القانون رقم «32» «لطمة» على وجه مافيا الفساد

وجدي زين الدين

الثلاثاء, 06 مايو 2014 22:58
بقلم: وجدى زين الدين

يمنع سيل الدعاوى القضائية فى الداخل والخارج بدون مبرر
شوقى السيد: يقصر منازعات العقود على أطرافها الحكومة والمستثمر
منير فخرى: يجذب الاستثمار وليس طارداً له كما يشيع البعض

استكمالاً لما تحدثت عنه يوم «الاثنين» الماضى بشأن القانون رقم «32» لسنة 2014  الخاص بجذب الاستثمار، وتضييق الخناق على مافيا الفساد التى تطعن على عقود الدولة وتتسبب فى حروب المستثمرين من البلاد، نعرض اليوم جوانب أخرى مهمة فى هذا القانون المهم الذى أصدرته حكومة المهندس إبراهيم محلب فى وقت كان المستثمرون يهربون من البلاد وقيامهم برفع قضايا تعويضات ضد مصر أوجزها المستشار عزت محمود رئيس هيئة قضايا الدولة من خلال طلب تعويضات أمام التحكيم الدولى وبلغت حوالى 100 مليار جنيه، وبلغت جملة القضايا حوالى 2.5 مليون قضية من المواطنين ضد الدولة تشمل الضرائب والجمارك والأراضى، ثم بعد ذلك تتحدث عن استثمارات بالبلاد؟!.. والمعروف أن الدعاوى المدنية أو التعويضات التى تقام ليست فى الداخل محسب إنما أيضاً فى الخارج، وغالباً ما يتم تفويض السفير فى البلد المقام فيه الدعوى بعملية اختيار المناسب لإعداد إجراءات الدفاع.
وإذا كانت هناك عيوب أو فساد فى تطبيق الخصخصة فليس معنى ذلك أن الخصخصة خاطئة فالعيب فى التطبيق لا يعنى أبداً العوار أو العيب فى الشىء نفسه.. واذا كانت هناك عمليات فساد تمت فى عمليات الخصخصة، فالقائمون عليها أو المنفذون لها هم الفاسدون.
القانون «32» لسنة 2014 منع تماماً مافيا كبرى فى البلاد تقوم بعمليات ابتزاز للمستثمرين، وكل المستثمرين تعروضوا لمحاولات كثيرة وضغوط من هذه المافيا، مما جعل المستثمرين يهربون بجلدهم، ويقومون برفع دعاوى تعويض ضد مصر فى بلادهم!! وكما عودنا الدكتور شوقى السيد بغيرته على مصر وانطلاقاً من ثوابته الوطنية فقد صدر له مؤخراً كتاب بعنوان فى مواجهة البطلان، هو دراسة قانونية واقعية نقدية تتناول  تعقيباً على أحكام مجلس الدولة الصادرة بالبطلان فى عقود البيع والتخصيص والخصخصة، ولذلك جاء قانون «محلب» الذى حمل رقم «32» لسنة 2014 ليقطع دابر الذين يبتزون الدولة والمستثمرين، ويمنعهم من تطفيش الاستثمارات فى كتاب شوقى السيد الذى اختار له عنواناً معبراً فى مواجهة البطلان يواجه الأحكام الصادرة ببطلان عقود البيع، أو الانتفاع أو بيع الشركات الخاسرة «الخصخصة»، التى صدرت من مجلس الدولة خلال السنوات السابقة، التى عكف المؤلف على دراستها دراسة تحليلية نقدية، بدءاً من الواقع الاجتماعى وتعارض المصالح وتصادمها خلال سنوات سابقة أدت الى تكاثر عدد القضايا واصدار الأحكام فى أجواء امتهنت فيها العدالة تحت تأثير الرأى العام والظروف الاقتصادية والسياسية فى البلاد، واستعان المؤلف فى مواجهة أحكام البطلان بالنظريات والقواعد القانونية وأحكام القضاء، وأقوال مأثورة لفقهاء وعلماء عظام فى القانون، القدامى والمحدثين، والتى تؤكد أن أحكام البطلان مضطربة.. وغير مستقرة وتسودها الفوضى.. وتحدث آثاراً مدمرة يتعذر تداركها.. وتتناقض مع نظريات قانونية راسخة منذ قديم.
< من هذه النظريات التى  حرص المؤلف على إحيائها.. والتذكير بها فى كتابه.. أن من أخطأ فعليه أن يتحمل الخطأ على أم رأسه، أما الغير فلا يتحمل نتيجة هذا الخطأ.. واحترام الأوضاع الظاهرة. واستقرار المعاملات واحترام الحقوق والمراكز القانونية.. وافتراض حسن النية فى إبرام العقود وتنفيذها، وتعزيز الثقة فى الإدارة.. بل يؤكد لنا المؤلف ان الخطأ الظاهر أحياناً يولد الحق.
< كذلك حرص المؤلف أن يؤكد أن الاستقرار الاقتصادى والاجتماعى والتنمية.. وتشجيع الاستثمار يصطدم بأحكام البطلان.. التى تحدث الفوضى والاضطراب فى المعاملات.. وضد الاستقرار وإهدار الحقوق التى ترتبت خلال فترة تنفيذ العقود، والتى بلغت سنوات طويلة منذ انعقادها والتى أقرت الجهة الإدارية بصحتها وسلامتها، وفى ذات الوقت أكد المؤلف على مساءلة الطرف المخطئ ومحاسبته بشدة وقسوة، مع مراعاة حسن نية الطرف الثانى الذى لم يشارك فى الخطأ حتى لا يتحمل المسئولية بغير  ذنب جناه تأكيداً لحسن النية، واستقراراً للمعاملات.
< ولم يغفل المؤلف ان يشير الى أن التصرف متى انعقد، حتى ولو أصابه البطلان كتصرف، يعتبر واقعة، تحدث آثاراً وترتب حقوقاً كما لو كان التصرف صحيحاً، ويضرب الأمثال العديدة على ذلك مثل الزواج الباطل الذى يعترف بآثاره وثمرته.. وبطلان عقد الشركة كتصرف يعتبر شركة واقع تنتج آثارها.. وكذلك الأوراق المالية أو المستندات حتى ولو كانت باطلة تنتج آثارها فى إثبات الوقائع المدونة بها أو المديونية.
< يدعو المؤلف إلى تعزيز سلطة القاضى الإدارى تجاه العقد حتى ولو  كان باطلاً.. وأن عليه أن يضع الحلول.. ويبتدع الوسائل لتفادى البطلان وآثاره..ويواجه العيوب التى أصابت العلاقة العقدية بإعادة التوازن الاقتصادى.. أو تحقيق العدالة.. واستقرار المعاملات.. التزاماً بالنظريات والقواعد القانونية وبأن لا ضرر ولا ضرار.
< وينتصر المؤلف لرأيه فى سلطة القاضى تجاه دعوى العقد بأحكام قضائية عديدة من القضاء المصرى.. والقضاء الفرنسى وتحديداً مجلس الدولة سواء كانت أحكاماً قديمة أو حديثة صدرت أخيراً من الجمعية العامة لمجلس الدولة الفرنسى فى أعوام 2012، 2013.
< وأشار المؤلف فى دراسته التحليلية النقدية للأحكام، إلى أن السند التشريعى الذى أدى الى صدور أحكام البطلان يرجع الى قانون المناقصات والمزايدات الصادر منذ عام 98 الذى نص فى مادته الأولى على ضرورة إجراء المزادات عند التعاقد.. وإلغاء النص السابق منذ عام 83 الذى كان يسمح للهيئات الحكومية التى لها قوانينها ولوائحها الخاصة بتطبيقها دون اللجوء الى قانون المناقصات،ورغم ان النص الجديد لم ينص على جزاء البطلان الا ان المحاكم قد أرهقت النص وحكمت بالبطلان..وكادت أن تستقر أحكامها على ذلك... حتى أصبحت الأحكام بالبطلان أنها معلومة مقدما!!.
< وبعدها أشار المؤلف الى التطوير التشريعى.. الذى حاولت الحكومة أن تجد حلاً لمواجهة تلك الأحكام، فكان تعديل قانون المناقصات  عام 1006 بالقانون رقم «148».. ثم بعدها  كان المرسوم بقانون 4/2012، بتعديل قانون ضمانات وحوافز الاستثمار لنظر المنازعات أمام اللجنة الوزارية لتصدر قراراً ملزماً لكافة الجهات ومنهياً لكافة القضايا والمنازعات.
< ثم كان الأهم الذي أشار إليه المؤلف في التطور التشريعي الذي اعتبره تطوراً هائلاً.. التعديل الذي أدخل علي قانون المناقصات بالمرسوم بقانون رقم 82/2013 الذي صدر في 11 سبتمبر الماضي، والذي ألغي المشرع بمقتضاه السند التشريعي الذي كان سبباً للبطلان.. بل واعترف المشرع صراحة في مذكرته الإيضاحية بأنه قد أخطأ تقدير المصلحة العامة عندما قرر سريان أحكام «المزايدات» علي الهيئات العامة وكان ذلك سبباً في إعاقتها في مباشرة نشاطها وتحقيق أغراضها.
< بل وأشار المؤلف إلي جهود الحكومة أخيراً بجلسة مجلس الوزراء رقم 9 في 19 فبراير من هذا العام 2014 الذي أكدت بالمادة 8 مكرر «قصر منازعات العقود علي أطرافها الحكومة والمستثمر» وأن تحكم المحكمة بعدم القبول في حالة المخالفة.. وهو ما اعتبره المؤلف تأكيداً لضرورة توافر شرطي المصلحة والصفة في قبول دعوي العقد.. التي تخطتها أحكام القضاء وأهدرت مفهومها.. وقنعت بفكرة «المواطنة» وحدها.. التي كانت سبباً في تكاثر دعاوي البطلان.. والفصل فيها، علي حساب دعاوي أخري قديمة مازالت تنتظر من يأخذ يدها، وهي واقفة في الطابور.
< والكتاب بدأ بمقدمة.. وتمهيد، كاشفاً عن أهمية موضوع البحث وعناصره وجدواه.. وضرورة مواجهة البطلان، وقد استغرق في دراسته وإعداده أربع سنوات.. قسمه إلي بابين، وكل باب فصلين، فالباب الأول خصصه للواقع الاجتماعي والأسباب التي أدت إلي تكاثر دعاوي البطلان أمام المحاكم.. وكيفية نظر تلك الدعاوي وقبولها.. وصلاحية الفصل فيها.. موضحاً فكرة الصفة والمصلحة في اللغة وفي القانون.. بين التشريعات الأجنبية والفقه الاسلامي.. والتشريع المصري.. وكيف خرجت الأحكام عليها وتخطت هذا المعني بطريق التفسير حتي أصبحت الدعوي.. من الدعاوي الشعبية أو دعاوي الحسبة.
< وخصص المؤلف الباب الثاني لدراسة وتحليل أحكام البطلان دراسة تحليلية نقدية مدعمة بالنظريات.. والقواعد القانونية وأحكام القضاء وكيف انها خالفت السوابق والقواعد والنظريات القانونية وخلص إلي أن تقرير البطلان تحقق بشأنه ما قال به علماء القانون والفقهاء الأوائل منذ أكثر من قرن من الزمان انها تحدث الآثار المدمرة.. والفوضي والاضطراب وعدم الاستقرار.. وأخيراً وجه دعوته إلي قضاة مجلس الدولة لإعادة النظر وتوحيد المبادئ.. ومراجعة النظريات والقواعد القديمة والحديثة إعلاء لكلمة الحق والعدل والإنصاف.. والتأكيد علي حُسن النية وأيضاً تعزيز الثقة في الإدارة التي اتهمت بالفساد والموبقات فأساءت إليها وظلمتها إجمالاً.. وألا يتحمل الخطأ غير أهله.. وحتي تستقر المعاملات والمراكز.. وتحفظ الحقوق.. ويتجنب الاضطراب.. والفوضي التي لم تكن خلاقة لكنها دوماً مدمرة.
< يؤكد لنا المؤلف.. وهو من كبار رجال القضاء، وأساتذة القانون والمحاماة.. نظريات وقواعد قانونية.. لفقهاء عظام، وعلماء في القانون، وأحكام قضائية منذ قديم، يتعين التذكير بها دوماً لإحياء وتعظيم هذا التراث العلمي الهائل والإبداع المسئول، يهدف لتحقيق العدل والإنصاف في ربوع البلاد، وتحقيق استقرار المعاملات في المجتمع.. وتعزيز الثقة في جهة الإدارة، وقد عرض لنا المؤلف ما قاله الفقهاء منذ قديم أن أحكام البطلان مضطربة غير ثابتة تسودها الفوضي وتنقصها الدقة، وأن اتباع منطق البطلان يؤدي إلي هدم المصالح العامة التي تتطلبها حماية المراكز القانونية واستقرار المعاملات في المجتمع، وأن التطبيق الصارم لقواعد البطلان قد يؤدي إلي نتائج شاذة وغير عادلة.
< كما عرض المؤلف قواعد وأحكاماً قانونية راسخة ضد أحكام القانون لما تحدثه من آثار مدمرة.. وفوضي صارخة استلهاماً لاستقرار الأمن الاجتماعي في المجتمع وتحقيق العدالة في ربوعه وبين الناس، بما يوجب التضحية أحياناً بالمشروعية حتي قالت به النظرية التقليدية للبطلان من انعدام آثار التصرفات الباطلة.. وقد تكون المصالح التي يستهدفها البطلان أقل من المصالح الأخري التي تكون جديرة بالحماية حتي أن الخطأ الشائع يولد الحق.
< بل إنه حتي لو وقع التصرف باطلاً، فإن التصرف في ذاته يعتبر «واقعة» تنتج أثرها بين أطرافه وفي المجتمع، بما يوجبه الإقرار والاعتراف بآثارها، كما لو كان التصرف صحيحاً، وكشف لنا المؤلف في كتابه عن أن هذه الأحكام المستحدثة التي وقفت عند حد البطلان، كانت نتاج صراع متصادم في المجتمع بين بعض طبقاته فأساءت الظن في كل التصرفات التي أجرتها الإدارة، وتجنت علي سمعتها دون تفرقة، بعد أن تكاثرت دعاوي البطلان.. وتخطت الأحكام العقبات القانونية عند نظرها والفصل فيها، فقبلت الدعاوي بغير مصلحة شخصية.. والحكم فيها بمنهج ضيق في التفسير.. وإغراق في الشكلية.. وصدرت أحكام البطلان في أجواء محمومة وسط صراع مجتمعي متصادم لدي الرأي العام.
< ثم عرض لنا المؤلف كذلك الأحكام والنظريات الحديثة التي توجب احترام الظاهر.. واستقرار المعاملات وتعزيز الثقة في الإدارة.. وحماية المراكز القانونية وحُسن النية في إبرام العقود وتنفيذها.. والمنهج العلمي في تفسير النصوص وبيان فكرة المصلحة الشخصية المباشرة كشرط لقبول الدعاوي وصلاحية نظرها والفصل فيها.. وهي اجراءات متعلقة بالنظام العام وحُسن سير العدالة وكذلك التطور التشريعي في البلاد الذي حدث مؤخراً بعد قانون المناقصات والمزايدات عام 98.. بعد أن اعترف المشرع بخطئه بالقانون رقم 82/2013 وبأنه قد أساء تقدير المصلحة العامة، وكان علي  القاضي أن يضع نفسه مكان المشرع ماذا لو كانت تلك الحالة أمامه حتي يتفادي الاضطراب الذي يصطدم بالمراكز القانونية ويهدم استقرار المعاملات واحترام الأوضاع الظاهرة.. ويعزز سوء الظن في التعامل مع الإدارة.. وتحقيقاً للمصالح العامة والمصالح الجماعية.
< وأكد لنا المؤلف انه علي القاضي في كل مرة أن يبتدع الحلول ويبتكر السبل للخروج من دائرة البطلان الضيقة، تحقيقاً للعدالة.. لأن الغرض الاقتصادي للتصرف لا يقل أهمية عن الجانب الشكلي بل ويزيد عليه أحياناً، لتحقيق التنمية واستقرار المعاملات وتحقيق الرخاء في البلاد!، وحتي لا يتعدي الجزاء، في حالة وجود الخطأ إلي الغير الذي لم يكن له ذنب فيه، والذي يتعين أن يتحمله المخطئ علي أم رأسه ولا يتحمله غيره.
ويري منير فخري عبدالنور وزير الاستثمار والتجارة والصناعة ان القانون رقم «320» لسنة 2014، هو جاذب للاستثمار وليس طارداً له ويفتح الأبواب أمام المستثمرين في البلاد بدون خوف وبدون تردد بعد ما قصر المنازعات علي أطراف العملية نفسها الحكومة والمستثمر، ويقضي تماماً علي فساد كان قد استشري بشكل مخيف.. كما أن هذا القانون يمنح المستثمرين الثقة التي افتقدوا في البلاد بسبب الذي يطارد منهم دون حق والذين يشيعون خلاف ذلك، إنما هم يبحثون عن مصالح حقيقة علي حساب المصلحة العامة في جذب الاستثمار.