«اللعبة بعيدة المدى»

وسط حالة الهرج والمرج التى تنتاب العالم والمحللين السياسيين منذ قدوم «دونالد ترامب» إلى البيت الأبيض والاختلاف حول سياسته، أجدنى أعود إلى الوراء قليلًا مع أحد مديرى التخطيط الاستراتيجى فى إدارة أوباما؛ ديريك كوليت وكتابه: «اللعبة بعيدة المدى» (The Long Game)؛ وخاصة أننى من المقتنعين أن أوباما مهما اختلفت مع توجهاته، فإنه كان ممتلكًا نواصى العديد من القضايا السياسية؛ ويحرك العالم وفقًا لمصالح أمريكا؛ لكونه يعلم أنه منذ أحداث 11 (سبتمبر) وأمريكا تعيش فترة حرب وتحاول إثبات أنها من الأقوياء؛ معتمدًا فى رؤيته السياسية على عنصرَين بارزينِ فى أسلوب إدارته للأزمات؛ باعتماده المستمر للمقاربات الدولية ذات المفاعيل الإيجابية بعيدة المدى، وركونُه الدائم إلى الواقعية السياسية البعيدة عن المظاهر الاستعلائية «الفارغة»، وهو ما يفعل عكسه «ترامب» على طول الخط. إلى جانب أن أوباما أراد الجمع بين القوة الاقتصادية لبلاده والسلطة العالمية التى تحظى بها؛ لجعل العالم تحتـرم بلادَه لقوتها العسكرية واقتصادها المتقدم وحيويتها الداخلية ومثلها الأخلاقية؛ مستخدمًا ما يسمى «الاستراتيجيات الكبرى». وفى الحقيقة أن سجل سياسة أوباما الخارجية، ومكانة الولايات المتحدة فى العالم معيارًا أساسيًا سيُقاس به أداء «دونالد ترامب» فى الرئاسة؛ لكون أوباما أعطى السياسة الأمريكية سلطتها ونفوذها العالمى أكثر من أى رئيس ديمقراطى منذ عهد جون كينيدى. وخاصة أن أى مشكلة لديه مهمة بلغت من التعقيدات يعشق التصدى لها ومواجهتها، لكونه شخصية «نتائجية» تركز على الآمال المنشودة فى السياسة، وغير مهتم بالمظاهر والشكليات التى لا جدوى منها، معتمدًا على منظومة خاصة فى السياسة الخارجية بعيدة المدى؛ تقوم على ثمانى خصال: التوازن، والاستدامة، والكبح، والدقة، واللاعِصْمة، والتشكيك، والاستثنائية. لقد كان أوباما معارضًا لغزو العراق وبلوَر اعتراضه بأن جاهر فى الاحتجاج ضد الحرب، فى العام 2002، وأظهر كلَ ملامح العيوب الكامنة فى الخطاب السائـد آنذاك حيال السياسة الخارجية للبلاد. وهناك خطاب لأوباما فى العام 2007؛ قال فيه إن الشعب الأمريكى تضلله وسائل الإعلام التى تحرف الحقائق لصالح الوجهة السياسية الرامية إلى شن الحروب. وفى العام 2015، قال: «عندما أعلنت ترشيحى للرئاسة منذ ثمانى سنوات، كنت من معارضى شن الحرب على العراق... وقلت آنذاك إنه ينبغى أن تتغير الذهنية التى تسودَ مقاربتنا لسياساتنا تجاه العالم، فهى ذهنية تركن إلى شن الحروب بدل السعى للحلول الديبلوماسية، وهى كذلك تفضل الانفراد فى التعاطى الدولى مع الأحداث بدل بناء التوافقات الدولية مع دول العالم... وهى ذهنية تبالغ فى تضخيم التهديدات مناقِضَة تطميناتِ المعلومات الاستخبارية». ومع ذلك يكمن ضعف سياسة أوباما الخارجية فى سوريا، فكما يقول ديريك كوليت إنه ليس ثمة قضية امتحنت سياسة أوباما للمدى البعيد مثـلما فعلت الأزمة السورية، فتلك المشكلة استعصت على الحلول البسيطة، وجميع القرارات التى اتخِذت حيالها كانت قرارات سيئة؛ ففى بداية الأزمة، استقر هدف الإدارة الأمريكية على تنحية الرئيس السورى بشار الأسد عن السلطة؛ وحاولت إدارة أوباما استحداث سياسة متوازنة ومستَدامة تضمن المصالح الأمريكية. وبما أن روسيا كانت داعمة لنظام الأسد. وحذر أوباما من أن التدخل العسكرى الأمريكى على الأرض فى سوريا قـد يجعل الأوضاع أكثر سوءًا؛ وبتدخل الولايات المتحدة فى الأزمة السورية، لقيت إدارة أوباما حركات مقاومة مندفعة عقائديًا ووطنيًا؛ وأصبحت فى وضع غير مريح؛ ومع بروز ملامح حل من خلال الدبلوماسية، بدا واضحًا أنه لن يكون انتقالاً سياسياً ممنهَجاً للحُكم من دون وجود الأسد. ومثـلما يتعاطى الطبيب مع داء السرطان، حاولت الإدارة الأمريكية تلطيف العوارض الجانبية وتجنب استفحال الأزمة، فى حين البحث عن حل دائم؛ وخلق المكان والزمان الملائمَين لحصول «انتقال ممنهَج» للسلطة. وكان ينبغى احتواء الأزمة، فلا تهدِدَ شركاءَ الولايات المتحدة المقربينَ، المجاورين لسوريا، لا سيما إسرائيل والأردن وتركيا؛ مع تجنب عدم الاستقرار الإقليمى؛ لذلك سعت الإدارة الأمريكية إلى إيجاد إجراءات تلطيفية تخفف من تداعيات الأزمة السورية. والسؤال ماذا سيفعل «دونالد ترامب» حيال نقطة الضعف الأساسية عند أوباما وهى الأزمة السورية.