فـــؤاد مطـــر يكتب : أمثولة سودانية للبنان المستبشِر نفطًا

جولة عربية

الثلاثاء, 10 يناير 2017 14:24
فـــؤاد مطـــر يكتب : أمثولة سودانية للبنان المستبشِر نفطًافؤاد مطر

مِن قبل أن يدخل السودان عصر الذهب الأسود ويسبق الأصفر الرنان الراقد

منتظِرًا مَن يُخرجه من باطن الأرض، واكبتُ بدءًا من منتصف الستينات أحوال هذا

البلد الذي كأنه القارة السادسة التائهة عن شقيقاتها الخمس. كانت الأحوال

هانئة وكان الحمد والشكر على كل لسان وعلى قاعدة «الصبر مفتاح الفرج».

وعلى رغم إذكاء شرارات التمرد في الخاصرة الجنوبية من وطن المليون ميل مربع

الذي لا تتجاوز الطرقات المرصوفة فيه حتى مطلع الستينات مائة كيلومتر مربع،

فإنه كان متماسكًا يحاول بنجدات النفط من الشقيقة المشاطئة بحره الأحمر،

المملكة العربية السعودية، وتحويلات المغتربين العاملين في المملكة ودول

الخليج وهم نحو ثلاثة ملايين، معالجة الوضع الاقتصادي والمعيشي في حدود

الممكن. وأما العائد من القطن والسمسم والصمغ المرغوبة دوليًا فبالكاد يكفي

لتأمين متطلبات الجامعات والمدارس وتدعيم الجيش بالقدرات وتأمين الأدوية

والمعدات التي تحتاجها المشافي والمستوصفات.

بين الحين والآخر كانت حركة التنقل ترتبك عندما يتأخر وصول النجدة النفطية.

وبين موسم ومواسم كان العطش يتحول إلى ما هو أكثر من أزمة تستوجب إعلان

طوارئ. ومثل هذا الأمر كان يثير الدهشة؛ ذلك أن في السودان نيليْن بدل نهر

النيل الواحد، النيل الأبيض والنيل الأزرق، فيما هنالك في مصر نيل واحد ومع

ذلك لا أزمة عطش. لكن المشكلة على نحو ما أوضح لي الأمر ذات لقاء به الرئيس

(الراحل) جعفر نميري خلال تعبيري عن هذه الدهشة هي أن السكان في مصر

يتجمعون على شريط ضيِّق حول ضفتي نيلهم بينما في السودان هذا الكيان الشاسع

ينتشر بعض الناس في مناطق قريبة من النهر، والكُثر يتمركزون في مناطق نائية.

وهؤلاء هم الذين يتأذون من العطش وتتحول مشكلتهم إلى عبء على الدولة التي

واجبها توفير المياه لهم.

هذا المشهد المأساوي بدأ يتبدل خطوة تلو خطوة مع حلول عام 1975 عندما بدأ

حديث النفط جزءًا من الوَنَسات السودانية، أي جلسات التباسط في أحوال العباد

والبلاد. ولمجرد أن صارت شركة النفط الأميركية «شيفرون» السبَّاقة طَبَقًا على

مائدة كل بيت إلى جانب طَبَق الكسرى وغيره من ابتكارات الأطايب البسيطة

والشهية، وذلك بهمة الدكتور شريف التهامي أول وزير للنفط، باتت الأحلام هي

التي تراود الخواطر. فالشركة لأنها أميركية تكتسب ثقة ملحوظة. ولأنها كذلك

فإن الآبار ستتفجر نفطًا، وهذا يعني أن عشرات الألوف من الطرقات سيتم رصْفها

ومئات المشاريع ستقام وستنحسر البطالة بالتدرج، وستتحول السوق المتواضعة في

قلب العاصمة المثلثة وتلك السوق في أم درمان إلى ما تشبه أسواق القاهرة،

وأسواق مدن جدة والرياض والكويت وأبوظبي حيث الألوف من السودانيين العاملين

في هذه المدن يروون لعائلاتهم في السودان أي رونق هي عليه أسواق ومتاجر تلك

المدن. وإلى ذلك فإن النفط سيحل أزمة التنقل، ولن يكون هنالك شح بعد الآن

وإنما محطات تزويد النفط موجودة في معظم أحياء العاصمة ثم البلدات الرئيسية.

بطبيعة الحال سال لعاب شركات نفط عالمية فرنسية وكندية وأميركية، وتقدمت

بعروض مغرية من أجل أن تحظى بالحفر في بعض المناطق. وكان الصينيون الأكثر

جدية وبالتالي الأكثر قبولاً، وسبق اقتحامهم الميدان أن صين ماو تسي تونغ

كانت سخية بمقدار مع الرئيس نميري، حيث عمَّرت له «قاعة الصداقة» الرديفة من

حيث فعاليتها وإقامة رئيس البلاد فيها للقصر الجمهوري. كما أن الصين

«الماوية» أهدت السودان تشييد مبنى البرلمان وتجهيزه. وأما على الصعيد

الصحي فإن الطب الصيني دخل السودان واستقر وبات العلاج عن طريق الوخز

بالإبرة منتشرًا في طول السودان وعرْضه. وبصرف النظر عما إذا كانت هذه

الأريحية الماوية هي رد فِعْل من جانب ماو تسي تونغ الذي لاحظ عندما زاره

نميري في بكين أنه أول رئيس أجنبي يردد في حديثه الكثير من مضامين «الكتاب

الأحمر»، أو أنها نوع من المكافأة لنميري على ضرْبه الحزب الشيوعي السوداني

المحلق في الفضاء السوفياتي أشد ضربة، إلا أنها كانت تمهيد لموطئ قدم ثابتة

في البلد ذي الأهميتيْن: بوابة العرب على أفريقيا وطريق أفريقيا الاستراتيجي

إلى العالم العربي.

ولقد تبيَّن أن الصين تتطلع بشوق إلى موطئ القدم المشار إليه، وكانت شركات

النفط الصينية كثيرة التباهي بأن مقرها الرئيسي في الخرطوم كان «فندق

السودان» المطل على النيل والذي يكتسب أهمية تاريخية؛ كونه المقر الذي

استضاف فيه السودان يوم 29 أغسطس (آب) 1967 المؤتمر الأهم في تاريخ القمم

العربية... مؤتمر اللاءات الثلاثة ومساعدة عبد الناصر لتَجاوُز كبوة العمر

هزيمة الخامس من يونيو (حزيران) 1967.

قوبلت الهجمة الصينية على السودان بعدم ارتياح الإدارة الأميركية، وبدأ

ديناصورات صناعة النفط في الولايات المتحدة يحيكون التحرشات التي تضع حدًا

للماوية وحلفاء ماو تسي تونغ الذين يخططون لجعل السودان منصة انطلاقهم في

كل الاتجاهات الإقليمية. هنا بدأت ملامح تحفيز الجنوبيين الذين فقدوا رمز

تمردهم جون قرنق، على أن يكثفوا السعي من أجل انفصال الجنوب، مع التعهد لهم

بمساعدة دولتهم. ولقيت بشائر وجود النفط في مناطق جنوبية أفضل تشجيع للقادة

الجنوبيين الذين يشاركون في النظام الذي يترأسه عمر حسن البشير، حيث نائب

الرئيس هو سلفا كير (خليفة قرنق) ووزارة الخارجية في عهدة جنوبي، فضلاً عن

أن مناصب أخرى في الحكومة وفي الجيش والأمن الداخلي يشغلها جنوبيون. ورغم

هذه الـ«كوتا» المغرية أصر القادة الجنوبيون وتحت تأثير الشحن المتعدد

الأنواع على أنهم يريدون دولتهم المستقلة.

وفي يوم لا مثيل لمأساويته في تاريخ الأمة انشطر السودان اثنين، وضمن

مشروعية استفتاء على تقرير المصير أفرزه اتفاق السلام الشامل الذي تم

التوقيع عليه عام 2005. ورغم أن نتيجة الاستفتاء الذي أُجري يوم 9 يناير

(كانون الثاني) 2011 كانت نحو 99 في المائة إلا أن حال جنوبيي السودان في

إطار الشراكة والمحاصصة ضمن الكيان الواحد كانت أكثر استقرارًا. ولكنه النفط

الذي جعل السودان هذا الكيان شبه القارة ينشطر اثنين، ويحدث ما هو أقرب إلى

الطلاق بالتراضي ما دام طالب الطلاق موعودًا كما المرتضي الطلاق بخيرات

النفط، والتي من دون انشطار الكيان اثنين وقيام الدولة ذات الرقم 193 لن

يكون هنالك نفط ولا مَن ينفطون.

لو كان هناك استقرار في السودان وشراكة في الحكم تعطي كل ذي شأن حقه، لكان

بلد المليون ميل مربع ذو النهريْن خير أرض للاستثمار، وعند ذلك سيكون بالفعل

سلة الغذاء للأمة. ومِن «مساوئ القدر» أنه شمالاً وجنوبًا لن يجني من خيرات

النفط ما كان مأمولاً الحصول عليه لأن أسعار النفط إلى المزيد مِن التدني.

بالمقارنة مع الحالة التي يعيشها لبنان المستبشر نفطًا وبصيغة المحاصَصة

النفطية التي دخلت بدءًا من يوم الأربعاء 4 يناير 2017 حلبة الصراعات في

لبنان، فإن الذي أصاب السودان يصلح أمثولة قد تُنبه أهل الحُكْم إلى أن البلد

الصغير الذي مساحته أقل من مساحة مديرية من مديريات السودان وسكانه نصف

سكان مدينة عربية مثل القاهرة، يستطيع بما أنعم الله عليه من مزايا طبيعية

وثروات مائية وسهول زراعية دائمة الاخضرار كما أرزاته على مدار السنة، بأن

يكون مقصد بلاد النفط وأرضًا مثالية لاستثماراتهم ورفاهيتهم، وبذلك لن تنتهي

به أحلام النفط الموعود إلى ما انتهت إليه أحوال السودانيين. ومثل هذا

الاستغراق في أحلام النفط هناك ما هو أكثر أهمية. هنالك أزمة المياه التي

يعيشها اللبنانيون فيما أنهارهم بالعشرات لكن أحوالهم ينطبق عليها مع بعض

التعديل قول الشاعر: كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ... والماء فوق ظهورها

محمول. وفي لبنان الماء يجري بغزارة وفي كل المناطق، لكن هناك من أهل

السلطة عن إفادة الناس من مياه أنهارهم من هم ساهون.

وسيكون هؤلاء ساهين أكثر من الآن وحتى بدء استخراج النفط من تحت مياه

نصيبهم من الأبيض المتوسط الذي تصب فيه هدرًا مياه أنهارهم، فيما تجارة شراء

الماء في بلد المياه باتت رائجة. معاذ الله على هذا التفريط بنعمة رب

العالمين. ويا خوف اللبنانيين عدا المتحاصصين طوائفيًا من مفاعيل الانصراف

عن أخضر بلدهم إلى أسْوده الذي لن يكون في أي حال رنانًا كما من ذي قبل. ومَن

يعش يرَ.نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط