أنوار الحقيقة

الدستور.. وارتفاع الأسعار.. وحرية السوق

< كرر الرئيس عبدالفتاح السيسى القول بأن على الحكومة أن توفر السلع التى يحتاجها المستهلكون من الشعب فى الأسواق، وذلك بأسعار مناسبة. وقد تقرر هذا التوجيه والتصريح بعد عديد من الندوات والمؤتمرات التى شارك فيها رئيس الوزراء وعدد من الوزراء ذوى العلاقة بالاقتصاد القومى. وقد صرح رئيس الوزراء المهندس شريف إسماعيل وعدد من الوزراء بأن أساس هذه التصريحات الرئاسية أن الدولة تلتزم دستورياً باتباع المبادئ الأساسية للرأسمالية التى تقوم على «حرية السوق المطلقة» بحيث لا يجوز حسب رأيهم أن تقرر الحكومة تسعيرة جبرية للسلع الرئيسية أو تحدد نسبة من الأرباح كحد أقصى. وقد ترتب على هذه الرؤية والسياسة الاقتصادية التى التزمتها الحكومة أن اشتعلت الأسعار، خاصة بعد تعويم سعر الجنيه وتحرير سعر الدولار!! ولا شك أن ما تم حتى الآن فى هذا الشأن قد أثار -وما زال- الغضب والسخط من أغلبية الشعب وخاصة من محدودى الدخل والفقراء على النظام الحاكم بأكمله، بل إن الحقيقة الثابتة هي أن هذا السخط والغضب قد طال الشعبية التى يتمتع بها الرئيس السيسى نفسه!!

< وحقيقة الأمر الذى لا يدرى الشعب أسباب تجاهله من الحكومة أنه فى الدول النامية لا يتلاقى العرض والطلب فى السوق بحرية كاملة، بل إن الطلب على السلع يكون غير مرن وحتمى وقهري للمستهلكين من الشعب وخاصة بالنسبة للسلع الأساسية اللازمة للحياة الآدمية، بينما يكون العرض تحت سيطرة وتحكم المستوردين والمنتجين والتجار للسلع المختلفة، ويعتمد هؤلاء المحتكرون للعرض والذين يستغلون الشعب بالتهريب للسلع وعدم التصرف فيها بالعرض الحر على المستهلكين إلا بالأسعار الغالية الدائمة الارتفاع، وذلك على الرغم من أنه قد ترتب على ارتفاع سعر الدولار الذى وصل إلى (18) جنيهاً فى الأيام الماضية وأن هذا هو السبب في ارتفاع الأسعار فى السوق للسلع كافة بسببه. وبناء على هذه الحقيقة الأساسية وهى سيطرة العرض على السوق وعلى الأسعار المرتفعة لتحقيق أرباح فاحشة للمستوردين وتجار السوق السوداء فإنه لا علاج للأسعار الملتهبة فى السوق بالمحاولات المحددة لزيادة العرض فى السوق بل يجب اتخاذ الإجراء الذى تم اتباعه فعلاً فى مصر من قبل حتى فى العصر الملكى الرأسمالى.

وخلال الحرب العالمية الثانية وهو تحديد الأسعار الجبرية بالقانون بما يكفل «العدالة الاجتماعية». وقد صاحب ذلك أيضاً تحديد حد أقصى للأرباح ويؤكد حتمية اتخاذ هذه الإجراءات الآن بالقانون لأن الدستور ينص فى المادة (5) منه على أن «يقوم النظام السياسى على أساس التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمى للسلطة والفصل بين السلطات والتوازن بينها وتوازن المسئولية مع السلطة واحترام حقوق الإنسان وحرياته على الوجه المبين بالدستور».

كما نصت المادة (8) على أن «يقوم المجتمع على التضامن الاجتماعى وتلتزم الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعى بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين على النحو الذى ينظمه القانون.

< ويتضح من كل هذه الأحكام والنصوص الدستورية أن أحكام الدستور صريحة ومحددة فى الالتزام بالعدالة الاجتماعية وحماية المستهلك وحظر الاحتكار... إلخ، وبالتالى فإن سياسة الحرية المطلقة للسوق التى تعتمد عليها حالياً الحكومة ويروجها الرأسماليون المستغلون والمحتكرون ليست سياسة صحيحة وديمقراطية، بل إنها تمثل مخالفة صريحة وجسيمة لأحكام الدستور والتى يجب أن تحترم الدولة بجميع سلطاتها الشرعية الدستورية والقانونية فوراً ودون تأخير وقبل أن يصل الأمر إلى الثورة.

رئيس مجلس الدولة الأسبق