بعد 60 عاماً - «الوفد» تعيد متعلقات أسير مصرى من إسرائيل

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 11 يناير 2017 17:52
بعد 60 عاماً - «الوفد» تعيد متعلقات أسير مصرى من إسرائيلالدائرة تشير إلى المقاتل فرح مترى وسط زملائه
تحقيق : مجدى سلامة - تصوير: أشرف شبانة

رحلة بحث طويلة وشاقة فى أنحاء مصر للعثور على الأسير المجهول

جندى إسرائيلى استولى على «إنجيل وساعة وخاتم» من مقاتل قبطى فى حرب 1956

ضمير الجندى الإسرائيلى يستيقظ بعد 40 عاماً ويسلم مقتنيات «فرح مترى» لمراسل صحيفة «القدس العربى» فى فلسطين

الزوجة: أخبرونى باستشهاده فى الحرب.. وقلبى لم يصدقهم.. وعاد بعد 100 يوم من الغياب

الابن: اليهود عذبوا أبى.. وأجبروه على «لحس» المياه من الأسفلت

 

هى حكاية أغرب من الخيال.. مثيرة فى سردها.. وأبطال أحداثها.. فى الأماكن التى احتوتها.. وفى نهايتها..

هدية فى حجم كف اليد، تحوى كلمات كتاب سماوى مقدس.. لكنها تنقلت بين أيادى أصحاب الديانات السماوية الثلاث..

أهداها مسيحى لمسيحى، ثم سرقها منه يهودى، استيقظ ضميره بعد 40 سنة من السرقة، فسلمها لأحد أصحابه، ثم سلمها بدوره لصديق مسلم، وفى النهاية وصلت الهدية لمحطتها الأخيرة بعد 60 عاماً من غيابها عن صاحبها!

خلال السنوات الستين تنقلت الهدية من منيا القمح فى الشرقية إلى سيناء، ثم انتقلت إلى إسرائيل، ومنها إلى رام الله بالضفة الغربية، فيما كان صاحبها الأصلى يسكن مدينة القاهرة!

وكانت البداية خبراً نشرته جريدة «القدس العربى» فى أكتوبر الماضى عن هدية تبحث عن صاحبها منذ 60 عاماً.. الخبر كتبه الزميل الصحفى «وديع عواودة» مراسل الجريدة فى مدينة «الناصرة» الفلسطينية.. ويقول الخبر «فى 30 أكتوبر من عام 1956 شنت بريطانيا وفرنسا حرباً على مصر، رداً على إقدام رئيسها -آنذاك- جمال عبدالناصر على تأميم قناة السويس. وما لبثت إسرائيل أن انضمت للعدوان.. واستمرت الحرب حتى الخامس من نوفمبر 1956 وانتهت بهزيمة المعتدين بفضل استبسال الجيش المصرى وكفاح شعب بورسعيد ودعم الاتحاد السوفيتى له ومعارضة الولايات المتحدة للحرب.. وفى اليوم الثانى من العدوان الثلاثى استشهد ضابط مصرى فى سيناء خلال المعارك وتقدم من جثمانه جندى إسرائيلى وقام بتفتيش ثيابه وأخذ ما بحوزته من أغراض، من ضمنها كتاب العهد الجديد (الإنجيل) وهو كتيب صغير بحجم كف اليد. ويستدل من الكتابة بخط اليد فى الصفحة الأولى من الإنجيل أن الجندى المصرى تلقاه هدية من شخص موقع بعبارة هدية تذكار المحبة والإخاء من الأستاذ نخلة أبوسليمان نعمة الله من منيا القمح شرقية».

وتضمنت الصفحة الأولى من الإنجيل: عبارة «اذكر يا رب عبدك الغلبان».

أما الجندى الإسرائيلى فكتب بخط يده بالعبرية على الإنجيل «ذكرى من حرب سيناء» واحتفظ به 40 عاماً، ويبدو أن ضميره قد تحرك فسلمه قبل عشرين عاماً لصديق له أهداه لمراسل صحيفة «القدس العربى» من «كفر كنا» داخل أراضى 48 عمل معه فى سلطة الآثار. وبادر الصديق المذكور وقتها بتسليم الهدية «الإنجيل» لمراسل «القدس العربى» فى الناصرة، وقد عثر عليه، بينما كان يفتش فى مكتبة منزله، عن كتاب آخر مفقود مرتبط بملحمة «كفر قاسم».

إلى هنا انتهى الخبر الذى نشرته جريدة «القدس العربى».. وأثارت هذه الحكاية فضولى الصحفى وقررت أنا بمحض إرادتى خوض مغامرة تجاوزت شهرين للبحث عن صاحبها.

الخيط الوحيد الذى كان أمامى فى بداية البحث، هو اسم «نخلة أبوسليمان نعمة الله»، الذى أهدى الإنجيل للمقاتل المصرى المجهول.

كان منطقياً أن تكون الوجهة الأولى فى البحث هى مصلحة الأحوال المدنية بوزارة الداخلية، وهى المصلحة التى تحوى بيانات كل المصريين.. وبعد البحث والفحص لم أجد فى وثائق المصلحة وبياناتها أى أثر لاسم «نخلة أبوسليمان نعمة الله».

لم يكن أمامى عندها سوى التوجه إلى مدينة منيا القمح بالشرقية للبحث عن صاحب الاسم أو أى من أسرته.. وكنت على يقين أن البحث لن يكون سهلاً، فمنيا القمح والقرى التابعة لها التى سأبحث فيها مساحتها 1230 كيلومتراً مربعاً، وتضم 11 حياً و82 قرية رئيسية و239 قرية تابعة ويسكنها حوالى 500 ألف مواطن.

وكانت البداية بمدينة منيا القمح.. طفت كثيراً فى المدينة باحثاً عن شخص يعرف باسم «نخلة أبوسليمان».. سألت كثيرين.. فى الشوارع ومواقف السيارات، والكنائس، ولكنى لم أجد شيئاً.

كنت أسافر من القاهرة إلى منيا القمح دون يأس.. أيام طوال قضيتها باحثاً عن «نخلة» ورغم الفشل فى الوصول إلى معلومة تساعدنى فى الوصول إليه، إلا أن إصرارى كان يزداد يوماً بعد آخر لمواصلة البحث.

تواصل بحثى، وكل ما حصدته هو اعتذار من البعض عن عدم معرفة الاسم الذى أبحث عنه، وسخرية من آخرين، بعضهم قال لى صراحة إن بحث «سلامة» عن «جهاد» فى الفيلم التاريخى الشهير «وا إسلاماه» أسهل كثيراً من بحثى عن «نخلة».. وفريق ثالث نصحنى بأن أستريح وأتوقف عن البحث مرجحين أن يكون الشخص الذى أبحث عنه توفى منذ سنوات ولم يترك من خلفه وريثاً ولا قريباً.

ورغم ذلك لم أتوقف عن البحث، وقررت توسيع دائرة البحث لتشمل قرى منيا القمح وليس المدينة وحدها، وطلبت ممن أعرفهم من الشرقية أن يرسلوا لى أرقام هواتف معارفهم فى منيا القمح.. وكنت أقضى النهار فى البحث، وأقضى جزءاً من الليل فى الاتصال بأصحاب التليفونات التى حصلت عليها من الأصدقاء الشراقوة.. ولكنى للأسف لم أحصل على معلومة واحدة تفيدنى.

رغم مرور شهرين، لم أفقد الأمل للحظة واحدة.. وأخيراً وصلت لمهندس شاب اسمه جرجس حبيب، سألته هل تعرف شخصاً اسمه «نخلة أبوسليمان نعمة الله»؟، كان رده مختلفاً عن إجابات كل من سألتهم، من قبل، وأجاب على سؤالى بسؤال، فقال مندهشا «أنت عرفت عم نخلة منين؟».. لم أصدق أذنى، وتصورت أننى لم أسمع بدقة ما قاله، فعدت أكرر عليه نفس سؤالى، فكرر ذات الجملة وقال «عرفت عم نخلة منين؟».. فقلت وأنا لا أزال غير مصدق ما سمعته: وهل نخلة عمك بالفعل؟.. فقال مبتسماً، نعم عمى، ولكنه عاد يكرر سؤاله: عرفت اسم نخلة منين؟.. فقلت وماذا فى ذلك؟.. فقال: «نخلة» اسم شهرة ولا يعرفه إلا قليلون جداً من أقاربه، فاسمه الحقيقى «نعمة الله» ونخلة اسم شهرة لا يعرفه سوى من عاشوا معه.

ساعتها فقط عرفت السر فى ألا أجد فى مصلحة الأحوال المدنية أى بيانات عن «نخلة أبوسليمان نعمة الله»، لأنه ببساطة اسم شهرة.

على الفور حكيت للمهندس «جرجس» حكاية الإنجيل الهدية الذى قدمه عمه «نخلة» لمقاتل مجهول أثناء حرب 1956، واستولى عليه إسرائيلى قبل 60 عاماً، والهدية حالياً تبحث عن أسرة صاحبها.. ولما انتهيت من الحكاية تعجب المهندس الشاب منها، ولكنه قال إنه لا يعرف شيئاً عن أصدقاء عمه، الذى كان يعمل مدرساً فى مدارس «الأحد» التابعة للكنيسة وسافر للقاهرة قبل سنوات طويلة وتوفى عام 2010 وسافر جميع أبنائه خارج مصر، حيث أقاموا فى هولندا.

من جديد أحسست أن الحكاية تزداد تعقيداً، فالخيط الوحيد الذى كان طرفه فى يدى، انقطع بوفاة «نخلة» وسفر أسرته للخارج!

سألت المهندس جرجس أن يوصلنى بأى من أقارب نخلة، فرحب وأعطانى تليفون والده «حبيب» الذى هو فى نفس الوقت شقيق «نخلة».

اتصلت فوراً بالأب «حبيب»، وقصصت له الحكاية، فاعتذر عن عدم قدرته عن مساعدتى لأنه لم يعرف شيئاً عنها، مؤكداً أنه لم يسمع شقيقه نخلة يتحدث عنها، ومشاركة منه فى مساعدتى أعطانى رقم تليفون شقيقته «مريم»، وقال ربما تجد عندها معلومات تفيدك.

كررت على السيدة «مريم» حكاية إنجيل نخلة، وشهيد معركة 1956. فأكدت أن شقيقها كان له أصحاب كثيرون، ولكن صديقه المقرب هو ابن عمه «فرح مترى مرقص» الذى كان مقاتلاً فى الجيش المصرى، وشارك بالفعل فى حرب 56 ولكنه لم يستشهد فى تلك المعركة، بل شارك فى حربى 67 و73.

من جديد عادت الحكاية تزداد تعقيداً، وبدلاً من أن أفقد الأمل تعلقت بآخر خيط وصلت إليه وهو «فرح مترى مرقص».. طلبت منها رقم هاتفه فقالت إنه رحل منذ سنوات طويلة، ولكن أسرته تقيم فى القاهرة ومنحتنى رقم هاتفهم.

اتصلت بالهاتف، وكان على الطرف الآخر «أيمن» الابن الأصغر للراحل «فرح مترى»، وقصصت عليه حكاية الإنجيل الذى يبحث عن صاحبه منذ 60 عاماً، فقال إن «نخلة» كان الصديق المقرب لوالده بالفعل، ولكنه لا يعرف شيئاً عن الإنجيل، فوعدته أن أرسل إليه الصورة التى نشرتها «القدس العربى» للإنجيل الهدية، فوافق مرحباً ولكنى أحسست من نبرة صوته أنه يستبعد أن يكون والده هو صاحب الإنجيل الهدية، ورغم ذلك رفضت أن أتخلى عن آخر خيط فى يدى.

عبر الفيس بوك أرسلت لأيمن صورة «الإنجيل» التى نشرتها القدس العربى.. مر يومان دون أن أتلقى رداً من «أيمن»، وفى اليوم الثالث عاودت الاتصال به، كان حديث «أيمن»، هذه المرة مختلفاً عن المرة الأولى كان صوته مفعماً بنبرة حماس شديدة وحنين لمعرفة كل التفاصيل التى أعرفها عن الإنجيل الهدية، وبعد السلام قال لى إنه بمجرد أن رأى صورة الإنجيل الذى أرسلتها تأكد أنه يخص والده، مؤكداً أن التوقيع الموجود على الصفحة الأولى للإنجيل هو توقيع والده.. وعلى الفور طلبت لقاءه، وفى الموعد المحدد التقيته، وكان صريحاً إلى أقصى مدى فقال إنه عندما هاتفته أول مرة، تحدث فى الأمر مع شقيقة الأكبر «كميل»، الذى رفض المشاركة فى موضوع له علاقة بإسرائيليين سواء من قريب أو بعيد، ولكن بمجرد أن رأيت التوقيع على الإنجيل حتى تأكدت أنه توقيع والدى وهو نفس ما أكدته والدتى وشقيقى الأكبر «كميل» نفسه.

وبدأ أيمن يحكى حكاية والده المقاتل «فرح مترى مرقص» فقال إنه من مواليد عام 1925 فى قرية «كفر سلامة إبراهيم» التابعة لمركز منيا القمح بالشرقية، وكان جده كبير قريته، وفى بدايات الأربعينات التحق بالجيش متطوعاً، وتنقل بين أكثر من سلاح وهو ما سمح له بتكوين صداقات مع شخصيات كثيرة منهم الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر، ووصلت الصداقة بينهما لدرجة أن «ناصر» أرسل له برقية عزاء فى وفاة والده.

وفى عام 1948 انضم «فرح» إلى وحدة مدفعية فى سيناء، فاصطحب زوجته، لتسكن فى العريش، وبعد عامين انتقلت وحدته العسكرية من العريش إلى أبو عجيلة، فعادت الزوجة إلى منيا القمح عام 1950.

ولما وقع العدوان الثلاثى عام 1956 واجتاحت القوات الإسرائيلية الغاشمة سيناء، تعرضت وحدة «فرح مترى» لقصف صاروخى مكثف، وقتل أغلب من فيها، فى حين تمكن قلة قليلة من النجاة، وكان من ضمن الناجين «فرح» وقائد الوحدة اللذان اختفيا عن أعين الإسرائيليين.

ويروى «أيمن» ما رواه والده من ذكريات خلال هذه الحرب، فقال «أخبرنى والدى أنه وقائد الوحدة، ظلا مختفيين لعدة أيام، حتى لا يقعا فى أسر الإسرائيليين.. تخفيا حيناً وسط جثث شهداء الجيش المصرى وحيناً آخر فى الجبال.

ورجح «أيمن» أن يكون الإسرائيلى الذى أخذ الإنجيل من والده، تصور أنه كان ميتاً، لأنه كان بالفعل وسط الأموات، وأغلب الظن أنه استولى منه أيضاً على ساعة كان يرتديها فى يده، ودبلة زواجه الذهبية التى كان يضعها بإصبعه.

وظل «فرح» وقائده متخفيين 4 أيام كاملة بدون طعام فيما كان مصدر الماء الذى يشربانه هو «البول».

ويواصل أيمن سرد رواية والده قال: بعد معاناة رهيبة، عثر كل من «فرح» وقائد وحدته على خيمة، فأسرعا إليها طالبين ماء يشربانه، فعرض عليها رجل كان داخل الخيمة أن يتنازلا أولاً عن سلاحهما مقابل المياه والطعام، وبدأت عملية تفاوض بين الطرفين، قطع التفاوض خروج «فرح» من الخيمة لقضاء حاجته خارجها، وأثناء عودته للخيمة شاهد سيدة تحمل سلاحاً وتريد قتل قائد الوحدة داخل الخيمة، فأطلق «فرح» الرصاص عليها فأرداها قتيلة، قبل أن تقتل قائده، ثم قتل الرجل بالخيمة أيضاً، وبعدها بدآ يتفحصان ما بداخل الخيمة فوجدا فيها الكثير من المياه والأطعمة والأسلحة وملابس جنود مصريين، فحملا ما استطاعا من مياه، وخرجا مبتعدين عنها، مضت ساعات وهما يتخفيان من الإسرائيليين، وبعدها ظهر لهم سرب سيارات فى مقدمته سيارة ترفع العلم المصرى، فتوجها إلى السيارات مسرعين وهناك كانت مفاجأة مدوية فى انتظارهما.. سرب السيارات لم يكن سوى كمين إسرائيلى لاصطياد الجنود المصريين.. فما أن وصلا إليه حتى أحاط بهما جنود إسرائيليون مدججين بالأسلحة وتم أسرهما.

قضى «فرح» فى الأسر حوالى 100 يوم عاش فيها الأهوال.. يقول أيمن «قال لى والدى إنه عندما تم أسره اعتقد الإسرائيليون أنه ضابط ربما لأنه كان يعتنى بملابسه بشكل كبير، فحبسوه فى زنزانة الضباط، وفى هذه الزنزانة تعرضوا لتعذيب متواصل ومهانة قاسية.. فكانوا يلقون إليهم مياه الشرب رشاً من تحت عقب الباب، ومن يريد أن يشرب، لم يكن أمامه سوى الانحناء إلى الأرض، ولحس المياه بلسانه، أما الطعام الوحيد الذى كانوا يقدمونه لهم فكان خبزاً يلقونه من فتحة صغيرة فى سقف الزنزانة، وكان كل أسير يخضع لعملية تعذيب رهيبة للحصول منهم على معلومات، فضلاً عن أنهم ختموا على ظهر كل أسير بختم فوسفورى كبير، ليكشفوه إذا ما حاول الهروب من الأسر.

وأضاف «أيمن» أن والده أخبره بأنه تعرض لضرب قاسٍ بـ«رجل كرسى» لأنه لم يقدم معلومات للجانب الإسرائيلى وقضى ليالي طوالاً واقفاً فى العراء عارياً إلا من ملابسه الداخلية لإجباره على الإدلاء بمعلومات عن الجيش المصرى.

وأكد «أيمن» أن والده قال له إن تعذيبه فى الأسر زاد بشكل كبير بعدما علم الإسرائيليون أنه مسيحى.. وأخبره والده أن اليهود يكرهون مسيحيى مصر بشكل كبير، وتضاعفت كراهيتهم بعدما وجدوا مسيحياً فى الجيش المصرى الذى يكرهونه بشدة.

وتكشف زوجة «فرح مترى» جانباً من المشهد فتقول إنها لم تعلم عن زوجها شيئاً منذ اندلاع حرب 1956 حتى كانت المفاجأة، بوصول ورقة صادرة عن إدارة الأفراد فى الجيش المصرى تطالبها باستكمال أوراق الورثة الشرعيين لـ«فرح مترى» وهو إجراء يعنى أنه مات.. وتقول «دارت بى الدنيا وعشت أياما قاسية، ولم أكن أدرى ما أفعل ولولا مساندة ابن عمى نخلة لما وجدت طعاماً ولا ملابس لأولادى الثلاثة وقتها».

وتضيف «رغم كل ذلك لم أفقد الأمل فى عودة زوجى، ولهذا كنت كل أسبوع أسافر من منيا القمح، حيث أقيم، إلى إدارة الجيش بكوبرى القبة بالقاهرة، لأسأل عن معلومات عن زوجى، وفى كل مرة لم أكن أجد إجابة ولكنى كنت مصرة على الحضور أسبوعيا لإدارة الجيش لأسأل عنه، وفى أحد الأيام فوجئت بشخص داخل مقر إدارة الجيش يستوقفنى، ويقول لى بتسألى على مين فقلت أسأل عن (فرح مترى) فرد مبتسما: اطمنى فرح بخير كان فى الأسر والصليب الأحمر استلمهم وهيرسل لك تلغراف على عنوانكم».

وواصلت «دارت بى الأرض فرحاً، وشعرت بأن زوجى عاد من بين يد الموت لى ولأولاده، وبالفعل لم تمض سوى أيام قليلة، وجاءنى خطاب من الصليب الأحمر كتبه فرح وقال لى إنه حى وبخير، وذكر فى خطابه علامات معينة كى أتأكد من أن كاتب الخطاب هو فرح نفسه.. ومرت أسابيع طويلة كئيبة كأنها سنوات، انتظرت فيها عودة زوجى، ولكن ما جاءنى هو أحد جنود قسم الشرطة، وقال لى مأمور القسم يستدعيك، ووقتها كنت أخاف جداً من الشرطة، ولكنى توجهت مع الجندى مضطرة، ولما دخلت على المأمور بادرته قائلة: إنتو عاوزين منى إيه.. جوزى فى الأسر وانتو بعتين لى ورقة لاستكمال أوراق الورثة الشرعيين فهل مات زوجى فى الأسر.. فابتسم المأمور: لا يا ستى زوجك بخير وأنا عاوز أقول لك أن الصليب الأحمر تسلمه من الإسرائيليين وسينقله لمصر خلال أيام»..

وتضيف الزوجة «بالفعل بعد أيام جاءنى أحد الجيران واسمه سيد شاكر وقال إن فرح تم نقله من الأسر إلى معسكر الأسرى فى التل الكبير، لم أكذب خبراً وكنت وقتها فى شهر يناير 1957، وكان الجو ممطراً وشديد البرودة ومع ذلك حملت أبنائى الثلاثة، واصطحبنى صديق زوجى نخلة وتوجهنا إلى معسكر التل الكبير، وكان السفر وقتها شديد الصعوبة، ولهذا وصلنا للمعسكر بعد معاناة كبيرة، وكانت الساعة وقتها قاربت على السادسة مساء، ولما وصلنا علمنا أن إدارة الجيش تنظم حفلات ترفيه للأسرى العائدين، وأن هذه الحفلات تحييها الفنانة لبلبة والفنان محمود شكوكو.. قدمنا لإدارة المعسكر طلباً للقاء زوجى فطلبوا منا الانتظار.. وبعد فترة شاهدنا لبلبة تغادر المعسكر ومن بعدها جاءت سيارة تحمل زوجى، لم أصدق عينى عندما رأيته، وبكيت أنا ونخلة والأولاد الثلاثة، ولكنه احتضننا جميعاً وقال: يااااه دا أنا كنت نسيت شكلكوا».

وواصلت: «كان جسده هزيلاً وظل يعالج لمدة 3 شهور كاملة من الدوسنتاريا التى أصيب بها فى الأسر، فيما ظل يعانى من آلام الكلى حتى وفاته فى تسعينات القرن الماضى».

ومات فرح مترى.. مات جسده، وبقيت روحه وبطولته، وقصته وكتابه المقدس، ليكونوا شهوداً على عبقرية وتضحيات المصريين.

loading...