عودة الناصرية جنون مطبق (29)

 

وقفنا فى الحلقة السابقة عند اندلاع ثورة عسكرية فى اليمن فى 26 سبتمبر سنة 1962 بعد أسبوع من موت الإمام أحمد، ملك اليمن، وتولى ابنه البدر عرش اليمن وهروبه إلى الشمال فور وقوع الانقلاب العسكرى واحتمائه بالسعودية.

طالب اللواء عبدالله السلال، قائد الانقلاب العسكرى، بالعون من مصر، وكان السلال قبل الانقلاب قائد الحرس الملكى، وعلى الفور اتخذ عبدالناصر أخطر قراراته وأكثرها رعونة ولم يجد بين معاونيه من يجرؤ على نصحه بعدم الإقدام على ما هو مقبل عليه، لم يحسب عبدالناصر حساب أن الغرب الاستعمارى بزعامة أمريكا يستحيل عليه أن يسمح لعدو بوضع جيشه بجوار منابع النفط المقدسة بالخليج، وأن اليمن يمكن أن تكون الفخ الذى يستدرج إليه جيش مصر لتدميره، فى الوقت الذى تقف فيه إسرائيل على حدود مصر موقف العدو المتحفز الذى ينتظر فرصة الهجوم على مصر، ولم يكن جيش مصر رغم كل حماسه وشجاعته ليقدر على مواجهة كل ذئاب الشر التى سيحشدها التحريض ضده على أرض اليمن ومواجهة جيش إسرائيل على حدود مصر فى الوقت نفسه.

سارع عبدالناصر بالاستجابة لطلب السلال، فأرسل بعض وحدات الصاعقة والطيران إلى اليمن، وقبل أقل من شهر على وقوع انقلاب اليمن قطعت كل العلاقات بين مصر والسعودية، وألقت السعودية بكل ثقلها المادى والعسكرى وراء البدر الذى لجأ إليها، فقامت المخابرات الأمريكية بحشد خمسة عشر ألفاً من الجنود المرتزقة من أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا والعنصريين البيض فى جنوب أفريقيا للقتال فى صف البدر والسعودية على أرض اليمن، وسارع عبدالناصر بإرسال مزيد من القوات المصرية من الجيش البرى والبحرية والطيران إلى اليمن حتى وصل عدد القوات المصرية فى اليمن عند اندلاع حرب الأيام الستة فى يونيو سنة 1967 إلى نحو سبعين ألفاً من أكثر جنود مصر تدريبًا وخبرة قتالية.

كانت قبائل اليمن التى لم يعرف معظم أفرادها بحكم البيئة السائدة فى اليمن ولاء غير للقبيلة، وكانت الحرب فرصة لهم للاستفادة من الطرفين المتقاتلين وكثيرًا ما كان أفراد نفس القبيلة يتلقون المال والسلاح من مصر ومن القوات الموالية للبدر فى الوقت نفسه وأحيانًا كانوا يشنون الهجمات نهارًا ضد البدر وقواته لصالح مصر، ثم يقيمون كمائن ليلية ضد القوات المصرية.

ظل عبدالناصر ينزلق فى مستنقع اليمن ويستنزف قوات الجيش وموارد مصر الاقتصادية شهرًا وراء شهر وعامًا بعد عام وأمريكا والغرب فى غاية الرضا والسعادة لحرب الاستنزاف هذه ضد مصر التى لا يمكن لأى من الطرفين تحقيق نصر عسكرى فيها كما هو مخطط حتى يتمكن الغرب من نصب الفخ الرئيسى لمصر والعرب فى يونيو سنة 1967 ويضع مصر أمام الرأى العام العالمى فى موقف المعتدى الذى يخل باتفاقاته الدولية عندما أعلن عبدالناصر فى مايو سنة 1967 إغلاق خليج العقبة فى وجه الملاحة الإسرائيلية وإعطاء إسرائيل حجة المعتدى عليه الذى يدافع عن نفسه، كما سنذكر فى حينه.

وعلى صعيد العالم العربى حدثت بعض التطورات التى زادت من العبء العسكرى على مصر رغم مساعدتها لعبدالناصر من ناحية أخرى، فقد استقلت الجزائر أواخر سنة 1962 بعد ثمانية أعوام من حرب تحرير طاحنة ضد الاحتلال الفرنسى الذى دام مائة واثنين وثلاثين عامًا منذ سنة 1830، وبمجرد استقلالها أصبحت حليفًا لعبدالناصر وسندًا لخطه العروبى، إلا أن المملكة المغربية الخاضعة وقتها للنفوذ الفرنسى رأت استغلال ما ظنته فراغًا سياسيًا وعسكريًا فى الجزائر وقرب انسحاب فرنسا منها، فحاولت المغرب احتلال أرض جزائرية ولم تكن ثورة الجزائر بعد استقلالها قد أتيح لها الوقت بعد لإقامة مؤسسات دولة جزائرية وجيش وطنى جزائرى، فاستنجدت الجزائر بمصر وسارع عبدالناصر بإرسال قوات مسلحة مصرية إلى حدود الجزائر مع المغرب لردع أى عدوان مغربى على الجزائر، ولحسن حظ مصر وعبدالناصر تراجعت المغرب، فتجنبت مصر فتح جبهة عسكرية جديدة بجانب اليمن وإسرائيل وخلال حرب الاستنزاف الدائرة فى اليمن سقط عبدالكريم قاسم عدو عبدالناصر اللدود من السلطة فى العراق بانقلاب عسكرى قاده عبدالسلام عارف، صديق عبدالناصر، وتم إعدام قاسم وأصبح لعبدالناصر حليف جديد فى العراق ولكن ذلك لم يخفف الحمل على جيش مصر واقتصادها نتيجة المستنقع اليمنى، حيث إن عبدالسلام عارف لم تكن لديه أية نية فى التدخل فى حرب اليمن ومساعدة مصر عسكريًا بها.

دارت فى هذه الفترة مفاوضات ومشاورات بين أقطاب حزب البعث فى كل من العراق وسوريا مع عبدالناصر بهدف إعادة التفكير فى وحدة عربية جديدة أو على الأقل اتحاد فيدرالى بين الدول الثلاث واستمرت هذه المفاوضات أشهراً عديدة ولكنها لم تؤدِ إلى أى نتيجة.

كان الاستنزاف العسكرى والاقتصادى قد أحدث أثره وضغطه على كل من مصر والسعودية، فاتجه الطرفان إلى محاولة إنهاء الحرب فى اليمن وتوسطت كل من العراق والجزائر فى ذلك حتى وصل الطرفان إلى توقيع اتفاقية بالطائف فى أبريل سنة 1964 وهو ما سنغطيه فى المقال التالى.

 

الرئيس الشرفى لحزب الوفد