الإسلام السياسى وصناعة الإرهاب من عصرالصحابة إلى حكم الجماعة!

عداء الإخوان للقضاء بدأ عام 1948بتصفية "الخازندار" وتفجير محكمة باب الخلق

ملفات محلية

السبت, 14 ديسمبر 2013 07:02
عداء الإخوان للقضاء بدأ عام 1948بتصفية الخازندار وتفجير محكمة باب الخلق
بقلم: طلعت الطرابيشى

فى بلاد الغرب.. بلاد «الإفرنجة», و«الوق الواق» التطرف الدينى صناعة عارضة.. وافدة.. ظاهرة استثنائية،  وفى بلاد الحضارة الإسلامية, مهد الشرائع السماوية, والوحى,

والوسطية, الإرهاب والتطرف الدينى صناعة أصيلة, لها ماركة مسجلة, وملكية فكرية, وبراءة اختراع, ومحظور على ما عداها التقليد.
ورغم تغير الظروف والأزمان بداية من عصرالخلفاء الراشدين, وحتى زوال الخلافة, إلى يومنا هذا لاتزال الفرق, والجماعات والأحزاب, وتيارات الإسلام السياسى بنزقها, وصلفها هى هى.. تتغير المسميات والهدف واحد, وهو الصراع على السلطة، وتحت ستار الدين تقنن الفتن, وجميع الموبيقات لنفسها ولأنصارها, وتزينها لغيرها، فالحرام فى شرعها حلال, والحلال حرام، والكذب مباح, والرجوع عن الحق فضيلة, وسفك الدماء وسيلة، ومن أجل الغرض, والسلطة تستحل الأموال والأعراض، ويصبح «جهاد النكاح» جائزاً ومستحباً فى عرف وأدبيات شيوخ المدعين.

يسقط عميل الإنجليز
وبما أن النظرية «الميكافيلية» الغاية تبرر الوسيلة, أيديولوجية وعقيدة, وأسلوب حياة عند إخوان البنا, فالمبادئ والمواقف فى عرفهم متغير, حيثما توجد المصلحة.. عرض وطلب، وبالتالى لا عجب من انقلاب الإخوان على صدقى 360 درجة, فبعد أن كان صادق الوعد, اتهموه بالخيانة والعمالة للإنجليز مجاراة لغضبة الحركة الوطنية، بسبب توقيعه اتفاقية المفاوضات مع الإنجليز, المعروفة باتفاقية «صدقى – بيفن» وانحيازها لبريطانيا واليهود.. وكان الكاتب الصحفى الكبير صبرى أبوالمجد قد ذكر, ما من مظاهرة عارضت وزارة إسماعيل صدقي، إلا واحتشد شباب الإخوان ضدها حتى أفسدوها، وفى جريدة مصر الفتاة كتب المناضل أحمد حسين زعيم الحزب, أن حسن البنا كان مجرد أداة فى يد الرجعية, وفى يد الرأسمالية اليهودية, وفى يد الإنجليز وصدقى باشا، وكان الشعب يستقبل البنا بالهتاف ضده يسقط صنيعة الإنجليز.

عدو الشعب!
وقد حاول البنا التماس العذر للإخوان، بسبب اتهامهم بالانتهازية, وتسييس الدعوة, واستقالة عدد من أعضاء الجماعة، بعد اكتشاف تواطئه مع الملك فى إقالة النقراشى, واختيار صدقى الملقب بعدو المصريين، ثم الانقلاب المفاجئ عليه من التأييد الأعمى, إلى الهجوم السافر دون مبرر, أو تمهيد مسبق، الأمر الذى دفع «الوفد» والقوى الوطنية إلى مطالبة البنا بالاعتذار للمصريين, ورفضهم تبريرات فريد عبدالخالق سكرتيره التى نشرها فى جريدة الإخوان, بأن جماعة الإخوان هى الضحية, لأنها «خدعت فى الرجل» أى صدقى.
ويقول المستشار عبدالله رشوان ممثل الادعاء فى قضية السيارة الجيب فى مذكراته، بعد تحفظ 7 من الوفد المصرى على المفاوضات فى لندن, وتصاعد الغضب ضد صدقى, وركوب الإخوان الموجة, وعودة الوفد المصرى, اندلعت في مصر مظاهرات عديدة فى أول ديسمبر, رافضة اتفاقية «صدقي – بيفين»،  وقامت الشرطة بقمع المظاهرات، ورداً على قمع الشرطة هذه المظاهرات قام التنظيم السري للجماعة يوم 3 ديسمبر 1946 بتفجير عدد كبير من أقسام البوليس، شملت قسم الموسكى, ومصر الجديدة والجمالية, والأزبكية ونقطة السلخانة, وعابدين والخليفة, ومركز إمبابة، وبرر الإخوان عمليات العنف والتفجيرات, بأنها محاولة لدفع الضرر عن الجماعة حاملة لواء الدعوة الإسلام ضد عنف الشرطة.

مخازن سلاح المقطم
ومع بداية عام 1948, الذى أطلق عليه عام الكوارث على الإخوان المسلمين، حيث كان بداية دخول جماعة الإخوان دائرة التصنيف كجماعة إرهابية، فقد أعلن البوليس فى يناير أنه اكتشف بمحض المصادفة مجموعة من الشبان تتدرب سراً على السلاح في منطقة جبل المقطم، وبمداهمة المجموعة, التي قاومت لبعض الوقت, ضبط البوليس 165 قنبلة, ومجموعات من الذخائر والأسلحة.. وقال زعيم المجموعة سيد فايز, وكان اسمه جديداً تماماً على البوليس برغم أنه كان أحد قيادات الجناح العسكرى, أو الجهاز السري: إن السلاح الذى بحوزتهم تم تجميعه من أجل فلسطين, وإن الشباب يتدرب من أجل فلسطين.

انقلاب إخوان اليمن
وبعد أيام من واقعة اكتشاف ميليشيات عسكرية, ومخزن أسلحة ومتفجرات للإخوان - وبالتحديد - في السابع والعشرين من فبراير, وجهت ضربة جديدة للإخوان، حيث وقع انقلاب عسكرى على نظام الحكم في اليمن اغتيل فيه الإمام يحيى حميد الدين حاكم اليمن على يد المعارضة بزعامة عبدالله الوزيري، وكان لحسن البنا, وللجماعة الدور الأكبر في هذا الانقلاب, بالتعاون مع البدر حفيد الإمام يحيى, الذى كان يتطلع لإعداد اليمن لتكون أولى دول الخلافة، ولكن الانقلاب لم يدم لأكثر من ستة وعشرين يوماً فقط، فكان ذلك بداية التوتر بين ملك مصر وحكومتها من جانب, وجماعة الإخوان المسلمين ومرشدها حسن البنا من جانب آخر.. وكان البنا بعد نجاحه فى تجاوز حدود مصر, قام بتجنيد أعضاء للإخوان فى كل من اليمن, وسوريا, والأردن, والسودان، بهدف بناء روابط وقواعد لانطلاق دعوته, وتنظيمه السرى، لاستخدامها فى مناوئة أنظمة الحكم بهذه الدول, ووصمها بالفساد، بدعوى مخالفتها الشريعة, وبالتالى زعزعة استقرارها, بالتنسيق والتعاون مع دول الحلف ومنها بريطانيا، من أجل الوصول إلى تغيير الحكم إلى الخلافة.

تصفية «الخازندار»
وبشعار السيفين والمصحف للجماعة أضفى المرشد حسن البنا على دعوته مسحة قدسية, وسلاح القوة، ووصل الأمر أن زرع فى أتباعه مقولته المأثورة «لا يكتمل إيمان المرء إلا إذا آمن بدعوة الإخوان وبه» أى حسن البنا صاحب الدعوة, باعتباره فى نظرهم معصوماً لا يخطئ، الأمر الذى جعل المنتمين للجماعة يتخيلون أنفسهم بشراً «بشرطة».. جنساً مميزاً مختلفين عن المجتمع الذى لم يكتمل إسلامه، وأوعز لهم المرشد بأنهم فى حرب ضد الشرك (ملحوظة: مصر دولة إسلامية)، ولا سبيل لنشر دعوة الإخوان, والتقرب إلى الله إلا بقوة السلاح، وقد كانت صدمتهم فى تصدى القاضى المستشار أحمد الخازندار لنظر قضية اعتداء شباب الإخوان على جنود بريطانيين فى الإسكندرية فى 22 نوفمبر 1947، والاتجاه إلى إدانتهم، واعتبار قتل الجنود البريطانيين واليهود جريمة، وطبقاً لاعتراف أحمد عادل كمال المنشق عن التنظيم السرى فى كتابه «النقط فوق الحروف», تم تهديد القاضى لإثنائه عن السير فى القضية, وعندما لم تفلح محاولاتهم, وأصدر القاضى أحكاماً بالأشغال الشاقة المؤبدة علي الشباب، اشتاط البنا غضباً وهو يصرخ «ربنا يريحنا من الخازندار وأمثاله», وهو ما اعتبره «السندى», وأعضاء التنظيم فتوى, و«ضوءاً أخضر» من البنا باستحلال دم الخازندار، وقرر عبدالرحمن السندى قائد التنظيم السرى, استهداف القاضى.
وفي صباح يوم 22 من مارس 1948 خرج القاضى الخازندار من منزله بشارع  رياض بحلوان, ليستقل القطار إلى القاهرة، حيث مقر المحكمة، وبعد عدة خطوات من منزله أطلق شخصان عليه تسع رصاصات فسقط قتيلاً، وتمت مطاردتهما من قبل جيران القاضى والقبض عليهما, وعثر البوليس بحوزتهما على أوراق تثبت انتماءهما لجماعة الإخوان, وهما محمود سعيد زينهم طالب بمدرسة الصناعات الميكانيكية 21 سنة، وكان أحد أبطال المصارعة, والثانى حسن عبدالحافظ طالب توجيهية متكرر الرسوب، وكان عثر فى حوزة القاضى علي أوراق قضية كان ينظر فيها وتعرف بقضية «تفجيرات سينما مترو», والمتهم فيها أيضاً عدد من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، وقامت النيابة باستدعاء مرشد الجماعة حسن البنا لسؤاله حول ما إذا كان يعرف الجانيين إلا أنه أنكر معرفته بهما تماماً، لكن النيابة تمكنت من إثبات أن المتهم الأول حسن عبدالحافظ كان «السكرتير الخاص» للبنا، وهنا اعترف البنا بمعرفته للمتهم.
وفي 20 يونيو 1948 اشتعلت النيران في بعض منازل حارة اليهود، ولم يتم القبض على أى متهم من الفاعلين، وإن كانت أصابع الاتهام وجهت إلى جماعة الإخوان، وبعد مرور أقل من شهر تم تفجير محلي شيكوريل وأركو، وفى الأسبوع الأخير من يوليو, والأول من أغسطس، كان قلب القاهرة على موعد مع أفلام الرعب، فقد شهدت سلسلة من الانفجارات العنيفة في ممتلكات اليهود, اهتزت معها شوارعها المرة بعد الأخرى، وفى سبتمبر وقع انفجار هائل فى حارة اليهود ترتب عليه انهيار أربعة منازل و20 قتيلاً و66 مصاباً، وخلال أسبوعين دمرت محلات بنـزايون, وجاتينيو, وشركة الدلتا التجارية ومحطة ماركوني للتليغراف اللاسلكي, وشركة الإعلانات الشرقية, وبعض المسارح ودور السينما، وتشير بعض الروايات إلى امتداد دائرة الاشتباه إلى عدد كبير من أعضاء شعب الإخوان, والقبض على بعض العناصر المنتمية لهم.
وطبقاً لما سجله عبدالرحمن عمار، وكيل وزارة الداخلية فى ذلك الوقت, أعد مذكرة تحرى قال فيها: إن جماعة الإخوان ترمى إلى الوصول للحكم بالقوة والإرهاب وأنها اتخذت الإجرام وسيلة لأهدافها, فدربت شباباً من أعضائها أطلقت عليهم اسم الجوالة (لم يكن التنظيم السرى اكتشف), وأنشات لهم مراكز رياضية تقوم بتدريبهم تدريباً عسكرياً, وأخذت تجمع الأسلحة والقنابل والمفرقعات وتخزنها وساعدها على ذلك ظروف حرب فلسطين, باستغلال التبرعات الموجهة لها لشراء الأسلحة لتنفيذ مخططاتها وخلصت إلى أن وجود هذه الجماعة يهدد الأمن العام.

قضية «السيارة الجيب»
وما كاد يمر شهر لانتظار رئيس الحكومة محمود النقراشى, للإمساك بصيد ثمين يكشف شبكة الإرهاب لإنهاء العنف, والتوصل إلى المتورطين من قيادات الإخوان متلبسين بأدلة الاتهام، حتى كانت المفاجأة وقوع ما هو أكثر من المطلوب, وهو سقوط الجناح العسكرى للإخوان بالكامل، ففي يوم 15 نوفمبر من نفس العام 1948, الذى يعد يوماً أسود فى تاريخ الجماعة، فقد أمسكت الشرطة سيارة جيب بها قنابل, وأسلحة, ومتفجرات, ومستندات تخص التنظيم السرى عن مخططات التفجير والاغتيالات, وأسماء أعضاء التنظيم الحقيقية والحركية, وخرائط التفجير التي تمت في الآونة الأخيرة، وشفرات العمليات المستهدفة، والقبض على ثلاثة من رجال الإخوان كان أهمهم مصطفى مشهور أحد الخمسة المؤسسين والمسئولين عن التنظيم السري، بالإضافة إلى أحمد عادل كمال, وآخر.
وكانت واقعة ضبط السيارة، كما يرويها عمرو إبراهيم الباحث فى التوثيق التاريخى, اكتشفها بالمصادفة أحد «كونستبلات البوليس» عسكرى مرور أثناء خدمته، حيث لفت نظره أن السيارة أثناء سيرها فى منطقة الوايلى دون أرقام، ثم توقفت لعطل مفاجئ, وكان بداخلها مجموعة من الأشخاص، وقام الكونستبل باستدعاء الأمن على عجل، وبمطالعة الأمر هرب سائقها مصطفى كمال (سقط بعد ذلك فى قضية الأوكار عام 47)، وحاول الباقون الهرب، ولكن تم ضبطهم، واقتيادهم والسيارة إلى قسم البوليس، وعثر بالسيارة على أوراق خاصة بالتنظيم وكمية كبيرة من الأسلحة والمتفجرات، وأظهرت التحقيقات أن السيارة الجيب كانت فى طريقها لنقل حمولتها إلى شقة أحد الإخوان بالعباسية.
وعقب افتضاح أمر التنظيم, تم القبض على 40 من أعضائه, وقائده عبدالرحمن السندى، فبدأ رد الإخوان فى 4 ديسمبر, بتنظيم مظاهرة بكلية الطب بجامعة فؤاد (القاهرة)، فقاد اللواء سليم زكي حكمدار شرطة القاهرة ومؤسس القلم السياسى, قوات الأمن لفض المظاهرة، وإذا بطالب ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين يلقى  عليه بقنبلة من الطابق الرابع, فسقطت أمامه فمات على الفور، وكما يقول محمود الصباغ في تبريره لتلك الواقعة, كان إلقاء القنابل في المظاهرات من جانب المتظاهرين في هذه الأيام أمراً عادياً، وكان قد تم إخلاء سبيل السندى وبعض رفاقه فيما بعد.
وبعد يومين من الحادث (6 ديسمبر 1948) أصدر رئيس الحكومة محمود النقراشى بصفته الحاكم العسكرى, قراراً بإغلاق صحيفة الإخوان، وفي نفس اليوم خرجت جريدة الأساس (جريدة حزب السعديين الحاكم) بعنوان أخبار سارة ستذاع قريباً، فساد التوتر تصرفات الجماعة، وحاول حسن البنا فعل أي شيء لإنقاذ الموقف بعدما شعر بخطورته، ولكن دون فائدة!
وبعد يومين آخرين و - بالتحديد - في الساعة العاشرة مساء اتصل عبدالرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية, بالمرشد حسن البنا ليبشره بأن أخباراً سارة ستذاع في الراديو بعد قليل من شأنها إنقاذ الموقف، فشكره حسن البنا، وتجمع قادة الجماعة ومعظم المنتمين لها بالمقر العام بالدرب الأحمر بقلب القاهرة, والتفوا جميعاً حول الراديو في انتظار الأخبار التي سيذيعها.

حل جماعة الإخوان
وفي الساعة الحادية عشرة من المساء أذاع راديو القاهرة قرار النقراشى بصفته الحاكم العسكرى العام رقم 63 لسنة 1948, بحل جماعة الإخوان المسلمين بكل فروعها في البلاد, ومصادرة أموالها وممتلكاتها, وغلق صحيفة الإخوان.
فقررت الجماعة الانتقام من النقراشي باشا رئيس الوزراء رداً على قرار الحل, والذي رأوا فيه اعتداء على الدين واعتداء على شرع الله – حسبما ذكر ممثل الادعاء - كما أنهم رأوا أن قرار حل الإخوان لا يصدر عن مؤمن، وسجل ذلك محمود الصباغ أحد قادة التنظيم السري، واعتبروا النقراشي شخصاً غير مرغوب فيه, ولابد أن يزاح عن الطريق بأي ثمن، وهذا ما أكده جمال البنا الشقيق الأصغر لحسن البنا قبل وفاته.

«ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين»
وقد أحس محمود فهمي النقراشي باشا الذى احتفظ بوزارتى الداخلية والمالية, إلى جانب رئاسته الحكومة بالخطر، فبدأ يشدد الحراسات حوله تحسباً لفعل إخواني كردة فعل على قرار حل الجماعة، وصدق حدسه فلم يكد عام 48 على الرحيل بكل هذه الكوارث إلا ولقى حتفه في العاشرة من صباح يوم 28 ديسمبر، حيث تنكر شاب من شباب الإخوان المسلمين يدعى عبدالمجيد أحمد حسن طالب بطب بيطرى في زي ضابط, وانتظر قدوم النقراشى في بهو وزارة الداخلية، وما أن وصل واقترب من المصعد عاجله بإطلاق الرصاص عليه, فسقط مضرجاً فى دمائه وسط أفراد حراسته، وتشير بعض الكتابات، إلى أن القاتل ظل رغم كشف انتمائه إلى الإخوان، متحفظاً على الاعتراف على زملائه المتورطين معه فى الجريمة لفترة، ظناً منه أنه عمل عملاً صالحاً يقربه إلى الله، حتى علم بالجملة المشهورة التى أطلقها حسن البنا, يتبرأ فيها من مرتكبى الجريمة بأنهم «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين»، مما يعد انتهازية وهروباً من المسئولية لكونه المرشد العام ومؤسس الجناح العسكرى, وعلى علم بكل جرائم الإرهاب والقتل، فانهار واعترف على المحرضين, والممولين والمشاركين معه فى الجريمة.
ومع توالى الأحداث الدامية المحزنة زاد سخط وكراهية المصريين إلى كل ما هو إخوانى، والتزمت جماعة الإخوان الصمت في ترقب وانتظار لحادث إرهابي ضدها، فتم القبض على عدد كبير من الإخوان, وتم تصعيد سيد فايز ليصبح أهم قيادة فى النظام الخاص، وتم حصار المرشد العام حسن البنا في بيته، ووضعه تحت الإقامة الجبرية.

نسف محكمة الاستئناف
وفى 13 يناير عام 1949 تطوع شفيق إبراهيم أنس أحد المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين فى محاولة لإنقاذ الجماعة, وتوفير غطاء من الدخان لهروب ما تبقى خارج السجون, بحمل حقيبة والذهاب بها إلى محكمة الاستئناف بباب الخلق بوسط القاهرة, وادعى بأنه مندوب من إحدي مناطق الأرياف جاء بقضايا للعرض على مكتب النائب العام، وترك الحقيبة بداخل المحكمة، وذهب بحجة تناول الإفطار، وبعد مغادرته المكتب، بدأت شكوك الموظفين حول الحقيبة وبسرعة أبعدوا الحقيبة إلى خارج المحكمة فانفجرت بالشارع العام، وتم استدعاء البوليس، وبعد القبض على «شفيق» اعترف بأن الغرض من التفجير كان نسف المحكمة، وذلك للتخلص من أوراق ومستندات قضية السيارة الجيب، وكان ذلك بأمر من قيادات التنظيم السرى.

اغتيال المرشد
لم يعد الأمر ينتظر مفاجآت، فقد ضج المصريون، ووصل غضبهم الزبى من  مشاهدة الحرائق والدماء والأشلاء فى كل مكان، ولم يعد لديهم مطلب سوى رأس أفعى الجماعة، فتم إعداد فخ يوم 12 فبراير 1949، لاستدراج البنا خارج بيته، وتمت تصفيته بشارع رمسيس أمام مبنى جمعية الشبان المسلمين، وقد ذكرت بعض الروايات أن الجانى هو العقيد محمود عبدالمجيد حكمدار شرطة جرجا بصعيد مصر، الذي تم استدعاؤه للقاهرة خصيصاً لهذه المهمة, وبتكليف من القصر، وإبراهيم عبدالهادى الذى خلف النقراشى فى رئاسة الحكومة وحزب السعديين، فى حين حصرها صلاح شادى عضو التنظيم فى كتاب «حصاد العمر» فى محيط الجماعة, متهماً عبدالرحمن السندى قائد التنظيم السرى المقال، بأنه الفاعل والمدبر، وصاحب المصلحة فى التخلص منه، خاصة أن شخصية السندى كانت دموية، بحكم اعتياده على عمليات الاغتيالات وتصفية الخصوم، فضلاً عن نزعاته العدوانية، وحب الزعامة، واستعداده لإنهاء حياة من يطمح فى خلافته، وبلغ به العنف أن قتل زميله القيادى بالتنظيم المهندس سيد فايز عن طريق إهدائه علبة حلوى المولد بداخلها شحنة ناسفة من مادة «الجلجنايت»، انفجرت فى وجهه بمجرد فتحها، لعلمه بنية المرشد اختياره بديلاً له فى قيادة التنظيم، ومع زيادة وتيرة عنف، وسطوة التنظيم، زاد نفوذ السندى، وأصبح مصدر خطر، وتجاوزت قوته حد استخفافه بالمرشد، وعندما قرر المرشد إبعاده وتحجيم نفوذه، ونجح المرشد فى تعبئة الجميع ضده، حتي تمت إقالته، شعر أن الأرض تخور من تحت قدميه، واهتزت قوته، الأمر الذى جعله يقرر الانتقام من البنا، لأنه لا يتخيل العيش بعيداً عن التنظيم، الذى أفنى فيه عمره، ومازال يستمد منه قوته يضيع هباء، ويسرد الكتاب عن واقعة أخرى تدل على ضيق أفق وديكتاتورية السندى، عندما اختلف مع بعض المقربين من البنا بعد وفاته، تعدى فى خلافه حدود الرأى إلى تكفيرهم، وتهديدهم باستخدام القوة، ووصل إلى الدرجة التي حاول فيها  «خلع» المرشد الثاني حسن الهضيبى.

شهد شاهد من أهلها
ولم يسلم الملك فاروق من وضعه فى دائرة اتهام قتل المرشد حسن البنا سنوات طويلة، بسبب تذبذب علاقتهما صعوداً وهبوطاً، وخيانته له وتعاونه مع الإنجليز، رغم زعمه أن محاربة الإنجليز كانت ضمن أسباب نشأة جماعة الإخوان، ولكن المفاجأة التى فجرها محمد نجيب راغب القيادى من الرعيل الأول فى التنظيم السرى، الذى رحل عن عالمنا عام 2010, هى براءة «فاروق» من دم البنا، وتأتى أهمية شهادته لكونه كان أحد المقربين من البنا «أى شاهد من أهلها»، لتنسف روايات الإخوان التى يتم تداولها لأكثر من نصف قرن على حادث الاغتيال، ففى حوار خاص لـ «العربية نت» كشف نجيب أن البنا كان على علاقة جيدة جداً بالملك فاروق، لدرجة أنه يوم زواجه سنة 1937 قامت الجوالة الإخوانية، بأوامر من البنا، وهتفت للملك وبعدها توطدت العلاقات بينهما.. وأضاف أن الإخوان كانوا أيضاً على علاقة جيدة برئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي علي ماهر، وحدثت بينهم بالفعل عدة لقاءات ومقابلات، ولكنها ظلت فى طى الكتمان، ولم تشر إليها الكتابات الخاصة بالإخوان أو غيرهم.

أهم الاخبار