رؤى

لماذا لقب بالأستاذ؟

قيمة الأستاذ محمد حسنين هيكل رحمة الله عليه، كما سبق وقلت من قبل، ليست في أنه كان شاهداً على مراحل الحكم المختلفة، ولا لأنه صاحب خبرة كبيرة في التعامل مع الحياة السياسية والاجتماعية، ولا حتى في قدرته على الكتابة الجميلة، ولا لأنه كان قريباً من صناع القرار، قيمة الأستاذ الحقيقية في عقليته، فقد كان يرى ويرصد ويهضم ويحلل وينتج، قد تختلف مع بعض ما ينتجه، وقد ترفض بعض ما ينتجه، وقد لا تهضم بعض ما يقوله، لكنه في النهاية إنتاجه هو، رأيه الذي يرشدك لذاته، هيكل رحمة الله عليه، ونحن فى ذكراه، كان يرى العالم جيدا ويعيشه لكنه لم يكن يغرق في تفاصيله، دائما يترك مسافة بينه وبين الوقائع والأحداث، عندما يكتب نراه في ذاته، ولا نراه تابعاً أو ناقلاً أو متبنياً أو مكرراً، نرى كاتباً وليس شاغلاً لمساحة.

هذه الرؤية لا تتوفر في الكثير من كتابنا، سواء من نطالعهم يومياً أو أسبوعياً أو شهرياً أو نقرأ لهم في المواسم، كما أنها لا تتوفر كذلك فيمن طرحوا أنفسهم كمصادر وكمحللين.

أغلبنا يكتب في المكتوب، نستدعى المطروح والمتاح والمستهلك ونتبناه، أغلبنا غرق في الواقع ومصالحه ومغرياته، أغلبنا يرى العالم من خلال النوافذ التي فرضتها الدولة من خلال توابعها(النخب) وأدواتها فى الإعلام، وبعضنا يرى الواقع من خلال الأيديولوجيا والمصالح والحاجة.

معظمنا يمتلك موهبة في صياغة المتاح، وبعضنا لا يمتلك القدرة على قراءة الوقائع، وبعضنا لا يستطيع إنتاج رؤية خاصة، وبعضنا عجز عن تصنيع نافذة يطل منها على المشهد والعالم.

هيكل رحمة الله عليه من الشخصيات التي صنعت لنفسها المقعد والنافذة ويمتلك القدرة على صياغة ذاته، قد يرى البعض أنني من دراويش الأستاذ هيكل، على العكس تماما، فأنا ضد الدروشة، وأرفض التبعية للأشخاص أو المؤسسات، ولا أقبل أن أحشر نفسي داخل أيديولوجية، كما أننى ضد أغلب الفكر الناصري، وأرى أن من التفوا حول هيكل رحمة الله عليه كان لمنفعة، وأن معظم من اقتربوا منه لم يمتلكوا رؤية، ولا القدرة على كتابة محايدة وجميلة، فقط كانوا مجرد توابع، بعضهم يبحث عن منفعة، وبعضهم يسعى نحو شهرة، وبطبيعتي أقدر فقط صاحب الرؤية.

إنني مثل الكثير قد أختلف وقد اتفق مع ما يكتبه، وقد أرى أنه لم يخرج عن المتاح في واقعة ما، لكنني حاولت فقط من خلال هذه السطور أن أوصفه وأوضح لماذا هو كان هيكل؟، ولماذا سمي بالأستاذ؟، وكيف أراه ولماذا أقدره وأحترمه؟، رحم الله الأستاذ وأفسح له في جناته.

 

[email protected]