محررة «الوفد» سواقة «توكتوك»

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 15 فبراير 2017 17:57
محررة «الوفد» سواقة «توكتوك»محررة الوفد اثناء قيامها بالحصول على اجرة احد الركاب
تحقيق – رحمة محمود

 600 جنيه إيرادات أول يوم.. و1200 فى اليوم الثانى

تزاحم السيدات على الركوب معها.. والسائقون: «لا تنافسينا فى أكل عيشنا»

راكبة: «ايه اللى زنقك على البهدلة دى يا بنتى.. وأخرى:«نفسى أبقى زيك»

 أحد الشيوخ: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة».. وشخص يرد: «ده يقصد رئاسة البلد يا سيدنا.. مش سواقة التوكتوك»

 أغانى «اوكا وأورتيجا.. وآه لو لعبت يا زهر».. أفضل طريقة لـ«نعنشة» الزبائن

 

«عفاريت الاسفلت» مصطلح استخدامه البعض للإشارة إلى «التوكتوك» وسيلة النقل الصغيرة التى استحدثتها الهند، لنقل الافراد. واستطاع هذا العفريت أن يدخل إلى الحوارى والقرى حتى وصل للمحافظات، ولم تستطع اى حكومة ايقافه او منعه من السير، فعام 2015، صرح الدكتور جلال مصطفى السعيد، محافظ القاهرة السابق، بأنه سيتم فرض غرامة 1500 جنيه على سائقى التوكتوك، وذلك تمهيدا لمنعه، ولكن ظلت هذه التصريحات دون جدوى.

وطبقاً للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، وصل عدد التكاتك المرخصة فى مصر لـ74 ألفًا و231 توكتوك حتى نهاية شهر ديسمبر لعام 2014. وأظهر الجهاز عدم وجود أية تكاتك مرخصة فى 9 محافظات وهى القاهرة وبورسعيد والسويس والإسكندرية والبحر الأحمر والوادى الجديد ومطروح وشمال وجنوب سيناء، فيما احتلت محافظة الدقهلية المرتبة الأولى من حيث عدد التكاتك المرخصة بـ19146 توكتوك، ومحافظة بنى سويف فى المركز الأخير بـ25 توكتوك.

«الوفد» استطاعت اختراق عالم العفاريت وعملت محررة الجريدة «سواقة» توكتوك فى منقطة امبابة وبولاق الدكرور والمعتمدية وكرداسة، وعاشت كواليس هذا العالم ومخاطره لمدة يومين. بعض الناس تقبلت فكرة أن تعمل «امرأة سواقة توكتوك» والبعض الآخر نبذ هذه الفكرة، وفضل أن تجلس النساء فى المنزل وتبتعد عن مهن الرجال (كما يصفونها). ولكن رغم تباين الأجيال، هذه الفكرة التى اعتبرها الكثيرون (مجنونة) إلا أنها لاقت قبولاً عند بعض النساء اللاتى فضلن الركوب مع امرأة وشعرن بالاطمئان والامان، بينما الرجال: «نبذوا هذه الفكرة، وبعضهم قال: «أنتم جايين تنافسونا فى أكل عيشنا»، بينما البعض الآخر من الرجال: «تعامل مع الفكرة بمنطق دينى حيث تحدث شيخ عن «أن الست لا يجوز أن تقود اى وسيلة مستعيناً بحديث الرسول «لن يلفح قوم ولوا أمرهم امرأة»، ولكن هذا المنطق لم يلق قبولاً بين الأهالى، حيث بادره شخص بالرد عليه: «يا شيخ الحديث ده بيتكلم عن قيادة الستات للبلاد مش التكاتك، وبعدين كان فى زمن الرسول، انما دلوقتى الزمن أتغير».

البعض نصحنى عند قيادتى للتوكتوك أن احمل «مطواة» لتحمينى من «رذالة بعض الأشخاص، والبعض الآخر اقترح «شفرة الموس»، حيث يُسهل اخفاؤها كما تفى بالغرض وهو تخويف اى شخص يفكر فى التعرض او التحرش بى.

كواليس اليوم الأول

لا يمكن التفكير فى قيادة توكتوك بمناطق شعبية دون التنسيق مع «أباطرة المنطقة كما يطلقون عليهم»، وهم مجموعة من السواقين المتحكمين فى المنطقة فلا يستطيع أى فرد قيادة توكتوك أو السير فى منطقتهم دون علمهم.

لذلك ذهبت إلى «المعلم ش.» كما يطلق عليه البعض، واتفقت معه على تأجير التوكتوك مدة يومين بـ500 جنيه، ولكن بشروط وهى: «ألا ابتعد عن منطقته المتحكم فيها وهى الممتدة من إمبابة لبولاق الدكرور والمعتمدية ووصولاً لكرداسة، فوافق على الفور على الشرط: أما الشرط الآخر: هو 60% من الإيرادات، مقابل حمايتى من «غلاسة السواقين.. أو أى راكب»، فوافقت على الفور، واتفقنا على شروطه علاوةً على الحفاظ على التوكتوك وعودته سلاماً له دون اى خدش.

قبل التنسيق مع المعلم «ش.»، تعلمت السواقة من أحد السائقين مقابل 100 جنيه لليوم الواحد، حيث استغرق الأمر نحو ثلاثة ايام. بعدها أصبحت مستعدة تماماً للمهمة والمغامرة التى قررت خوضها من أجل كشف النقاب عن هذا العالم ومعرفة رأى المجتمع فى «قيادة بنت لتكتوك» خاصةً فى المناطق الشعبية.

اليوم الأول، بدأ من الساعة 4 عصراً حتى الـ9 مساءً. عندما كنت اتجول بتوكتوك فى منطقة كرداسة ليستوقفنى أحد الاشخاص للركوب معى، شعرت بنظرة استغراب من الجميع: أن تقود فتاه فى أوائل العشرينات توكتوك بمنطقة شعبية، ولكن تجاوزت هذا الأمر، وكان الاغرب من نظرات الجمهور: نظرات السواقين التى كانت مليئة بالغضب، حيث قال أحد السواقين: «يعنى الستات جاية كمان تنافسنا فى سواقة التوكتوك.. وتقطع علينا فى أكل عيشنا»، بينما تعمد سائق آخر اعتراض طريقى لمضايقتى: «وعندما كنت أقف فى طريق لراكب كان يسرع إليه ليركب معه».

ومع هذه المضايقات، ألا أن بعض النساء، فرحن كثيراً بفكرة أن تقود امرأة توكتوك ، ورأين أن هذا الأمر افضل كثيرًا، حيث يشعرهم بالأمان علاوةً على تجنب مضايقات وتحرشات بعض السواقيين.

فأغلب من راكبوا معى، كانوا سيدات مندهشات جداً من الفكرة، فسألتنى سيدة فى الخمسينات ترتدى عباءة سوداء: «ايه اللى زنقك على البهدلة دى يا بنتى.. وخلاكى تقودى توكتوك»؟.. فبررت لها الموقف بأننى اعول اسرة ووجدتها مهنة مناسبة افضل من الخدمة فى البيوت خاصةً اننى: «لم احصل على مؤهل علمى»، فاقتنعت إلى حد ما بالقصة، ودعت لى: «يارب يعينك يا بنتى ويحميكى من اللى انتى ركباه ده، واكدت أنها تتمنى أن الست متخافش وتشتغل وتصرف على نفسها، خاصةً أنه: «الزمن ليس له امان.. الأمان الوحيد عمل المرأة».

سعر التوصيلة لأى زبون 5 جنيهات للمكان القريب (محطة واحدة)، ومن 15 لـ30 جنيهًا للمكان البعيد (من محطتين إلى أربع محطات)، هذا السعر كان سبب خلاف بينى وبين العديد من الركاب. خاصةً النساء اللاتى يفضلن الفصال فى أى شىء، ولا يرتحن دون الحصول على خصم مناسب يشعرهن بلذة الانتصار. وينتهى الأمر، أما بالموافقة على تخفيض جنيه، وأتقاضى 4 جنيهات للمحطة الواحدة، وأحياناً أخرى، أصمم على 5 جنيهات للمكان القريب وأرفض تماماً تقليل المبلغ. والموافقة أو رفض الفصال تتوقف على الستات نفسها، فأحياناً تكون الراكبات بائعات خضار أو سيدات تبدو من ملامحهن «انهن مشاغبات ويرغبن فى إشعال أى مشكلة، فأتجنب على الفور الدخول معهن فى اشتباك لأننى سأكون الخاسرة الوحيدة بكل تأكيد.. بينما البعض الآخر من النساء لا يجدلن كثيراً ويوافقن على الفور على دفع المبلغ المطلوب».

تناوب العديد من الأشخاص على التوكتوك، فينزل راكب ويصعد آخر، وفى كل مرة لا تفارق علامات الاندهاش وجوه الركاب. كما لم تتوقف الأحاديث داخل التوكتوك وتساءل الناس عن سبب تهورى وعملى بالسواقة.

ومن بين الأحاديث التى دارت، قالت سيدة: «نفسى أكون زيك واشتغل أى مهنة شريفة.. أن شاء الله حتى: «سواقة توكتوك» ولكن المشكلة فى نظرة الناس وأهلى.. مشيرةً إلى أنها: «لو استحملت كلام الناس مرة واتنين مش هتستحمل المرة الثالثة. وأكدت أن ما رأته من أهل قريتها جعلها تكره مهنًا كثيرة منها الخدمة فى البيوت والطبخ فى الافراح، ولكنها فى النهاية: «قاومت كلامهم الفارغ بحسب «وصفها».. وقررت العمل «دلالة» (بائعة ملابس) لكى توفر كل احتياجاتها.

بينما نصحنى راكب مسن عمره نحو 64 سنة: بـ«أن اتجنب الحديث مع اى زبون وفى حال صدور كلام يضايقنى.. اصمت وامتنع عن الجدل معه»، وأكد لى: «أنه من الأفضل توصيل كبار السن».

رغم أن معظم الأحاديث كانت شرح للناس عن سبب تهورى وقيادتى للتوكتوك، إلا أنها لم تخلُ من عطف بعض الأفراد ودعائهم لى بالتوفيق وحمايتى من «ولاد الحرام، وأيضاً من النصائح والارشادات التى يجب اتباعها للتعامل مع الناس، فقالت لى: «سيدة مسنة عمرها نحو 55 عاماً»: «يا بنتى.. انا عندى بنات زيك ولازم أنصحك لوجه الله.. لو تعرفى تشتغلى حاجة تانية وتتركى الشغل ده يبقى كويس.. انا ممكن أشوف لك شغل فى محل ملابس او مطعم».. لو تحبى، اما بقى لو مصممة تكملى فى الشغل ده.. فربنا يعينك.

شكرتها على كلامها الجميل، ووعدتها بأننى افكر فى الامر، ثم سألتها تحبى اشغلك اى اغنية، قالت: «يارايت بلاش تشغلى اغانى.. مش عايزين نزعج الناس، خاصة أن بالمنازل مرضى وأطفالًا وكبار السن لابد من مراعاة ظروفهم عند مرور التوكتوك بالشوارع الملاصقة للمنازل».

اليوم الثانى

 فى الساعة الـ12 ظهراً، انطلقت بالتوكتوك من منطقة بولاق الدكرور وامبابة، فى هذه المناطق، لا يوجد موقف معين.. بل تتسم حركة المرور بالعشوائية، كما تتزاحم الناس على الركوب لتوصيلها إلى شوارع ضيقة يصعب على الميكروباصات دخولها.

رجل ذو لحية بيضاء وعباءة رمادى قصيرة يتدلى منها بنطلون ابيض، مجرد رؤيته انثى تقود توكتوك: ظل يردد عبارات الاستغفار كأنه ارتكب ذنبًا كبيرًا.. وعندما طلب منه أحد الأشخاص الصعود.. بادره على الفور: «اعوذ بالله.. لا يمكن اركب هذا التوكتوك... وقال الحديث الشريف: «لن يلفح قوم ولوا امرهم إلى امرأة، ثم قال: انا عايز توكتوك يقوده راجل.. انا عايز راجل».. لم ينته من حديثه هذا حتى سارع أحد الركاب قائلاً: «يا سيدنا هدى نفسك.. دى الست لم تفعل أى فاحشة.. دى بتقود توكتوك ودى مهنة شريفة. يعنى مش بتقود «مصر»!

وآخر رد: «يا شيخنا الحديث ده كان له ظروف معينة فى عصر الرسول (ص)، دلوقتى الزمن اتغير.. والبنات ما شاء الله بقت متعلمة». لم يقتنع الشيخ المسن بكلام الناس، وانصرف يبحث عن توكتوك آخر يقوده رجل.

ما يميز تعامل الرجال عن بعض النساء، أنهم يدفعون الأجرة دون فصال منهم، ولكن هذا لا يعنى أن بعضهم قد يلجأ الى حيل للهروب من الدفع، أبرزها: «معلش يا بنتى... محفظتى مفهاش فلوس تكمل الاجرة.. «خدى دول (وعادة بيكون نصف الاجرة).. وسامحينى فى الباقى. بينما يدعى آخرون أنهم على باب الله وليس معاهم أموال.. ويكتفون بترديد بعض الادعية للتغاضى عن الأجرة.

ولم يخل اليوم من طلبات بعض الزبائن بتشغيل أغانى (أوكا واورتيجا) أو أغنية (اه لو لعبت يا زهر).. أو غيرها لتسليتهم طول السكة وليمر الوقت بسرعة، أو من مناوشات بعض الصبية الذين يتعمدون اعتراض طريق (التوكتوك)، والركوب عنوة، ولم يمنع «غلاستهم» أهالى المنطقة.

جمال «شاب» فى اوائل الثلاثينات، استغرب فى بادئ الأمر عندما استوقفنى وركب معى التوكتوك، ولكن سرعان ما تقبل الأمر.. وتحدث معى فى أشياء عديدة منها احوال البلد، والبطالة التى يعانيها أصحاب المؤهلات العليا، والتى دفعت الكثير من الشباب لقيادة التوكتوك هرباً من البقاء دون عمل.

وأكد أن التوكتوك ده سلاح ذو حدين، رغم أنه يوفر فرص عمل للشباب العاطل وفيه لقمة عيش حلوة، إلا أنه أصبح خطرا على المهنيين والصناع خاصةً أن المصانع تعانى نقص الأيدى العاملة نتيجة للتمرد على يومية العامل التى لا تساوى حتى نصف يومية التوكتوك بالإضافة إلى أنه أصبح ديلفرى لنقل المخدرات من تاجر الجملة إلى القطاعى والصغار.

وأشار إلى أن الكارثة الكبرى أن التوكتوك غير مطابق للمواصفات الأمنية وذلك لعدم اتزانه وعدم صلابة هيكله الخارجى، وعدم وجود أبواب أو أحزمة أمان ما يعرض الركاب للخطر فى حالة الحوادث.

 

أهم الاخبار