من شر الطريق»؟ ألا يعانى البرد القارس فى ليل الشتاء أم تحسبه حكومتنا فاقد الإحساس؟.. من حق هذا الشخص أن يودع وأمثاله فى دور الرعاية الخاصة ولا يترك هكذا فى الشارع للهلاك حتى الموت. خاصة أن بعضهم يمثل خطورة على نفسه وعلى المجتمع أقلها أن يخلع ملابسه أمام المارة كما يحدث كثيراً نتيجة إهمال هؤلاء المساكين الضعفاء.

بحذر شديد اقتربنا من أحد النائمين بجوار كورنيش النيل وقد اتخذ من مقعد انتظار الأتوبيس سريراً بالكاد يحمل جسده فيما يتدلى ذراعاه من الجانبين. وسط الضجيج كان نائماً لا يشعر بشيء وبتوجس وخوف شديد تحدث معنا عن سر نومه ففى الشارع وبالطبع لم يكشف عن اسمه الحقيقى لأنه عامل فى مكان معروف كما أن لديه زوجة وأولاداً فى المدارس. بدأنا الرجل بسؤال استنكاري:

أنتم فاكرين أنا نايم هنا بمزاجى؟ ربنا عالم باللى بينا.

وايه اللى بيك؟؟

«بلاوى بعيد عنك.. أربع عيال.. وأمهم عقربة ما بتبطلش طلبات. وأنا عامل شاى وقهوة فى مصنع على قدى يوميتى ما تحصلش خمسين جنيه وكان البقشيش بيسند. وما عدش حد بيسيب جنيه. كله بيشحت. ومراتى أحيانا بتشتغل فى مصنع صابون لكن عينيها تعبت. وقعدت وسابت فى رقبتى العيال وكلهم فى المدارس واليومين دول امتحانات والدروس ما ترحمش قولتلها مافيش داعى من التعليم اللى بالفلوس ده. هوه أنا ملاحق عليكم اكل. غلطت فيَّ، رميت عليها اليمين وسبتلها البيت يولع بيها وبعيالها.. يعنى أسرق» وهنا ظهر على الرجل علامات حزن شديد وكأنه نادم على ما فعل لكنه اليأس و«ما باليد حيلة. جذب الرجل طرف بطانيته وغطى وجهه من الدنيا لا يريد أن يراها وقال لنا بغضب وحزن «عن اذنكم بقى سيبونى بالهم اللى أنا فيه».

أعلى كوبرى المشاة بمنطقة شبرا الخيمة.. جلس يلف جسده النحيل ببطانية شبه متهالكة لكن ما لفت نظرنا أن النائم وضع بجواره كيس شفاف من الواضح إنه يحتوى على ملابس تخصه. عندما استيقظ تعامل معنا بخوف شديد. لكن حديثه كان مرتباً، ما يدل على إنه شخص طبيعى جداً. لكنه مسكين لا يملك مأوى يحميه من النوم فى العراء. علمنا منه أنه كان يسكن بمفرده فى حجرة ببيت «شرك» فى شبرا وكان يبيع بطاطا أو ترمس «حسب التساهيل»، لكن منذ شهور وبعد أن عجز عن تدبير أجرة الحجرة 250 جنيهاً. طردته صاحبة البيت لأن ساكناً قادراً جاء ليسكن مكانه قال الرجل البائس بحزن شديد: هوه أنا يعنى غاوى «مرمطة»؟؟ والله الدنيا بتمطر بجرى استخبى «زى الفار» تحت أى سقف وعضمى اتكسر وإن أصلا عايش بكلية واحدة وصاحب مرض. لكن الحمد لله أنا بطولى ومافيش ورايا عيال كانوا ماتوا من البرد فى الشارع.

بين السيارات المغطاة والشجر الكثيف على كورنيش النيل وجدناه نائماً لا يدرى بما حوله ورغم أن اليوم قد انتصف ما زال يغط فى نوم عميق. بصعوبة استيقظ وأخذ يفرك عينيه بقوة حتى يفيق ويستجمع قواه ليركز فيما يقول. كانت المفاجأة أنه شاب صغير فى العشرينيات. ونظيف والمفاجأة الأكبر أنه متعلم.

إحنا اسفين علشان صحيناك.

لا أبداً. مين حضراتكم؟

عرفناه بأنفسنا وسبب اقتحامنا لحياته فى الشارع. وسألناه عن سبب نومه على الرصيف؟

أنا مش شحات، أنا اسمى على وابن ناس والله قالها وهو يبتسم وارتسمت على وجهه علامات حزن وخجل وقال: أنا من بلد فى الصعيد ومعايا معهد سنتين واخواتى كلهم معاهم شهادات. لكن أبويا فلاح على قده وعلمنا على قد ما يقدر وكتر خيره. ومنذ أكثر من شهر حضرت للقاهرة لا بحث عن عمل. واشتغلت شويه ف المعمار. لكن السوق نايم ومافيش شغل. وحاليا بشتغل فى فرن ومساءً اعمل فى مطعم «انضف خضار» واليومية يادوب مكفية اللقمة ودورت كتير على سكن مافيش إلا فى أوسيم على قدى مستاجرين حجرة أنا وكام واحد، لكن المشكلة المواصلات غالية وكل يومين السواقين يزودوها. وعلشان أروح كل يوم أصرف 15 جنيه رايح جاى. أجيب منين. كفاية آخر الأسبوع علشان كل كام شهر أسافر بلدنا بقرشين يساعدوا ابويا. اختنق صوت الشاب وابت دموعه أن تظهر أمامنا وقال « نفسنا فى حياة كريمة لأننا اتعلمنا علشان نرفع مستوانا مش ننام فى الشوارع!!

أما أغرب إجابة سمعناها من أحدهم عندما سألنه عن سبب نومه فى الشارع جاءت من رجل عحوز أشفقنا عليه من البرد لكنه فاجأنا قائلا: انتم مستكترين علينا الشارع.. أنا نايم فى ملكى..حد له عندى حاجة؟؟!