غرفة صناعة الإعلام

على الهوا

 

أصحاب الفضائيات من رجال الأعمال شكلوا هيئة تراعى مصالحهم واستثماراتهم وهذا حقهم وأسموها «غرفة صناعة الإعلام»، ولأن مهنة الإعلام فى مصر مهنة مستباحة فقد شاهدت مسئولاً عن هذه الغرفة يتحدث فى أحد «دكاكين الإعلام» المملوكة لأعضاء الغرفة يتحدث عن «الإعلام» باعتباره نشاطاً استثمارياً يعامل كما يعامل أى نشاط تجارى أو استثمارى، ويكون من حق «صاحب رأس المال» الهيمنة على نشاط يموله، شأنه شأن أى نشاط آخر صناعى أو تجارى.

وأخذ سيادته يتحدث بثقة عن قواعد وضوابط الاستثمار وأهمية الاندماج فى كيانات ضخمة لأن هذا هو الاتجاه السائد فى العالم، وكانت المذيعة التى تحاوره فى حالة «انهبار» عبيط وهى تعقب على حديث الضيف مؤيدة لكل ما يقول.

شعرت بمرارة وأنا أرى هذا المستوى من مقدمى البرامج ممن لا يملكون الحد الأدنى من المعرفة بعلوم وقواعد وتقاليد النشاط الإعلامى وأشفقت فى نفس الوقت على المذيعة التى تناقش «صاحب المحل» الذى يوظفها فى قناته!

ففى البلاد المتقدمة التى يتحدث عنها الضيف استقرت الأعراف ووضعت التشريعات التى تمنع «أصحاب وسائل الإعلام» من التدخل بأى صورة من الصور فى المحتوى الذى تقدمه الوسيلة الإعلامية التى يملكونها. وأصبح مبدأ «الفصل الحاسم» بين الملكية ومحتوى الرسالة الإعلامية أمراً مستقراً لا يقبل مساومة. فالنشاط الإعلامى نشاط له طبيعة خاصة لأنه نشاط يؤثر على تشكيل العقول والقيم الأخلاقية فى المجتمع، من هنا لا يمكن بحال أن يترك مثل هذا النشاط لمزاج أو رغبة من يملك المال.

ولو أننا قبلنا بمبدأ تدخل صاحب الوسيلة الإعلامية فى الرسالة التى تقدمها هذه الرسالة، فعلينا أن نقبل بأن يقوم بعض أصحاب هذه الوسائل الإعلامية بتقديم ما يرونه أكثر جذباً للقارئ أو المستمع أو المشاهد، وفى هذه الحالة فإن المواد الأكثر إثارة للغرائز الدنيا ولكل أشكال التعصب هى المواد الأكثر جذباً وبالتالى الأكثر جذباً للإعلان والضامنة لتحقيق أرباح هائلة.

وفى هذا السياق عندما تنبهت القوى السياسية فى مصر إلى خطورة سيطرة رأس المال على وسائل الإعلام حرصت الدولة عند وضع قانون «الصحافة» على وضع حد أعلى لا يتجاوز عشرة فى المائة من ملكية أى صحيفة للأشخاص وأسرهم.

هذه المادة بالغة الأهمية فى قانون الصحافة لم تطبق على الفضائيات الخاصة؟! بينما تم تطبيقها على الصحافة المطبوعة؟!

حدث هذا لأن السلطات فى مصر لم تتعامل مع «الإعلام» باعتباره نشاطاً له طبيعة خاصة وأنه - أى الإعلام - يجب أن يعامل بمعيار واحد مهما اختلفت «الوسيلة» التى يقدم بها رسالته.

فتحديد حد أعلى لنسبة ملكية الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين فى الصحافة تنطبق بشكل تلقائى على «جميع» وسائل الإعلام.. فاختلاف وسائل تقديم الرسالة الإعلامية سواء كانت مطبوعة (صحافة) أو مسموعة (إذاعة) أو مرئية (تليفزيون) أو إلكترونية، جميع هذه الوسائل تختلف فقط فى طريقة تقديم «المنتج» وهو الرسالة الإعلامية، ومن هنا فإن هذا النشاط بكل وسائله فى العالم المتقدم، بل وفى كثير من البلاد النامية، هذا النشاط (الإعلام) يندرج كله تحت مسمى واحد وهو «الصحافة».

وما يسرى على الصحافة المطبوعة فى جميع هذه البلاد من تقاليد وقوانين وأعراف يسرى على جميع الوسائل التى تقدم رسائل إعلامية.

ونسبة هذا النشاط إلى «الصحافة» أمر طبيعى، فالصحافة المطبوعة هى الوسيلة التى عرفتها المجتمعات البشرية الحديثة كوسيلة لنقل الرسالة الإعلامية. ومع اكتشاف الموجات الكهرومغناطيسية واستخدامها للبث الإذاعى ثم التليفزيونى بعد ذلك كان من الطبيعى أن تعامل «الرسالة الإعلامية» التى تبثها هذه الوسائل الجديدة بنفس القواعد والمعايير المهنية التى تطبق على الوسيلة الأولى «الصحافة المطبوعة»، وعندما انتشرت وسائل البث الإلكترونى لحقت هذه الوسائل الأحدث بالوسائل السابقة، ومع كل تطور تكنولوجى يستخدم فى تقديم «رسالة إعلامية» فإنه يعامل تلقائياً بنفس المعايير والقوانين التى تعامل بها الوسائل التى سبقته.

الخلاصة يا سادة أن النشاط الإعلامى بكل وسائطه ووسائله يجب أن يخضع للقاعدة المستقرة فى التعامل مع هذا النشاط وبالذات ضرورة الالتزام الصارم بمبدأ «الفصل الحاسم بين الملكية وتحرير وتقديم الرسالة الإعلامية» وأى تهاون فى تطبيق هذا المبدأ يعتبر بكل المقاييس عدواناً صارخاً على «حق الشعب» الأصيل فى إعلام حر لا يخضع لسلطة حكم أو لسطوة رأس مال.