الدكتور حسين نصار شيخ المحققين العرب لـ«الوفد»: المصريون أشطر شعوب العالم فى إفساد حكامهم

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 11 يناير 2017 17:38
الدكتور حسين نصار شيخ المحققين العرب لـ«الوفد»: المصريون أشطر شعوب العالم فى إفساد حكامهمالدكتور حسين نصار
حوار: ممدوح دسوقي - تصوير: محمد كمال

ثورات عرابى و1919 و30 يونيو.. هى الثورات الشعبية الخالصة فى تاريخ مصر

مصر هى الدولة المدنية الوحيدة التى أدرك شعبها «التوحيد» وحساب الآخرة

سعد زغلول زعيم فى صورة «أب» وعبدالناصر لم يمتلك كل الصفات التى أطلقوها عليه

أوضاعنا الحالية هى نتاج رؤية المثقف وقرار السياسى وهيمنة رجال الدين

عبدالناصر طالب الشعب بالابتعاد عن السياسة فحلت المصائب وتدهورت أحوال البلاد والعباد

 

الدكتور «حسين نصار»، شيخ المحققين العرب، شغل العديد من المناصب ذات الصلة بالثقافة والأدب، منها على سبيل المثال رئيس المركز القومى للثقافة والفنون والآداب والإعلام، وعميد كلية الآداب وأستاذ الأدب المصرى، ومدير معهد المخطوطات العربية، ورئيس أكاديمية الفنون، وعضوية المجلس الأعلى للصحافة وعضوية المجلس القومى للترجمة، ورئيس المجلس القومى لتحقيق التراث.

يقول الدكتور حسين نصار إن أوضاعنا الحالية هى نتاج لرؤية المثقف وقرار السياسى وهيمنة رجال وعلماء الدين، ويرى شيخ المحققين أن المصريين هم من أفسدوا «فاروق» و«عبدالناصر»، وأكد أن مصر هى الدولة المدنية الوحيدة التى توصلت إلى التوحيد بمفردها عن طريق «إخناتون» وأن النبى (صلى الله عليه وسلم) ظل يجاهد العرب 23 سنة حتى يؤمنوا بوجود آخرة، مع أن المصريين آمنوا بها منذ أن وجدوا.

وانتقالًا إلى العصر الحديث، أكد نصار أن ثورات «عرابى» و1919 و30 يونية هى الثورات الشعبية الخالصة فى تاريخ مصر الحديث، وأن «سعد زغلول» كان زعيمًا فى صورة «أب» وأن «عبدالناصر» لم يمتلك كل الصفات التى أطلقت عليه، وعندما طالب الشعب بالابتعاد عن السياسة حلت المصائب على مصر، وتدهورت أحوال البلاد والعباد.

< ما أهم القضايا الفكرية التى شغلت وما زالت تشغل تفكيرهم؟

- أنا شخصيًا تشغلنى الثقافة بشكل عام بشقيها الشعبى والإدارى الحكومى، والجانب الشعبى لدىّ إحساس أننا ننحدر ثقافيًا، بمعنى أن التلاميذ الذين يتخرجون فى التعليم العام قبل الجامعى ضعاف جدًا بالنسبة لجيلنا، وهذا ليس فى اللغة العربية فقط، بل فى سائر العلوم عامة، وفى السابق كان خريج الثانوى على الأقل يعرف قواعد النحو كلها، وكان يستطيع استخدامها كتابة وخطابة، والآن يأتى إلى الكلية ولا يعرف الكثير من قواعد النحو، والطبيعى أن الكليات تعلم فلسفة النحو ولا تعلم قواعده، فيتخرج طالب الجامعة ضعيفاً وغير مثقف لأن الثقافة تقوم على اللغة.

< وما سبب هذا الانحدار؟

- أشياء كثيرة، أولها أن الطموح أصبح غير موجود لدى الطلاب، كما كان فى الأجيال السابقة، ثم أن نظرة المدرسين للطلبة أصبحت نظرة مادية بسبب تدنى رواتبهم، وفى السابق كانت العلاقة بين الطالب والمدرس علاقة أبوة وبنوة ومحبة، وكان الأساتذة يهدون الطلبة كتبًا أو دواوين شعر، لحثهم على القراءة والثقافة، والآن العلاقة أصبحت محصورة فى السؤال عن الدروس الخصوصية، وفى الجامعة الأمر لا يختلف كثيراً، لأن الجامعة ليست بريئة من عيوب المجتمع، وأذكر أننى لم أستطع شراء سيارة، مع أننى كنت متصلًا بالإذاعة والصحافة إلا بعد إعادتى إلى العراق، والآن أرى المعيدين والمدرسين المساعدين يمتلكون سيارات.

< وماذا عن الجانب الإدارى الحكومى؟

- ما أقصده هو ما يحدث من هيئة التدريس، وهذا لا يعنى أن الحكومة مبرأة من النقائص فى التعليم، بل يمكن أن نلتمس لها العذر، وفى بعض الحالات والبعض الآخر ليس لها عذر فيه، والعذر الوحيد هو نقص الموارد المالية التى جعلت بعض دول الخليج تسبقنا فى مجال الترجمة، وتحويل بعض العلوم إلى علوم عملية، بمعنى أنهم يدرسون العلوم البحثية باللغة الإنجليزية ونحن ندرسها بالإنجليزية والعربية، لأنهم استطاعوا بالأموال أن يتطوروا فى مجال الترجمة، وأيضًا كنا نشكو أننا لا نعرف الكثير من الشعراء العرب القدامى، لأنه لا توجد كتب تجمع أسماءهم فى موسوعات أو قوائم، ولأن الإمارات والعراق والكويت لديها موسوعات جمعت أبيات الشعر المتناثرة فى الكتب العربية، منسوبة إلى أصحابها، وأصبح هناك معاجم من هذا النوع ليست لدينا، مع أن المكتبة العربية القديمة من أغنى المكتبات ثراء فكريًا فى العالم.

< معنى هذا أن الثورة لم تصل إلى الثقافة ولا تزال الفريضة الغائبة؟

- رغم أننى لا أحب أن أعيب أو أشوه فى عصر «مبارك»، فإننى مضطر لذلك، حيث كنت رئيس المجلس القومى للثقافة والفنون والآداب والإعلام، وهو أحد أفرع المجالس القومية المتخصصة الأربعة التى تتبع رئاسة الجمهورية مباشرة وعمل هذه المجالس هو دراسة ما يشكو منه المجتمع، ونتأكد من حقيقة هذه الشكاوى، ثم ندرسها من الناحية الثقافية، وتقدم الرؤية للإصلاح ونسميها توصيات إلى رئيس الجمهورية، ولم نشعر أبدًا أنه صدر توجيه ما من توجيهاتنا وتم النظر فيه أو تم تنفيذ أى منها وكأنها لم تصدر.

< وهل تأكدت من هذا؟

- نعم.. لأنه فى يوم ما جاء إلينا «زكريا عزمى»، رئيس ديوان رئيس الجمهورية، وكان هو المكلف أن تذهب إليه جميع تقاريرنا وتوصياتنا، ثم يقدمها إلى «مبارك» وما يراه قابلًا للتنفيذ يحيله إلى الوزراء لتطبيقه، فقلنا له إننا نشعر بأن التوصيات لا تنفذ، فقال: الرجل لا يحب أن يدخل عليه ما يعكنن مزاجه، وبالطبع نحن كان عملنا كله فى الشكاوى أى ما يعكنن المزاج، ولهذا استمرت فترة «مبارك» وكأنها فترة رضا، لأن الأمور كانت هادئة دون ثورات أو مظاهرات، و«مبارك» كان راضيًا، وكان الشعب فى حالة من الركود والموت إلى أن انفجرت الثورة فأصبح الاتجاه الأول هو إصلاح الأمور بعيدًا عن الثقافة، وحتى الآن خاصة أننا نعيش فى أزمة اقتصادية خطيرة.

< ما الذى يؤثر فى المصريين بشكل عام ويتحكم فى سلوكهم الدين أم العادات والتقاليد أم الحالة الاقتصادية؟

- الدين مؤثر أولى ودائم فى المصريين، لأنه شعب متدين منذ أن وُجد، ومثلًا أسطورة إيزيس وأوزوريس وحورس ابنهم وأخيه ست إله الشر والأسطورة تقول إن إيزيس هو الحكم فى الآخرة، إذن المصرى القديم كان يؤمن بوجود آخرة، وأنه سيحاسب فيها بميزان، ورمز العدالة فى العالم هو الميزان الذى ابتكره المصريون القدماء، ويوزن قلب الإنسان أمام ريشة، واتخذت وزن الريشة فى الرياضة من المصريين، ثم إن الإسلام نزل فى الجزيرة العربية والنبى «صلى الله عليه وسلم» استمر يجاهد العرب 23 سنة حتى يؤمنوا بوجود آخرة، والمصريون آمنوا بها منذ أن وجدوا، لأنهم اهتدوا إلى الضمير الذى يحاسب الإنسان، ثم تأتى العادات والتقاليد فى مرحلة تالية، مع أنها من الدين، ثم الحالة الاقتصادية. إذن مصر هى الدولة المدنية التى وصلت إلى التوحيد بمفردها عن طريق إخناتون وهو بشر وليس نبياً، ثم إن التجمعات الزراعية جعلت الشعوب تتفق على ما يضر التجمعات وترفضه.

< شعب بهذه الرؤية والفهم والفلسفة.. كيف يقوم بأربع هزات كبرى فى أقل من 100 عام؟

- لأننا لا نسير فى خط مستقيم، بل نسير فى دوائر أى نتقدم، ثم نعود مرة أخرى إلى الخلف، مثلًا الإمام «محمد عبده» فى أوائل القرن العشرين أصدر فتوى بأن فوائد البنوك حلال، وليست ربا، ولكننا فى هذا الزمان نجد مجموعة تلغى 100 سنة وتسأل: هل فوائد البنوك حلال أم حرام؟ ونفعل ذلك فى السياسة وفى كل أمورنا.

< ما الذى فعلته الثورات فى المصريين؟

- أولًا «عرابى» وثورته قامت ليناقض السلطنة، لأن معظم السلطة كانت فى يد الأتراك من ضباط ووظائف عليا، فطالب «أحمد عرابى» بنصيب للمصريين، فكانت ثورة اجتماعية على التعصب ضد المصريين، ولكن ثورة 19 كانت سياسية خالصة، وكان الهدف منها هو الاستقلال وليس التخلص من الملك، لأن عيوب الملكية لم تكن ظهرت بعد، ثم إن الأمير «عباس حلمى» كان مع المصريين ضد الإنجليز.

< وهل ظهرت عيوب الملكية مع «فاروق»؟

- لا.. بل نحن المصريين الذين أفسدوا «فاروق» كما أفسدنا «جمال عبدالناصر» و«السادات» أيضًا، بسبب مجموعة المنتفعين الذين يلتفون حول الحاكم، فقد كان هؤلاء الحكام وطنيين ويريدون الإصلاح والخير للأمة، لكن بالنفاق والتملق والمديح يصدق الحاكم نفسه، ويعتقد أن مصر وشعبها لن يعيشوا دونه، فيتجبر ويتسلط بعد أن تكال له صفات العظمة والدهاء والذكاء لأن المصريين من أشطر الناس فى إفساد الحكام.

< كيف لثورة 19 أن تكون سياسية فقط، وينتج عنها حياة ليبرالية وفكر ديمقراطى؟

- هذه الحياة الليبرالية استمرت حتى الخمسينات، مع أنها لم تكن ديمقراطية كاملة لأن الملك كان يقيل حكومة الوفد التى كانت تمثل الشعب المصرى وتعبر عنه، والوفد لم يحكم إلا سبع سنوات ونصف خلال 30 سنة، بسبب تعنت الملك مع حزب الوفد، ومع هذا عندما قامت حركة يوليو 1952 عرض الإنجليز ضرب ضباط الحركة، ولكن فاروق رفض لأنه كان وطنيًا، ولكن الديمقراطية ولدت الليبرالية، وحدثت نهضة وتنوير فى الفكر والثقافة، التى كانت بدأت مع الحملة الفرنسية التى اعتبرها صاحبة بعثة الديمقراطية فى العالم، وأيضًا البعثات التى أرسلها «محمد على» إلى فرنسا، فالنهضة كانت فى مصر التى أنشأت أول مجلس للنواب فى المنطقة، وهذه التغيرات التى أحدثتها ثورة 19 نشعر المصريون بأنهم أحرار، ولهم الحق فى معارضة الملك، ويكفى ما قاله «العقاد» فى البرلمان ضد الملك، رغم أنه حبس إلا أنه قال ما كان مقتنعاً به.

< وماذا حدث للديمقراطية بعد ثورة 1952؟

- للأسف بعد يوليو 1952 قال «عبدالناصر» فى إحدى خطبه

السياسية للشعب: الآن من ناحية السياسة دعوكم من السياسة، ونحن سنتولى السياسة، وكل ما تريدونه سنفعله، وأصبح المخطط والمسير هو المجلس الأعلى للثورة الذى يرأسه ويقوده «عبدالناصر» والنتيجة مصيبة كبرى حلت على مصر، لأنه أبعد الطلبة عن السياسة، بعد أن أخضع الطلبة الحكومة المصرية فى الثلاثينات وأرغموها على تنفيذ اتفاقية 38 والحصول على الاستقلال الذاتى، ثم القبض على «سعد زغلول» ورفاقه ونفيهم كان أول من خرج ضد هذه الاعتقالات هم طلبة مدرسة السعيدية وثانى يوم لطلبة مدرسة الخديوية، ثم طلبة الأزهر ثالث يوم، فباقى الشعب فى اليوم الرابع، ولكن ضباط يوليو منعوا السياسة فى الجامعات والمدارس، وعن الشعب فتدهورت أحوال البلاد والعباد.

< ما الذى يميز ثورة 25 يناير 2011؟

- لا أستطيع أن أحدد ما الذى يميز ثورة يناير 2011، لأن أعداداً كبيرة خرجت من الشعب المصرى فى يناير 2011، ولكن بعضاً من هذه الأفراد كان يوجد من يسير خططهم وهم الأمريكان، ربما أن معظم الشباب تعلموا فى الجامعة الأمريكية، وهذا لا يهم، فقد يكونون تعلموا الحرية والديمقراطية، لكن تبين فيما بعد وجود أياد أمريكية تسعى لتحقيق أهدافها، ثم جاء الإخوان وسيطروا على الشباب فى الميادين وسرقوا الثورة من شعب مصر، وللأسف لا هؤلاء نرضى عنهم الرضا الكامل، ولا الآخرون الذين ساروا مع الإخوان ترضى عنهم.

< ولهذا قامت ثورة 30 يونية؟

نعم.. وثورة 30 يونية وثورة عرابى ومعهما ثورة 19 هى ثورات شعبية خالصة فى تاريخ مصر.

< وماذا عن أهمية الكاريزما فى حياة المصريين؟

- الكاريزما والزعامة لها دور فى المجتمع المصرى، مثلاً: «سعد زغلول» كان شخصية بارزة فى صورة الزعيم الأب وفى 1952 الضباط الاحرار أتوا بـ«محمد نجيب» وهو برتبة لواء حتى يقنع ضباط الجيش بالحركة، وكان هذا هو الأهم، لأن إقناع الشعب سيكون سهلاً بعد ذلك، ثم إن «عبدالناصر» لم يكن يمتلك كل الصفات التى أطلقوها عليه، بل الشعب أعطاها له وأصبحت حقيقة حتى هذه اللحظة، فالشعوب تحب من يتمثل البطولة والزعامة، وأحيانًا يكون لها جزء واضح، ولكنهم فى مصر تضيف إلى الزعيم كما أضافت لعبدالناصر.

< إلى أى مدى يؤثر التراث فى حياة المصرى؟

- التراث لدى المصريين يتم التعامل معه بمفهوم خاطئ، لأنه ليس ما فى الكتب العربية القديمة فقط، بل التراث هو كل ما زرعه أجدادنا وآباؤنا، فينا من أخلاق وطباع وعادات وتقاليد فالأب والأم والمجتمع يزرعون فى الأجيال هذا التراث، ويوجد جزء من التراث فى الكتب، وهذا ما ينظر إليه المصرى فقط ويعتبره تراثاً.

< لكن البعض ينظر إلى التراث على أنه معطل ومكبل؟

- التراث معطل للمعطلين والمكبلين فقط، لأن هذا التراث لم يمنع سعد زغلول بأن يطالب بالاستقلال أو أن يمنع عرابى من المطالبة بحقوق المصريين، ولم يمنع التراث أحدًا من أن يفكر ويعمل عقله إذن التراث لا يمنع إلا الضعفاء.

< إذن، كيف يمكن التعامل مع التراث فى الفكر الحديث؟

- المهم أن يكون الإنسان والمجتمع ابن يومه، وليس ابن الأمس عند التعامل مع التراث، أى يتجه الفكر كله إلى اليوم الذى يعيشه المجتمع، وماذا تريد أن نكون غدًا، وماذا يعطل الغد ونبتعد عنه وماذا ينطلق بنا إلى الغد ونتجه إليه.

< إذن، ما الذى عطل مشروع النهضة الذى بدأت نهايات القرن الثامن عشر؟

- هذا لأننا نعيش ونعمل فى دوائر وليس فى خط مستقيم حكومات وشعبًا، ولهذا لم تنطلق وظللنا محلك سر أو إننا نتحرك خطوة، ثم نعود بها مرة أخرى حسب ما تفرضه الدائرة التى نعمل ونعيش داخلها.

< وكيف يتم إعادة بناء الفكر المصرى؟

- بأن يكون كل إنسان حراً فى أن يبدأ بما يراه، لكن الأهم ألا ينسى مصريته، لأن البعض لا يفكر على أنهم مصريون، بل يفكرون فى مصالحهم الخاصة، وهذا خطأ، لأنهم لا يحبون أنفسهم بالطريقة الصحيحة، فعليهم التواصل مع الآخرين وبناء علاقات طيبة تظهر فى أعمال تفيد المجتمع، والتواصل لا بد أن يكون على المودة وذلك بالاعتراف بأن الاخرين لهم حقوق مثل حقوق من يتعامل معهم.

< الهوية المصرية تعرضت لبعض الأزمات والمشاكل، فكيف يمكن استعادة الهوية بعيدًا عن الاغتراب أو التقليد؟

- هذا صحيح.. والثقافة هى التى تؤثر فى الهوية، وللأسف البعض أصبح يهتم بتدين الآخرين، وأنا يتم سؤالى كثيرًا من ناحية التدين ومدى درجته، فأقول أنا مسلم، وإسلامى إسلام مصرى أو وسطى معتدل.

< وهل الدين له جنسية حتى نعرفه بالمصرية؟

- أقول هذا بسبب الاغتراب أو التقاليد، فقد كنا فى مصر بعد كل صلاة نسلم على بعضنا، إلى أن تم إبطال هذا الأمر لأن فى الجزيرة العربية، قالوا: هذا غير جائر، لدرجة أننى سألت أحد العلماء هناك وكان صديقى، وقلت ألا يحض الإسلام على المودة بين المسلمين؟ فقال طبعًا دون شك، فقلت: أليس من المودة أن نسلم على بعض بعد الصلاة هذا لم يكن موجودًا فى السلف الصالح، إذن هو بدعة، فهؤلاء يقلدون ولا يبدعون، ويريدون أن نعيش زمن السلف الماضى مع أن الزمن تغير، ولهذا علنياً أن نكون أبناء هذا العصر بمصريتنا السمحة المتعاونة دون اغتراب عنها أو تقليد الغير.

< لكن البعض يطالب باستحضار تجربة الدكتور طه حسين فى مستقبل الثقافة المصرية؟

- الدكتور «طه حسين» قال هذا الكلام منذ أكثر من نصف قرن، والأمور المطروحة حينها أصبحت غير مطروحة الآن، وحياتنا أصبح بها أشياء كثيرة يجب أن نفكر فيها لنصلحها ونسير على هداها، فهو قدم لزمانه، ونحن يجب أن نقدم لزماننا، وهذا لن يتأتى إلا أن نعيش زماننا قبل كل شىء.

< ما ثوابت المجتمع المصرى التى يجب ألا تُمس مع أى فكر أو تنوير أو نهضة؟

- توجد أمور ثابتة بطبيعتها، مثل الأخلاق الطيبة والصدق والمودة، وشهامة المصريين وروحهم الطيبة ومواقفهم مع الأهل والجيران فى الأفراح والأحزان والمصائب، لكن اليوم للأسف الجيران لا تعرف جيرانها فى المدينة، مع أننى لا أصفها بأنها فاسدة، لأن هذا أصبح من طبيعة الحياة فى المدينة وليست ثوابت.

< وما طبيعة المثقف المصرى؟

- المثقف المصرى له عاداته وتقاليده المصرية التى اكتسبها من المجتمع وورثها من التراث، وكل يعمل بما يراه صالحًا، فالبعض يعمل بثقافته للتقرب من السلطة، والآخر يستخدم ثقافته لمعارضة السلطة المهم أن المثقف الحقيقى يجب أن يكون حر التفكير تماماً، وأن يعرف ماذا يفيد المجتمع، وماذا يضره، وعليه أن يؤيد ما يفيد ويعارض ما يضر، سواء وضعه هذا على يمين أو شمال أو حتى وسط السلطة، فالثقافة ليس لها أخلاق، بل المثقف هو الذى له أخلاق.

< وماذا عن السياسى المصرى؟

- ما يجب على المثقف أن يفعله، يجب على السياسى أيضًا باعتباره زعيماً جماهيرياً، والسياسى يجب أن يكون مستقل التفكير والقرار، والأهم أن يكون سياسياً مثقفاً لزيادة معرفته وسعة تفكيره، وهذا يجعله يرى الأمور بنظرة أفضل بما ينعكس على القرار الذى يتخذه.

< وكيف ترى رجل الدين أو عالم الدين فى مصر؟

- لها هيمنة وخطوة كبيرة لدى المصريين، لكن دعنى أسألك: لماذا قسمت النخب هكذا إلى مثقف وسياسى ورجل دين؟

- لأن أوضاعنا الحالية هى نتائج رؤية المثقف وقرار السياسى وهيمنة رجل وعالم الدين؟

- معك حق فى هذا.. ولهذا يجب على الجميع أن يكون متعلمًا وفاهمًا لما يقوم به من أدوار سواء المثقف أو رجل الدين أو السياسى، وأن يكون مستقل التفكير تمامًا، ويضع صالح المجتمع هدفه الأول، ويعلم أن الإنسان كرمه الله فى جميع الشرائع السماوية والإسلام قال: ولقد كرمنا بنى آدم ولم يحدد من هو ديانته أو جنسه أو لونه وعلى الجميع أن يفهم ذلك سواء كان متعلمًا تعليمًا دينياً أو مدنياً.

< هل أشرفت على رسالة الدكتوراه الخاصة بالسيدة جيهان السادات؟

- لا.. بل كنت رئيس القسم حينها ولم أشرف على رسالتها، ولكن أستاذها وعلاقتى بها طيبة حتى اليوم، وكنت فى العراق عندما تقدمت بالرسالة وبعد عودتى أخبرونى بأن حرم الرئيس تقدمت للالتحاق للحصول على الدكتوراه والدكتورة «سهير القلماوى» هى التى أشرفت على رسالة «جيهان السادات».

< لكن بعد وفاة «السادات» ادعى البعض أن هذه الدكتوراه أعدت وقدمت لحرم الرئيس؟

- البعض ادعى ذلك، ولكن حكاية أن «سهير القلماوى» كتبت لها الرسالة، فهذا مستحيل لأن «القلماوى» لا تكتب رسالة لأى إنسان، ثم إن «جيهان» نفسها فضلت أن تشرف على الرسالة «سهير القلماوى» حتى تبتعد عن مثل هذه الادعاءات، ولو ذهبت لأستاذ آخر ربما يقولون كتب لها الرسالة مجاملة، واختيار «سهير» جاء لأنها هى السبب فى دخول «جيهان» قسم اللغة العربية، لأنها فى البداية كانت تقدمت إلى قسم اللغة الإنجليزية على اعتبار أنها تجيد الإنجليزية، لكن البعض نصحها، ومنهم «القلماوى» بذلك لأنها زوجة لرئيس الجمهورية وعرضة أن تتحدث العربية، ففكرت واقتنعت واتصلت بالدكتور «سهير» لأنه يوجد علاقة نسب بعيدة بين «جيهان» وبين «سهير»، وعليه أؤكد أنه لم يكتب أحد لـ«جيهان السادات» سطراً واحداً فى رسالتها، ولكن أصدقاءها ساعدوها فى إرسال كتب ودراسات وأبحاث كمساعدة الأصدقاء فيما بينهم، وهذا أمر طبيعى ووارد.

أهم الاخبار