بعد إجازتها بناء المشروعات الاستثمارية:

الحكومة تفتح ابواب جهنم للتعدى على الأراضى الزراعية

الحكومة تفتح ابواب جهنم للتعدى على الأراضى الزراعية
كتبت - نادية مطاوع

مع أن الحكومة تشكو منذ سنوات من تآكل مساحة الأرض الزراعية، ومع أنها تدعى تصديها للتعديات التى تقع عليها، إلا أنها فى الوقت نفسه تصدر قوانين تسمح بالبناء عليها من أجل المستثمرين، وكأن ما حدث للأراضى الزراعية طوال سنوات ما بعد الثورة ليس كافيا، فنجد وزير الزراعة يصدر قرارًا يسمح ببناء المشروعات الاستثمارية على الأراضى الزراعية، وهو ما اعتبره الخبراء كارثة تهدد ما بقى من أراض زراعية، فالأرقام تشير إلى ضياع ما يقرب من نصف مليون فدان من أجود الأراضى الزراعية بالبناء عليها بعد الثورة، فى حين أن تواطؤ المحليات وانعدام الرقابة فشلا فى منع التعديات تمامًا رغم القوانين التى تجرم البناء عليها، وجاء قرار وزير الزراعة ليفتح الباب من جديد للقضاء على ما بقى من الأرض الزراعية التى تتناقص أمام الزيادة السكانية التى تأتى على الأخضر واليابس.

منذ قيام ثورة 25 يناير والأراضى الزراعية تتعرض لهجمة شرسة، حيث استغل الكثيرون حالة الفراغ الأمنى والادارى الناتج عن غياب الادارات المحلية عن القيام بدورها، وقاموا بالتعدى على الأراضى الزراعية بالبناء حتى وصلت هذه التعديات إلى مليون و750 ألف حالة التهمت ما يقرب من نصف مليون فدان من أجود الأراضى الزراعية بالوادى والدلتا، وبعد تعافى الأمن وعودته تمت مواجهة هذه التعديات بهدمه كليًا أو جزئيًا، ولكن الأرض الزراعية كانت قد فقدت خصوبتها، ولم يفكر أحد فى اصلاحها وإعادة استزراعها مع أن الدكتور حسام شلبى أستاذ الاقتصاد الزراعى بجامعة الأزهر أكد أن هذا الأمر ممكن بعد معالجة الأرض وإعادة الخصوبة إليها.

وفى عام 2014 أصدرت حكومة المهندس إبراهيم محلب قانونًا لمنع التعدى على الأراضى الزراعية واعتبرها جريمة مخلة بالشرف تمنع صاحبها من ممارسة حقوقه السياسية، والترشح لمجالس إدارة الجمعيات الزراعية والمجالس المحلية والبرلمان، بالإضافة إلى تشديد العقوبة للسجن لمدة 5 سنوات وغرامة 200 ألف جنيه عن كل فدان يتم تبويره للبناء عليه، وهو ما ساعد على توقف حركة التعديات على الأراضى الزراعية إلى حد ما، إلا أن المهندس عصام فايد وزير الزراعة أصدر قرارًا فى شهر ديسمبر الماضى يحمل رقم 1919 لسنة 2016 بالحالات التى يجوز لها إقامة مبان على الأراضى الزراعية فى الوادى والدلتا والأراضى الجديدة والمستصلحة، وهى من يمتلك حيازة زراعية مساحتها 5 أفدنة على الأقل فيجوز له بناء مسكن خاص أو ما يخدم الأرض الزراعية، أو فى حالة إقامة المشروعات التى تخدم الانتاج الحيوانى والداجنى والزراعى بالأراضى الجديدة، واشترط لذلك موافقة جهة الولاية على الأرض وقطاع الانتاج الحيوانى وهيئة الخدمات البيطرية، أما الحالة الثالثة فهى اقامة أسواق للماشية بشرط ألا تقل المساحة عن 5 أفدنة وأن تكون على طريق عام، والرابعة هى الترخيص لمن يريد اقامة محطات تموين للآلات الزراعية من بنزين وسولار بشرط ألا تقل المساحة عن 1000 متر، وأن تكون على طريق عام وألا تقل المسافة بينها وبين أقرب محطة عن 20 كيلومترًا، وهو القرار الذى اعتبره محمد فرج رئيس اتحاد الفلاحين كارثة ستضيع ما تبقى من أراض فى الدلتا والوجه البحرى، مشيرًا إلى أن هذه المناطق بها مشروعات كثيرة والسماح بانشاء المزيد من المشروعات عليها يعد اهدارا للأراضى الزراعية الجيدة التى لا يمكن تعويضها.

وأشار إلى أن هذا القرار يمكن العمل به فى الأراضى الجديدة أما الأراضى القديمة فيجب منع البناء عليها بجميع الأشكال خاصة أن هذه الأراضى تآكلت مساحات كبيرة منها خلال الفترة الماضية بسبب التعديات عليها، وأوضح أن الأمر ليس مقصورا على فقدان الأرض الزراعية ولكن البناء يؤدى إلى تدمير شبكة الصرف المغطى، وهذه تكلفة أخرى لا تعوضها الغرامات التى يتم تحصيلها من المخالفين.

مولات تجارية

ومع أنه منذ تسعينيات القرن الماضى والدولة تحارب البناء على الأرض الزراعية بالقوانين إلا أنها كانت أول من يتعدى عليها بالسماح بانشاء مولات تجارية ومشروعات استثمارية وطريق مصر الاسكندرية الزراعى ملىء بمثل هذه المشروعات والمولات التى بنيت على أجود الأراضى الزراعية التى لا يمكن تعويضها، ومنها مولات خاصة برجال أعمال وأخرى تنفيذ وزارة الاستثمار، واليوم جاء قرار وزير الزراعة ليفتح بابا خلفيا لمزيد من التعديات على الأراضى االزراعية، وجاء هذا القرار عقب صدور قرار آخر له منذ عدة أشهر يحمل رقم 615 لسنة 2016 بتعديل قانون القرار الوزارى رقم 1836 لسنة 2011 والخاص بالحالات المستثناة من انشاء مبان ومنشآت على الأراضى الزراعية، وأكدت المادة الأولى من القرار على عدم السماح بانشاء أى مبان خارج الأحوزة العمرانية للقرى، ولكنها استثنت من ذلك الأرض التى تقيم عليها الحكومة المشروعات ذات النفع العام، بشرط موافقة وزير الزراعة والأراضى التى تقام عليها مشروعات تخدم الانتاج الزراعى والحيوانى، أو المشروعات العامة مثل محطات المياه والكهرباء أو صوامع القمح، واعتبر القرار أيضا السلاسل التجارية التى تقيمها الحكومة ضمن المشروعات المستثناة، وكذلك المشروعات التابعة للجمعيات الخيرية، كما تضمن القرار استثناء محطات تقوية المحمول فى حدود مساحة 150 مترًا للمحطة الواحدة، وكذلك مشروعات تموين الآلات الزراعية ومستودعات الأنابيب.

ويرى الدكتور محمد عصام الدين أستاذ الأراضى والمياه بكلية الزراعة جامعة القاهرة أن هذا القرار يمكن ان يصبح بابا خلفيا لعودة التعديات على الأراضى الزراعية إذا لم تكن هناك رقابة فعلية على أداء المحليات، مشيرًا إلى ضرورة وجود معايير واشتراطات واضحة للبناء، ومتابعة مستمرة لعملية البناء، وعدم منح التصاريح الخاصة بالمرافق إلا بعد التأكد من الالتزام بكل الشروط.

وأضاف الدكتور عصام أن التعديات على الأراضى الزراعية ما زالت مستمرة بفضل عدم الرقابة، ورغم كل القوانين ما زالت عمليات البناء تسير على قدم وساق، ولمنعها لابد من وجود رقابة على المحليات، ومحاسبة المحافظين المقصرين فى أداء عملهم، والقيام بتصوير جوى للقرى بصفة مستمرة للتأكد من تنفيذ أحكام الازالة وإعادة زراعة الأراضى التى تم البناء عليها.

مخالفات

وكانت قضية المخالفات التى تحررها المحليات ضد الأراضى التى تم البناء عليها قد فرضت نفسها على البرلمان، حيث تقدم النائب أيمن عبدالله بمشروع قانون للتصالح فى مخالفات البناء على الأرض الزراعية، مشيرًا إلى أن التصالح فى هذه المخالفات قد يعود على الدولة بنحو 250 مليار جنيه، ولكن رئيس اتحاد الفلاحين أكد أن صدور مثل هذا القانون سيؤدى إلى تدمير ما بقى من المساحة الزراعية، لذلك يجب الوقوف ضد صدوره.

ويذكر أن مساحة الأرض الزراعية فى مصر تقدر بنحو 8.5 مليون فدان منها 6.2 مليون فدان فى الأراضى القديمة بالوادى والدلتا، والباقى أراض صحراوية تم استصلاحها، ولكن مع الزيادة السكانية التى تقدر بـ1.5 مليون نسمة سنويا، كان لابد من زيادة المساحات المزروعة بما يعادل 75 ألف فدان، إلا أن الاحصاءات تؤكد أننا نفقد 30 ألف فدان سنويا بسبب التعديات، وتأتى القرارات الحكومية لتزيد الطين بلة، رغم الدراسات التى أعدتها هيئة الاستشعار عن بعد– وهى هيئة حكومية أيضًا– والتى تؤكد أن مصر مهددة بفقدان أكثر من 17% من الأراضى القديمة بحلول عام 2050.